مقال للدكتور نادر معتوق عن ،نظرية الجــدار الرابــع كفلسفة ومــدخل للمذهب الواقعي.

الجدار الرابع وفلسفة المذهب الواقعي الطبيعية
الجــدار الرابــع كفلسفة ومــدخل للمذهب الواقعي
ربَّمــا ونحن نعود بالزمن إلى القرن الماضي ، قد نتساءل عن أهمية الجدار الرابع بعد أن تحطّم في العديد من التجارب الحداثيّة ، وهذا ما يدعونا إلى الخوض نسبيا في مجال المذهب الواقعي ونشأته ، فلم يكن نقاد فرنســا على استعداد لتقبُّل هذا المذهب والذي وضع قواعـــــــــــده ( أندريه أنطوان ) المخرج والممثل الفرنسي وتبعه ثلّة من الكُّتـاب الشباب آن ذاك أمثال ( إميل زولا / إبسن / استرندبرج ) وغيرهم ، ممّـا كانوا ينهلون العلم ممن سبقهم من المسرحيين …
ويجدر بالذِّكر بأن المذهب ( الطبيعي ) كان السائد آن ذاك ، وقد كـــــان ( أنطوان ) يسير على هدى الألماني دُّوق ( ساكس ميننجن ) الذي يعتبر من أوائل المخرجين المسرحيين العالميين في الغرب و اسمه جورج الثاني دوق مقاطعة ساكس ميننجن وقد اقترن به الإخراج المسرحي منذ عام 1874م والمخــــــــــرج الروسي العالمي ( استانسلافسكي ) مع اختلاف في الرؤى بالطبع ، وكما كان لـ ( ساكس ميننجن ) شطحات ثورية في مجال التجديد ، كان أيضا لـ ( أندريه أنطوان ) وجهة نظر تفسيرية خاصة في مجال إخراج أعماله المسرحية ، فقد رأى وأصّـر على أن إخراج العرض المسرحي ، لابد وأن يكون داخل إطار من التفاصيل الظاهرة ، ممّـا يجعل الصورة العامة للمشهد تطابق الحياة الطبيعية التي يعيشونها ، وكان هذا خروجا عن المألوف آن ذاك ، وقد تأثّـر ( أنطوان ) بالنظريات العلمية التي كانت سائدة في عصره لـــــــــــ ( دارون / فرويـد / نيتشه ) ، وهذا مـا ولّد هذه النظريّة الواقعية في نفس ( أنطوان ) ، ممـا حدى بالنقاد آن ذاك بأن يطلقوا على أسلوب إخراجه الشديد الواقعية الطبيعية بـ ( طبق الأصل ) ، وبهذا كان أسلوبه المتميّز هـــــــو البداية لهذا المذهب في القرن العشرين ..
ورأيت أن أفسِّر ما جاء بعاليه في إيجاز معقول ، وأقول وبالله التوفيق ، أن أسلوب ( أنطوان ) هو غلق هذا الجدار الوهمي على الثلاث أضلاع لديكور المشهد المسرحي ، ممّــا يجعل الممثلين يؤدون واقعهم المسرحي المفترض داخل أربعة جدران ، بحيث تسود على سلوكياتهم الروح الجماعية الطبيعية الواقعية التي يعيشونها خارج المسرح ، حتى أن النقّـاد أطلقوا عليها ( الواقعية الفوتوغرافية ) أي طبق الأصل لما يدور في الحياة العامة التي يعيشها الناس …
وبظهور هذه الحرفية الجديدة ، وككل جديد في بدايته ، هاجمه النُّقاد ، ممّـا حدى بـ ( أنطوان ) الدِّفاع عن أسلوبه المحدّث هذا والمفرط في الطبيعية الواقعية ، بأن فشل أغلب المسرحيات التي يقودها بعض من رواد المذهب ( الرومانتيكي ) يرجع إلى السوء في طبيعة أداء الممثلين ، هذا الأداء المفتعل الذي يتطلبه المذهب آنف الذّكر ، أمّــا أسلوبـــــــــه ( الواقعي ) ، فيعطي الأداء شكلا طبيعيا يقربنا ــ أي يقرِّب المسرحية ــ من الحياة التي يعيشها الناس في عصره …
هــذا بالطبع حسب ما ورد بمذكرات ( أندريه أنطوان ) التي ساقها لنا الصحافي الأمريكي ( مارجريت كارلسون ) …
حرفية المسرح الواقعي حسب مدرسة ( أندريه أنطوان )
تميّز المذهب الجديد بتحديث لأغلب عناصر الإخراج والتأليف والأداء المسرحي ، وقد حفل المسرح ( الحر ) الذي أسسه ( أنطوان ) بالعديد من التجارب المسرحية الواقعية التي أكّدت ثورته على المذهب الطبيعي ، وقد حفلت الديكورات في المذهب الواقعي بأسلوب مفرط في الواقعية ، التي أسهمت بجدارة في إضفاء الجو النفسي على الممثلين والمتلقين في آن واحـــد ، كمــا تطورت أساليب أخرى من عناصر فن الممثل وفن المخرج والمؤلف في آن واحد ، ففن الممثل لم يعد يقتصر على الإلقاء والإشارة فحسب ، بل تعداهــا إلى عناصر أخرى أسهمت في إضفاء جو الطبيعية الواقعية على المشهد المسرحي مثل ( الإيماءة / الحركة والسكون / فن التعامل مع الأثاث وعناصر تكوين الديكور والإكسسوار المتوافر على خشبة المسرح بشكل طبيعي ) ، ممّـا جعل منها أساتذة التدريب المسرحي ، مادة وعنصرا هامـا في مناهج التدريب العملي للممثل والمخرج في آن واحد ، خاصة في ظل وجود جدار رابع ( وهمي ) مضاف على الثلاثة أضلاع المحددة لديكور المشهد المسرحي ، ممّـا يفرض عل المخرج المسرحي أن يوظِّف الحركة المسرحية للممثلين من هذا المنطلق …
والجدار الرابع الوهمي هذا ، مكانــه الستــار الأمامية للمسرح ، بحيث ينظر المتلقي إلى الممثلين وهم يؤدون أدوارهم بشكل طبيعي واقعي ، دون الالتزام بقواعد الطبيعية التقليدية التي وضعها الروسي ( استانسلافسكي ) وسار عليها أغلب المدربين في أنحاء العالم سواءً في مجال الحركة المسرحية أو بناء الشخصية والتشكيل الجسدي على خشبة المسرح ، وأصبح ممثل مدرسة ( أنطوان ) الواقعية الحديثة هذه يؤدي دوره غير مبال بالمتلقي في صالة جلوس النظارة ، وأصبحت حركته وإيماءاته تضاهي السلوك الطبيعي في حياته العادية ، وأصبح قادراً على أن يعطي ظهره للجمهور ، وأن يتصرف وكأنّـــه في غرفة أو مساحة مغلقة عليه هو وأقرانه ، ويحاول أن يقترب من واقعية الأداء الحياتي للبشر في حياتهم العادية …
ومن ضمن مــا ورد بمذكرات ( أنطوان )، أنّــه ولكي يؤكِّد أسلوبه الطبيعي المفرط في الواقعية ، ففي إخراجه لإحدى مسرحياته ، وضع على المسرح لحومــا حقيقية تأكيداً لنظريته المفرطة في محاكاة الطبيعة والتي قننها النقاد وأطلقوا عليهـــا ( صورة فوتوغرافية طبق الأصـــل )
وإلى هنــا ، أستودعكم الله وإلى لقــاء متجدد مع موضوع جديد إن شاء الله ٪
#د. نادر معتوق#مجلة ايليت فوتو اررت..

أخر المقالات

منكم وإليكم