كيف أرّخ العرب لأيامهم منذ فجر التاريخ؟ وهل السنة الهجرية تأريخ أم تقويم؟
• Author,أميمة الشاذلي
• ,بي بي سي عربي – القاهرة
•
“لما أُهبط آدم من الجنة وانتشر وَلَدُه، أرّخ بنوه (بداية) من هبوط آدم، فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحاً، فأرخوا ببعث نوح، حتى كان الغرق فهلَك من هلَك ممن كان على وجه الأرض”. بهذه الجملة، افتتح الإمام جلال الدين السيوطي كتابه (الشماريخ في عِلم التاريخ).
وأوضح المؤرخ والفقيه المصري الذي عاش في القرن التاسع الهجري، أن من تبقى من البشر أرخوا بالطوفان الذي حدث في عهد النبي نوح، أي أن الناس كانوا يقولون إن كذا حدث في سنة كذا بعد الطوفان، تماماً كما يؤرخ الناس سنواتهم اليوم بعد ميلاد السيد المسيح.
وحين نجا النبي إبراهيم من النار التي حاول النمرود ملك بابل إحراقه فيها، بحسب الرواية الإسلامية، اتخذ الناس من هذه “المعجزة” تأريخاً لهم، ثم بدأت ذرية إسحاق بن إبراهيم بتأريخ جديد مع كل بعثة لنبي من ذريته، وصولاً إلى النبي عيسى (السيد المسيح) والنبي محمد نبي الإسلام.
أما ذرية إسماعيل بن إبراهيم، الذي يُنسَب إليه العرب، فيقول السيوطي إنهم بعد نجاة إبراهيم من النار، أرخوا ببناء الكعبة حين بناها إبراهيم وإسماعيل بحسب الرواية الإسلامية.
بعد ذلك، أرخ العرب بخروج كل قبيلة من قبائلهم من منطقة تهامة، السهل الساحلي للبحر الأحمر من جزيرة العرب، إلى أن توفي الجد السابع للنبي محمد، كعب بن لؤي، الذي كان له شأن عظيم بين العرب، فاتخذوا من وفاته تأريخاً لهم.
إعلان
التأريخ في العصر الجاهلي
•
على الرغم من عدم وجود دليل تاريخي يُثبت أو ينفي ما ذكره السيوطي بشأن التأريخ منذ عهد آدم، فإنه ربما يتماشى مع ما وثقه العرب، عن أن أجدادهم في العصر الجاهلي كانوا يؤرخون بأحداث كبرى لا تُنسى في حياتهم.
وهذا لا يعني أنهم لم يعرفوا تقويماً واضحاً، كما يرجح الدكتور محمد عناد سليمان، الباحث في علوم اللغة العربية والشريعة. فمع عدم وجود ما يوضح بداية التقويم عند العرب، كانت فكرة التقويم معروفة عند الأمم السابقة.
وضرب سليمان لبي بي سي عربي مثالاً بالصينيين الذين يعتمدون حتى يومنا هذا في عملياتهم الحسابية الفلكية على القمر لمدة تجاوزت 5 آلاف سنة قمرية، قائلاً إن “العرب ليسوا بِدعاً من الأمم، وحتماً كان لهم تقويم يعتمدون عليه”.
ويختلف التقويم في معناه اللغوي عن التأريخ؛ فالتقويم من الفعل قوّم، بمعنى عدّل وأصلح، ويرى سليمان أن تقويم السنة يعني إصلاح الاعوجاج عن استقامة الشهور لتأتي في فصول ومواسم محددة لا تحيد عنها كل سنة، كما يحدث في التقويم الميلادي والتقويم القبطي. أما التأريخ فهو من الفعل أرّخ، ومعناه تحديد الوقت أو الزمان وحسب.
لماذا يختلف موعد الاحتفال بعيد ميلاد المسيح في أنحاء العالم؟
ما هو عيد النيروز الذي يحتفل به الأقباط وما هي الشهور القبطية؟
غير أن ما جاء في صفحات التاريخ، يسلط الضوء على بعض الأحداث الجوهرية التي أرخ بها العرب كـ(عام العُذر) حين نهبت قبيلة يَربُوع قوافل الهدايا التي أرسلها مُلوك حِمْيَر في اليمن إلى الكعبة؛ و(عام حرب الفِجَار) حين شهد العرب اقتتالاً بين قبائلهم.
وأشهر هذه الأعوام هو (عام الفِيل) الذي وُلِد فيه النبي محمد، والذي خرج فيه أبرهة الحَبَشيّ، حاكم اليمن، في حملة عسكرية فاشلة بهدف هدم الكعبة في مكة بقيادة فيل عظيم، بحسب الرواية الإسلامية.
وقد استمر العرب في تمييز السنوات بأحداثها حتى في عصر النبوة؛ فهناك “عام الحزن” الذي شهد وفاة السيدة خديجة بنت خويلد زوج النبي محمد، وعمه أبي طالب، وكان ذلك قبل الهجرة بثلاثة أعوام.
وأطلق المسلمون “عام الوفود” على السنة التاسعة للهجرة، التي شهدت غزارة في توافد القبائل العربية إلى المدينة المنورة لمبايعة النبي محمد وإعلان إسلامهم، في أعقاب فتح مكة وغزوة تبوك.


