نظرية الانتقال عبر النفق الدودي والاحتمالات التي طرحها كارل سرحان.

تتعلق نظرية النفق الدودي (Wormhole) التي ارتبطت باسم كارل ساجان في الأساس بفكرة السفر السريع بين النجوم، وليس بالسفر عبر الزمن في المقام الأول. لكن الأبحاث التي انطلقت من سؤاله البسيط فتحت الباب أمام احتمالات نظرية مذهلة تتعلق بالزمن والرجوع إلى الماضي، وإن ظلت حتى اليوم في حدود الفيزياء النظرية دون أي دليل تجريبي.

… من الرواية إلى الفيزياء: كيف بدأت القصة؟

في عام 1985، كان كارل ساجان يكتب روايته الشهيرة “كونتاكت” (Contact)، واحتاج إلى وسيلة سريعة لنقل بطلة الرواية من الأرض إلى نجم “النسر الواقع” (Vega) الذي يبعد عنا نحو 26 سنة ضوئية. فكر ساجان في استخدام “ثقب أسود” كبوابة عبور، لكنه لم يكن متأكدًا من صحة الفيزياء، فاتصل بصديقه كيب ثورن، أستاذ الفيزياء النظرية في معهد كاليفورنيا للتقنية (Caltech).

أخبر ثورن ساجان أن الثقب الأسود لا يصلح لهذا الغرض، لأنه يبتلع ويدمر أي شيء يسقط فيه. لكنه اقترح عليه بديلاً نظريًا ممكنًا وفق معادلات أينشتاين في النسبية العامة: وهو “النفق الدودي” أو “جسر أينشتاين-روزن” (Einstein-Rosen Bridge)، وهو ممر افتراضي يربط بين نقطتين بعيدتين في الزمكان.

قبل ساجان الاقتراح بسرور، ووضع في روايته نفقين دوديين بين الأرض ونجم النسر الواقع، لتعبرهما بطلة الرواية وتختصر رحلة تستغرق 26 سنة ضوئية إلى لحظات. لكن ما جعل القصة أكثر من مجرد خيال علمي هو أن سؤال ساجان دفع كيب ثورن وطالبه مايكل موريس إلى إجراء بحث علمي جاد، نُشر عام 1988 في مجلة “Physical Review Letters” تحت عنوان “الثقوب الدودية وآلات الزمن وشرط الطاقة الضعيف”.

… ما هو النفق الدودي بالضبط؟

تخيل أن الكون عبارة عن ورقة مسطحة، وأردت الانتقال من نقطة “أ” إلى نقطة “ب” تفصل بينهما مسافة شاسعة. الطريق الطبيعي هو السير على سطح الورقة عبر المسافة الكاملة. لكن إذا قمت بطي الورقة بحيث تلامس النقطتان إحداهما الأخرى، ثم ثقبت الورقة عند نقطة التلامس، فستحصل على ممر مختصر يربط النقطتين دون الحاجة لقطع المسافة الطويلة.

هذا هو جوهر فكرة النفق الدودي: انحناء حاد في الزمكان يخلق “اختصارًا” بين منطقتين متباعدتين. وقد أظهرت معادلات النسبية العامة أن مثل هذه التراكيب ممكنة رياضيًا، لكنها في صورتها الأولية تكون غير مستقرة تمامًا: تنهار وتغلق على نفسها فورًا قبل أن يتمكن أي شيء من عبورها.

…. التحدي الكبير: المادة الغريبة

لكي يصبح النفق الدودي قابلًا للعبور، أي يبقى مفتوحًا بما يكفي لمرور جسم أو إنسان، لا بد من تثبيته بشيء يمنع انهياره. وهنا يأتي دور ما يسمى “المادة الغريبة” (Exotic Material).

المادة الغريبة ليست مجرد مادة نادرة أو غريبة الخصائص، بل هي مادة تمتلك طاقة سالبة، أي أنها تولد جاذبية طاردة تعمل على دفع جدران النفق بعيدًا عن بعضها، مانعة إياه من الانغلاق. هذه المادة لم تُرصد في الطبيعة حتى الآن، لكن الفيزيائيين تمكنوا من إنتاج كميات ضئيلة جدًا منها في المختبر ضمن ظروف خاصة جدًا، مثل تأثير كازمير (Casimir Effect).

ذكر ثورن أن الحضارة المتقدمة التي ستتمكن من بناء نفق دودي مستقر يجب أن تكون قادرة على تسخير هذه المادة الغريبة بكميات هائلة، وهو أمر يبدو حاليًا بعيدًا عن قدراتنا التقنية بمسافات لا يمكن تصورها.

…. كيف يتحول النفق الدودي إلى آلة زمن؟

هنا تصبح القصة أكثر إثارة. النفق الدودي في حد ذاته مجرد ممر بين مكانين. لكن كيب ثورن وزملاءه اكتشفوا أنه يمكن تحويله إلى آلة زمن إذا تم التعامل مع فوهتيه (طرفي النفق) بطريقة خاصة.

الفكرة باختصار: إذا أخذت أحد طرفي النفق الدودي وسافرت به بسرعة قريبة من سرعة الضوء، أو وضعته في مجال جاذبية قوي جدًا، فإن الزمن يمر بشكل أبطأ عند هذا الطرف مقارنة بالطرف الآخر الثابت. بعد فترة، يصبح الطرفان غير متزامنين زمنيًا: أحدهما “أصغر سنًا” من الآخر. وعندما تعبر من الطرف “الشاب” إلى الطرف “المسنّ”، فإنك تنتقل ليس فقط في المكان، بل إلى الماضي بالنسبة للطرف الآخر.

هذا ليس خيالًا؛ إنه نتيجة مباشرة لمعادلات النسبية العامة. وقد أثار هذا الاكتشاف موجة من النقاشات بين الفيزيائيين، لأن السفر إلى الماضي يفتح الباب أمام مفارقات منطقية خطيرة.

…. مفارقة الجد: المشكلة الكبرى

أشهر هذه المفارقات هي “مفارقة الجد” (Grandfather Paradox). تخيل أنك سافرت عبر نفق دودي إلى الماضي وقتلت جدك قبل أن ينجب والدك. إذا لم ينجب جدك والدك، فلن يولد والدك، وبالتالي لن تولد أنت، وبالتالي لن تتمكن من السفر إلى الماضي لقتل جدك أصلًا. هذا التناقض المنطقي يهدد مفهوم السببية الذي يقوم عليه العلم بأكمله.

كارل ساجان نفسه كان واعيًا بهذه المشكلة، وقال في مقابلة له إنه يشعر بمشاعر متضاربة تجاه السفر إلى الماضي: “المستكشف داخلي يتمنى أن يكون ممكنًا، لكن فكرة أن السفر إلى الماضي قد يمحو وجودي بالكامل أمر مقلق بعض الشيء”.

اقترح الفيزيائي الروسي إيغور نوفيكوف حلًا لهذه المفارقة عُرف بـ”مبدأ الاتساق الذاتي” (Novikov Self-Consistency Principle)، ومفاده أن الكون يمنع أي فعل يؤدي إلى تناقض منطقي. فإذا حاولت قتل جدك، فسيحدث شيء ما يمنعك دائمًا: تنزلق، أو يتعطل السلاح، أو يظهر شخص يعترض طريقك. التاريخ محصّن ضد التناقضات.

خلاصة: أين نقف اليوم؟

نظرية كارل ساجان لم تكن نظرية بالمعنى الكامل، بل كانت سؤالًا أدبيًا انطلق من رواية خيال علمي، فتحول بفضل كيب ثورن إلى برنامج بحث فيزيائي جاد. ما توصل إليه العلماء حتى الآن يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

· الثقوب الدودية ممكنة رياضيًا وفق معادلات النسبية العامة، لكنها غير مستقرة بطبيعتها.
· تثبيتها يتطلب مادة غريبة بطاقة سالبة، لم نتمكن من إنتاجها بكميات مجدية حتى الآن.
· إذا تم تثبيتها، يمكن نظريًا تحويلها إلى آلة زمن تعيدك إلى الماضي.
· لكن السفر إلى الماضي يثير مفارقات منطقية لم يُحسم أمرها بعد، وهناك مبدأ “الحماية الزمنية” الذي اقترحه ستيفن هوكينج، ويرجح أن قوانين الفيزياء تمنع تشكل آلات الزمن بشكل تلقائي.
· لا يوجد أي دليل تجريبي على وجود نفق دودي قابل للعبور، وكل ما لدينا هو حلول رياضية في إطار نظرية لم تُختبر بعد في هذا السياق.

باختصار، ما فعله كارل ساجان هو أنه طرح سؤالًا بدا خياليًا، فأجاب العلم بأن هذا الخيال ليس مستحيلًا رياضيًا، لكنه محجوب خلف حواجز فيزيائية هائلة: مادة لم نجدها، وطاقة لم نتحكم بها، ومفارقات لم نحلها. وربما يكون هذا أجمل ما في العلم: أن يفتح باباً نحو الممكن، حتى لو لم نستطع عبوره بعد ….
RAMI

#المثقفون السوريون#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم