من برلين يقدم: عماد خالد رحمة..مقالة عن :الشِّعرُ بوصفه انعتاقاً.. ضدّ أسطرة الالتزام وأدلجة الخيال.

الشِّعرُ بوصفه انعتاقاً: ضدّ أسطرة الالتزام وأدلجة الخيال:
بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليس الشعر شعاراً يُرفع، ولا برنامجاً يُنفَّذ، ولا عقيدةً تُلقَّن، بل هو—في جوهره الأعمق—انفلاتٌ كونيّ من كل ما يُراد له أن يُحاصِر اللغة ويُروِّض الخيال. الشعر فعلُ حريةٍ خالص، لا يَدين بالولاء إلا لنبضه الداخلي، ولا يعترف بسلطةٍ سوى سلطة الإيقاع والرؤيا. لذلك كان الشعر، تاريخياً ووجودياً، خارج كل تصنيفٍ أخلاقي أو أيديولوجي أو نفعي، عصياً على التدجين، متمرّداً على أن يُستعمل وسيلةً لغايةٍ خارج ذاته.
من هنا يتبدّى الفارق الجوهري بين الأدب بوصفه خطاباً والشعر بوصفه كينونة لغوية. فحين تحدّث جان بول سارتر عن «الأدب الملتزم»، كان يقيم تمييزاً حاسماً بين النثر الذي يتوجّه إلى العالم ليُغيّره، والشعر الذي ينكفئ على اللغة ذاتها بوصفها عالماً مكتفياً بذاته. يقول سارتر، في ما الأدب؟، إن الشاعر لا يستخدم الكلمات كعلامات تحيل إلى الأشياء، بل يتعامل معها كأشياء قائمة بذاتها؛ أي أن اللغة في الشعر ليست وسيلة، بل غاية. ولهذا، يخرج الشعر بالضرورة من حيز الالتزام، لأن الالتزام يفترض قصداً أخلاقياً أو سياسياً سابقاً على الكتابة، بينما الشعر يولد من منطقة أسبق على القصد، من العتمة الأولى للحدس والرؤيا.
إن محاولة إخضاع الشعر لمفهوم الالتزام ليست سوى أسطرةٍ هجينة، تُفرغ الشعر من طبيعته الانفجارية، وتحيله إلى خطابٍ مُسيَّج، قابلٍ للقياس والمساءلة الأخلاقية. وهنا يتحول الشاعر من كائنٍ رؤيوي إلى موظفٍ أيديولوجي، وتغدو القصيدة بياناً، لا دهشة؛ شعاراً، لا كشفاً. وهذا ما حذّر منه أدورنو حين رأى أن إخضاع الفن لوظيفة مباشرة—حتى لو كانت نبيلة—يُفضي إلى إفقاره جماليًا، لأن الفن يفقد بذلك قدرته على السلب والنقد من الداخل، أي قدرته على أن يكون «لا-متوافقًا» مع الواقع.
الشعر، في هذا المعنى، ليس ضدّ العالم ولا معه، بل خارج ثنائية الاصطفاف. إنه يقيم في منطقة ثالثة، حيث اللغة تُعيد اكتشاف ذاتها، وحيث المعنى لا يُملى بل يُقترح، ولا يُفرض بل يُلمَح. لذلك قال هايدغر إن الشعر هو «بيت الكينونة»، أي الفضاء الذي تتجلّى فيه الوجودية الإنسانية في هشاشتها وقلقها وانفتاحها، لا في يقينها الأيديولوجي المغلق. فكيف يمكن لبيت الكينونة أن يُختزل إلى منشور سياسي أو التزام أخلاقي مسبق؟
ثمّة وهمٌ شائع مفاده أن حرية المبدع تتحقق حين «ينحاز»، بينما الحقيقة أن الشعر يفقد حريته لحظة يلتزم بما يجب وما لا يجب أن يُقال. فالإلزام—أيًّا كان مصدره—يحوّل الخيال إلى مسارٍ واحد، ويُقفل احتمالات التخييل، ويجعل القصيدة أسيرة أفقٍ واحد للفهم. وهنا بالضبط يتبدّد الشعر بوصفه طاقة مفتوحة على الزمان والمكان، ويتحوّل إلى ممارسة تعليمية أو دعائية، مهما بلغت بلاغته.
وقد أدرك كبار الشعراء هذه المفارقة مبكرًا؛ فبودلير، وهو من أكثر شعراء الحداثة وعيًا بدور الشاعر، لم يرَ في الشعر أداة خلاص اجتماعي، بل تجربة سقوط وكشف. وريلكه جعل من الشعر عزلةً كبرى، لا خطاباً عامًا. وحتى محمود درويش—رغم حضوره في قلب القضية—كان واعياً بأن القصيدة لا تُختزل إلى موقف، وأن الشعر حين يتحول إلى شعار يفقد قدرته على البقاء.
إن الدفاع عن لا-التزام الشعر ليس دعوة إلى اللامبالاة، بل هو دفاع عن الحرية الجذرية للخيال، وعن حق اللغة في أن تقول ما لا يُنتظر، وأن تفتح المعنى بدل أن تُغلقه. فالشعر، حين يكون شعراً حقاً، لا يُطيع، ولا يُجَنَّد، ولا يُقنَّن؛ إنه يجيء دائماً من حيث لا نخطط له، ويغادرنا قبل أن نُحكم القبض عليه.
هكذا يظل الشعر فعل انعتاق دائم: انعتاقاً من الأيديولوجيا، ومن اليوتوبيا، ومن كل معيارٍ خارجي يُراد له أن يكون وصياً على المخيلة. إنه الحرية حين تُنصت إلى ذاتها، واللغة حين تجرؤ على أن تكون أكثر من معنى، وأقل من شعار.

=======*********========
المصادر:
– صفحة  الفيس- الإتحاد العربي للثقافة
– موقع: الجمهورية
– الذكاء الإصطناعي
– موقع روسيا اليوم
صفحة الفيس بوك: المواهب الفوتوغرافية العربية
– موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم