من الذاكرة السومرية إلى الجسد المعاصر جزء٢

تحت المجهر 6
الجزء الثاني

من الذاكرة السومرية إلى الجسد المعاصر… وسؤال المؤسسة الثقافية

ولم يكن هذا العمل الوحيد الذي رغبت في أن يكون جزءا من هذه الذاكرة. فمنذ إنجاز مجموعة “خماسية يوم القيامة في العراق” (Apocalipsis en Irak) التي عملت عليها على مدى خمس سنوات بين عامي 2013 و 2018 راودتني فكرة التبرع بها إلى إحدى المؤسسات الثقافية العراقية بعد استقرار الأوضاع السياسية إيمانا مني بأنها ينبغي أن تكون جزءا من الذاكرة البصرية للعراق وأن تحفظ داخل مؤسسة ثقافية وطنية تضمن صيانتها وإتاحتها للأجيال المقبلة. غير أن هذه الرغبة اصطدمت لاحقا بتساؤلات مشروعة حول قدرة المؤسسات على حفظ مثل هذا المنجز, وتوثيقه, وأرشفته, وصيانته وفق المعايير المهنية.

وتضم المجموعة خمسة أعمال بقياس 250 × 150 سم لكل منها منفذة بتقنيات مختلطة على القماش وتشكل بمجملها مشروعا بصريا متكاملا يوثق مرحلة اجتياح تنظيم داعش للعراق واحتلاله مساحات واسعة من المحافظات وما رافق ذلك من جرائم وانتهاكات بحق السكان فضلا عن الدمار الذي أصاب الإرث الحضاري والإنساني.

وتحمل الأعمال عناوين “بين الموت والحياة” (Entre la muerte y la vida) و“هناك حياة بعد هذا الموت” (Hay vida después de esta muerte) (2014) و “أعود أموت” (Volver a morir) (2015) و“موت لأجل حياة” (Morir para vivir) (2015) و“موت من أجل…” (Morir por…) (2018). وقد رأيت في هذه المجموعة وثيقة بصرية لواحدة من أكثر المراحل مأساوية في تاريخ العراق الحديث ولذلك رغبت أن تكون جزءا من ذاكرة الوطن.

إلا أن عددا من الأصدقاء ممن يعرفون واقع المؤسسات الثقافية نصحوني بعدم الإقدام على هذه الخطوة محذرين من أن مصير هذه الأعمال قد يكون مجهولا في ظل غياب منظومة واضحة للأرشفة والتوثيق والحفظ والصيانة والمتابعة. ومع مرور الوقت وما لمسته من ضعف التواصل المؤسسي مع الفنانين أدركت أن تلك المخاوف لم تكن مجرد هواجس بل تستند إلى تجارب سابقة يصعب تجاهلها.

ومن هنا يبرز سؤال لا يتعلق بعملي وحده بل بثقافة المؤسسة نفسها. فالتجارب السابقة أظهرت أن غياب التوثيق والأرشفة والمتابعة المهنية كان أحد الأسباب التي أسهمت في ضياع وسرقة آلاف الأعمال الفنية العراقية سواء من مقتنيات دائرة الفنون أو من المتحف العراقي للفن الحديث أو غيرهما من المؤسسات الثقافية. وحتى اليوم لا يزال هذا الملف مفتوحا من دون مشروع وطني جاد لتتبع تلك الأعمال والكشف عن المسؤوليات التاريخية والإدارية التي سمحت بضياع جزء مهم من الإرث الفني العراقي.

وخلال سنوات طويلة من نشر أعمالي الفنية وكتاباتي على وسائل التواصل الاجتماعي لم أتلق أي تواصل من وزارة الثقافة أو دائرة الفنون أو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين للتعرف إلى تجربتي أو لتبادل الخبرات والرؤى رغم أن بعض المسؤولين الحاليين والسابقين يتابعون بصورة منتظمة ما أنشره من أعمال ودراسات. ولا أعتقد أن هذه الحالة تخصني وحدي بل تشمل عددا كبيرا من الفنانين العراقيين المقيمين في الداخل او الخارج ممن يمتلكون تجارب فنية راسخة ولغة بصرية متفردة وخبرة تراكمت عبر عقود من العمل والإنتاج.

ويبدو أن التواصل المؤسسي مع الفنانين ما يزال في كثير من الأحيان محكوما بالعلاقات الشخصية أكثر من استناده إلى سياسة ثقافية مهنية تقوم على البحث عن التجارب الجادة ودراستها وتقييمها موضوعيا وتقديمها إلى الجمهور العراقي بوصفها جزءا من المنجز الثقافي الوطني. إن المبادرة إلى التواصل مع هؤلاء الفنانين والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم وتنظيم معارض لأعمالهم وتقديم منجزهم الفني والنقدي واقتناء نماذج من أعمالهم لا تمثل تكريما لأشخاصهم بقدر ما تعبر عن سياسة ثقافية واعية تسهم في بناء ذاكرة بصرية أكثر شمولا وتغني مقتنيات المؤسسات الفنية العراقية وتعكس التطور الحقيقي للحركة التشكيلية العراقية داخل الوطن وخارجه.

وهنا يبرز سؤال أكثر عمقا أين تكمن الفجوة؟ هل تعود إلى غياب الرؤية المهنية لدى بعض من يتولون إدارة هذه المؤسسات أم إلى ضعف الوعي بالدور الذي تؤديه الفنون في بناء الثقافة والهوية والوعي المجتمعي؟ وهل ينظر إلى هذه المواقع بوصفها مسؤولية ثقافية واستراتيجية أم بوصفها وظائف إدارية يقتصر دورها على تنظيم المعارض والأنشطة الموسمية طوال مدة التكليف؟

إن المؤسسة الفنية الحديثة لا تقاس بعدد المعارض التي تنظمها بل بقدرتها على بناء منظومة مهنية متكاملة تضم أقساما متخصصة في الاقتناء والتوثيق والأرشفة الرقمية والحفظ الوقائي والصيانة والترميم وإدارة المجموعات الفنية والبحث العلمي والتواصل مع الفنانين داخل الوطن وخارجه إلى جانب الإدارات المالية والقانونية والإدارية التي تضمن استدامة عمل المؤسسة.

وهذا هو النموذج الذي تعتمده المتاحف والمؤسسات الفنية الرصينة في كثير من دول العالم حيث لا ينظر إلى العمل الفني بوصفه مقتنى فحسب بل بوصفه وثيقة حضارية تستوجب الحماية والتوثيق والدراسة والصيانة والإتاحة للأجيال المقبلة.

أما عندما تختزل المؤسسة في بعدها الإداري وتغيب عنها البنية المهنية المتخصصة فإنها تفقد تدريجيا قدرتها على أداء رسالتها الأساسية. ويصبح الاهتمام موجها إلى النشاطات الآنية بينما تتراجع القضايا الجوهرية مثل بناء المجموعات الوطنية وسياسات الاقتناء وأرشفة المقتنيات وصيانتها وإقامة جسور التواصل مع الفنانين العراقيين داخل الوطن وخارجه. وهنا تتحول المؤسسة من منتجة للذاكرة الثقافية إلى مجرد جهة لإدارة النشاطات وهو فرق جوهري بين إدارة النشاط الثقافي وإدارة التراث الثقافي.

يتبع في الجزء الثالث والأخير…

#متير حنون#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم