تحت المجهر 6الجزء الثالث و الأخير من الذاكرة السومرية إلى الجسد المعاصر… وسؤال المؤسسة الثقافية لذلك أتساءل هل جرى توثيق العمل الذي أهديته إلى دائرة الفنون وأرشفته ضمن مقتنياتها؟ وهل أصبح جزءا من ذاكرتها البصرية أم أصبح مجهول المصير شأنه شأن كثير من الأعمال التي غابت عن الذاكرة المؤسسية؟حتى هذه اللحظة لم أتسلم كتاب شكر، ولا وثيقة رسمية تثبت استلام العمل وإدخاله ضمن موجودات الدائرة وقد يبدو ذلك للبعض مجرد إجراء إداري لكنه في الحقيقة يمثل الحلقة الأولى في منظومة حماية الإرث الفني.فالعمل الفني بمجرد أن يهدى أو يقتنى من قبل مؤسسة عامة لا يصبح ملكا ماديا لها فحسب بل يتحول إلى جزء من الذاكرة الثقافية للوطن. ومن ثم فإن توثيق استلامه, وأرشفته, وحفظه, وصيانته, وتخزينه وفق المعايير المتحفية, وإتاحته للباحثين والجمهور ليست مجاملة للفنان وإنما مسؤولية أخلاقية وثقافية وتاريخية تجاه الإرث الفني العراقي.إن المؤسسات الثقافية لا تؤسس فقط لتنظيم المعارض والفعاليات وإنما لحماية الذاكرة البصرية للأمة فالعمل الفني ليس مادة قابلة للتعويض بل وثيقة حضارية تحمل روح عصرها وتشهد على تحولات المجتمع وتصبح مع مرور الزمن جزءا من تاريخه الثقافي وحين يفقد عمل فني أو يهمل أو يختفي بسبب ضعف التوثيق أو غياب الإدارة المهنية فإن الخسارة لا تقع على الفنان وحده بل تطال الذاكرة الوطنية بأكملها.إن السؤال الذي أطرحه اليوم ليس أين عملي؟ بل هو سؤال يتجاوز عملي الشخصي ليطال مفهوم المؤسسة الثقافية ذاته:كيف يمكن لأمة أن تصون ذاكرتها الحضارية إذا كانت المؤسسات المكلفة بحماية هذه الذاكرة لا تضمن توثيق ما يدخل إليها ولا تكشف مصير ما يختفي منها ولا تضع سياسة حقيقية للتواصل مع فنانيها في الداخل والخارج والاستفادة من خبراتهم واقتناء منجزهم بوصفه امتدادا للحركة التشكيلية العراقية وجزءا من تاريخ العراق الثقافي؟وهل يكمن الخلل في ضعف الإمكانات وحده أم في غياب رؤية مؤسساتية تؤمن بأن الفن ليس نشاطا موسميا بل أحد المكونات الأساسية للهوية الوطنية؟ وهل ان الأوان لإعادة النظر في بنية مؤسساتنا الثقافية بحيث تنتقل من إدارة النشاطات إلى إدارة المعرفة ومن تنظيم الفعاليات إلى بناء الذاكرة ومن العمل الإداري التقليدي إلى العمل المؤسسي القائم على التخصص والتخطيط والاستدامة؟إن حماية الذاكرة الفنية لا تبدأ من المتحف بل تبدأ من بناء مؤسسة ثقافية مهنية تمتلك رؤية استراتيجية وهيكلا تنظيميا متكاملا وكوادر متخصصة وتؤمن بأن العمل الفني ليس مجرد مقتنى يضاف إلى المخازن بل وثيقة حضارية وذاكرة بصرية للأمة تستحق الحفظ, والتوثيق, والصيانة, والدراسة, والإتاحة للأجيال القادمة.فالأمم لا تقاس فقط بما تنتجه من فن وإنما أيضا بقدرتها على صيانة هذا الإنتاج وأرشفته ودراسته وتحويله إلى جزء حي من ذاكرتها الثقافية. وعندما تنجح المؤسسة في أداء هذه المهمة فإنها لا تحافظ على أعمال الفنانين فحسب بل تحفظ تاريخ المجتمع نفسه.وربما لهذا السبب فإن السؤال الذي بدأت به هذه المقالة لا ينتهي عند مصير عمل أهدي إلى مؤسسة ثقافية بل يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الثقافة العراقية نفسها.كيف نبني ذاكرة وطن إذا كنا لا نمتلك بعد مؤسسة قادرة على صيانة ذاكرته البصرية؟الصور المرفقة لمتحف الملكة صوفيا للفن الحديث مدريد ـ اسبانيا
#منير حنون#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.


