نجا المهداوي.. حين يتحرر الحرف من اللغة ويصبح موسيقى بصرية!
دنيا فهمي، تونس
تضع اعمال التشكيلي نجا المهداوي المتلقي أمام تجربة بصرية تنتمي الى عالم الحرف، لكنها تتجاوز حدود الحروفية المتعارف عليها نحو فضاء اكثر اتساعا وتعقيدا. فالحرف في هذه الاعمال يتحول الى مادة تشكيلية تمتلك قوانينها الخاصة، وتدخل في شبكة من العلاقات التي تربط الخط باللون، والكتلة بالفراغ، والحركة بالبناء الهندسي.
تلفت الانتباه منذ الوهلة الاولى طبيعة التنظيم الداخلي للتكوينات. فخلف التدفق الظاهر للعلامات يستقر نظام هندسي شديد الدقة، تتوزع من خلاله العناصر وفق ايقاعات محسوبة تمنح العمل توازنه واستقراره. وتمنح هذه البنية الاعمال حضورا يقترب من العمارة البصرية، حيث تتجاور الوحدات الحروفية كما تتجاور عناصر البناء داخل مخطط معماري متماسك، وفي الوقت ذاته تحتفظ العلامات بطاقة حركية عالية، فتتشابك وتتقاطع وتمتد عبر المساحات اللونية كما لو انها تتبع ايقاعا موسيقيا متصاعدا. ومن هذا التفاعل بين الانضباط والحركة تنشأ خصوصية التجربة؛ إذ يجتمع البناء العقلاني مع حس ايقاعي متدفق يضفي على الاعمال حيوية مستمرة.
أما اللون فيؤدي دورا أساسيا في تشكيل هذا العالم البصري. فالازرق العميق والاحمر القرمزي والذهبي والاسود تظهر كحقول لونية واسعة تحتضن الحركة الحروفية وتمنحها مجالا للانتشار. وتعمل هذه الالوان بوصفها عناصر بنائية توازي في اهميتها الخطوط والعلامات، الامر الذي يمنح التكوين كثافة بصرية وثراء إيقاعيا واضحا.
وعند مقاربة هذه الاعمال ضمن تاريخ الفن الحديث تبرز صلاتها بالتجريد الهندسي من جهة، وبالتجريد الغنائي من جهة اخرى. فالعلاقات الرياضية الدقيقة التي تحكم البناء العام تذكر بمنهج التجريد البنائي، في حين تمنح الحركة الحرة للعلامات والايقاعات الخطية الاعمال طابعا يقترب من التجريد الغنائي. ومن هنا تتشكل منطقة خاصة تجمع بين صرامة الهندسة ومرونة الايقاع ضمن منظومة بصرية واحدة.
تبدو تجربة المهداوي اقرب الى ما يمكن تسميته بـ “التجريد الحروفي البنائي”، حيث يتحول الحرف الى وحدة إنشائية قادرة على إنتاج الفضاء التشكيلي باكمله. فالعناصر الحروفية تؤدي وظيفة مشابهة للاشكال الهندسية لدى رواد التجريد؛ اذ تتكرر وتتنوع وتمتد لتبني نسقا بصريا متماسكا يمتلك منطقه الداخلي واستقلاله الجمالي، وتمنح هذه الرؤية الاعمال مكانة مميزة ضمن مسار الفن العربي المعاصر، لانها تفتح امام الحرف افقا تشكيليا رحبا، وتدفعه نحو مجالات تتصل بالبناء والايقاع والفضاء اكثر مما تتصل بالمعنى اللغوي المباشر؛ ومن خلال هذا المسار تشكلت لغة بصرية ذات شخصية واضحة استطاعت ان تجمع بين العمق الثقافي والحداثة التشكيلية في آن واحد.
خلاصة القول، فان مشروع نجا المهداوي يمثل واحدة من اكثر التجارب نضجا في الفن العربي المعاصر، حيث يتحول الحرف الى بنية بصرية كاملة، ويتحول اللون الى شريك في صياغة الايقاع، ويتحول السطح التصويري الى فضاء مشيد بعناية تجمع بين الهندسة والشعرية في توازن استثنائي نادر.


