دلّي القفّة
كنت جالساً مع صديق قديم من أيام المدرسة الأميركية في شقته بحلب، وقد أحضرت له وثيقةً وقّع عليها أخوه في دبي. اتصل بالمحامي ليخبره أن الوثيقة وصلت، فأجابه المحامي بأنه سيحضر خلال ربع ساعة لاستلامها.
وبعد نحو ربع ساعة، رنّ الهاتف من جديد. كان المحامي قد وصل إلى أسفل البناية التي يسكن فيها صديقي في الطابق الرابع، فقال ضاحكاً:
— «أدلّي القفّة من البلكون!»
ابتسمت، وأعادني ذلك الطلب البسيط إلى أكثر من ثلاثين عاماً مضت.
عندما عدت من لندن في أوائل التسعينيات، استأجرت شقة صغيرة في منطقة محطة بغداد، بعيداً عن ضجيج البيت العائلي. وكنت أرى كل يوم تقريباً مشهداً يتكرر أمامي: رجل يقف في الشارع حاملاً أكياس الخضار وحاجيات المنزل، بينما كانت ربما أخته، التي تسكن في الطابق الرابع من البناية المقابلة، تدلّي قفّة مربوطة بحبل طويل.
والقفّة، لمن لا يعرفها، سلة من الخيزران المجدول، كانت ترافق الناس قبل ظهور الأكياس البلاستيكية وحقائب التسوق الحديثة. كانت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، ومن ذاكرة المدن القديمة.
كان الرجل يضع ما أحضره داخل القفة، فتبدأ أخته برفعها ببطء، حتى تختفي بين الشرفات وتصل إلى شقتها في الأعلى.
في تلك الفترة كنت أقضي أمسياتي على شرفة شقتي. وكانت الشرفة المقابلة أعلى قليلاً من شرفتي، فأرى في بعض الاحيان فتاة شابة جميلة تجلس هناك، تقرأ كتاباً أو رواية. وبعد أيام قليلة، بدا لي أنها انتبهت إلى وجودي.
في اليوم التالي خرجت إلى الشرفة وابتسامة خجولة على وجهها. ثم تحولت الابتسامة إلى تحية بإشارة من اليد، خاصة عندما كانت تجلس وحدها.
وذات مساء كتبت لها رسالة قصيرة. لم تكن رسالة حب بقدر ما كانت محاولة لكسر العزلة التي كنت أعيشها. اقترحت فيها أن نلتقي في الحديقة العامة القريبة، التي لا تبعد أكثر من مئتي متر عن البناية.
في اليوم التالي انتظرت حتى خرجت إلى الشرفة وحدها، ثم أشرت إليها بأنني أود إرسال رسالة، وأن بإمكانها أن تدلّي القفّة فأضعها فيها.
هزّت رأسها رافضة، وأشارت إلى الداخل، حيث أهلها. لكنها بقيت جالسة تقرأ كتابها، وترفع نظرها نحوي بين الحين والآخر بابتسامة خفيفة.
ومضت أيام قبل أن تفاجئني بموافقتها.
أشارت إليّ أنها ستدلّي القفة.
ارتديت ثيابي على عجل، وأخذت الرسالة التي كنت قد كتبتها قبل أيام، ومعها قالب صغير من الشوكولاتة، ثم نزلت إلى الشارع. لم أتجه مباشرة إلى أسفل بنايتهم، بل مشيت قليلاً بمحاذاة الرصيف، ثم انعطفت وعبرت الشارع وعدت من الجهة المقابلة، وكأنني أقوم بعملية سرية تستحق كل هذا الحذر.
كانت القفة قد وصلت إلى مستوى الأرض، ويبدو أنها كانت تتابع خطواتي طوال الطريق.
وقبل أن أضع الرسالة والشوكولاتة، انتبهت إلى وجود رسالة صغيرة داخل منديل معطر.
أخذتها بسرعة، ووضعت ما أحمله داخل القفة، ثم تابعت طريقي كي لا يلحظني أحد من الجيران أو الأقارب.
فتحت الرسالة عندما وصلت إلى شقتي، فإذا بها تكتب أنها سعيدة بالتعرف إلى جارها، وأنها تعرف أختي لأنها تلتقي بها أحياناً عندما تزور شقيقتها التي تسكن في بنايتنا بالسبيل.
ثم أضافت باعتذار رقيق أنها مخطوبة، بل إن عقد قرانها قد تم بالفعل على طبيب يعمل في ألمانيا، وأنها ستغادر خلال أيام بعدما اكتملت أوراق السفر وحصلت على التأشيرة.
والحقيقة أنني شعرت براحة أكثر من شعوري بخيبة الأمل. لم أكن أفكر بالارتباط أصلاً، ولم تكن الرسالة سوى محاولة للخروج من وحدتي في مدينة عدت إليها بعد سنوات طويلة من الغياب.
بعد ذلك لم أرها مرة أخرى.
وبعد أسابيع قليلة غادرت أنا أيضاً إلى لندن، ومضى كل منا في الطريق الذي كُتب له.
لكن صورة تلك القفّة بقيت عالقة في ذاكرتي. لم تكن مجرد سلة تُرفع بالحبل إلى الطابق الرابع، بل كانت واحدة من وسائل التواصل البسيطة التي ابتكرتها المدن القديمة قبل الهواتف والرسائل الإلكترونية. قفّة صغيرة جمعت للحظات بين شاب وفتاة، ثم مضى كل منهما إلى حياته، تاركين خلفهما حكاية قصيرة لا تكاد تُرى، لكنها بقيت حية في الذاكرة أكثر مما بقيت أشياء كثيرة ظننا يوماً أنها أهم.
#Aleppo, #Syria, #حلب#، #سوريا
⸻
“هذا العمل خيالي، وأي تشابه مع أشخاص حقيقيين، أحياءً كانوا أم أمواتاً، هو محض صدفة.”
النص منقّح والصورة مركّبة بواسطة ChatGPT.


