الجدار الرابع وفلسفة المذهب الواقعي الطبيعية
الجــدار الرابــع كفلسفة ومــدخل للمذهب الواقعي
ربَّمــا ونحن نعود بالزمن إلى القرن الماضي ، قد نتساءل عن أهمية الجدار الرابع بعد أن تحطّم في العديد من التجارب الحداثيّة ، وهذا ما يدعونا إلى الخوض نسبيا في مجال المذهب الواقعي ونشأته ، فلم يكن نقاد فرنســا على استعداد لتقبُّل هذا المذهب والذي وضع قواعـــــــــــده ( أندريه أنطوان ) المخرج والممثل الفرنسي وتبعه ثلّة من الكُّتـاب الشباب آن ذاك أمثال ( إميل زولا / إبسن / استرندبرج ) وغيرهم ، ممّـا كانوا ينهلون العلم ممن سبقهم من المسرحيين …
ويجدر بالذِّكر بأن المذهب ( الطبيعي ) كان السائد آن ذاك ، وقد كـــــان ( أنطوان ) يسير على هدى الألماني دُّوق ( ساكس ميننجن ) الذي يعتبر من أوائل المخرجين المسرحيين العالميين في الغرب و اسمه جورج الثاني دوق مقاطعة ساكس ميننجن وقد اقترن به الإخراج المسرحي منذ عام 1874م والمخــــــــــرج الروسي العالمي ( استانسلافسكي ) مع اختلاف في الرؤى بالطبع ، وكما كان لـ ( ساكس ميننجن ) شطحات ثورية في مجال التجديد ، كان أيضا لـ ( أندريه أنطوان ) وجهة نظر تفسيرية خاصة في مجال إخراج أعماله المسرحية ، فقد رأى وأصّـر على أن إخراج العرض المسرحي ، لابد وأن يكون داخل إطار من التفاصيل الظاهرة ، ممّـا يجعل الصورة العامة للمشهد تطابق الحياة الطبيعية التي يعيشونها ، وكان هذا خروجا عن المألوف آن ذاك ، وقد تأثّـر ( أنطوان ) بالنظريات العلمية التي كانت سائدة في عصره لـــــــــــ ( دارون / فرويـد / نيتشه ) ، وهذا مـا ولّد هذه النظريّة الواقعية في نفس ( أنطوان ) ، ممـا حدى بالنقاد آن ذاك بأن يطلقوا على أسلوب إخراجه الشديد الواقعية الطبيعية بـ ( طبق الأصل ) ، وبهذا كان أسلوبه المتميّز هـــــــو البداية لهذا المذهب في القرن العشرين ..
ورأيت أن أفسِّر ما جاء بعاليه في إيجاز معقول ، وأقول وبالله التوفيق ، أن أسلوب ( أنطوان ) هو غلق هذا الجدار الوهمي على الثلاث أضلاع لديكور المشهد المسرحي ، ممّــا يجعل الممثلين يؤدون واقعهم المسرحي المفترض داخل أربعة جدران ، بحيث تسود على سلوكياتهم الروح الجماعية الطبيعية الواقعية التي يعيشونها خارج المسرح ، حتى أن النقّـاد أطلقوا عليها ( الواقعية الفوتوغرافية ) أي طبق الأصل لما يدور في الحياة العامة التي يعيشها الناس …
وبظهور هذه الحرفية الجديدة ، وككل جديد في بدايته ، هاجمه النُّقاد ، ممّـا حدى بـ ( أنطوان ) الدِّفاع عن أسلوبه المحدّث هذا والمفرط في الطبيعية الواقعية ، بأن فشل أغلب المسرحيات التي يقودها بعض من رواد المذهب ( الرومانتيكي ) يرجع إلى السوء في طبيعة أداء الممثلين ، هذا الأداء المفتعل الذي يتطلبه المذهب آنف الذّكر ، أمّــا أسلوبـــــــــه ( الواقعي ) ، فيعطي الأداء شكلا طبيعيا يقربنا ــ أي يقرِّب المسرحية ــ من الحياة التي يعيشها الناس في عصره …
هــذا بالطبع حسب ما ورد بمذكرات ( أندريه أنطوان ) التي ساقها لنا الصحافي الأمريكي ( مارجريت كارلسون ) …
حرفية المسرح الواقعي حسب مدرسة ( أندريه أنطوان )
تميّز المذهب الجديد بتحديث لأغلب عناصر الإخراج والتأليف والأداء المسرحي ، وقد حفل المسرح ( الحر ) الذي أسسه ( أنطوان ) بالعديد من التجارب المسرحية الواقعية التي أكّدت ثورته على المذهب الطبيعي ، وقد حفلت الديكورات في المذهب الواقعي بأسلوب مفرط في الواقعية ، التي أسهمت بجدارة في إضفاء الجو النفسي على الممثلين والمتلقين في آن واحـــد ، كمــا تطورت أساليب أخرى من عناصر فن الممثل وفن المخرج والمؤلف في آن واحد ، ففن الممثل لم يعد يقتصر على الإلقاء والإشارة فحسب ، بل تعداهــا إلى عناصر أخرى أسهمت في إضفاء جو الطبيعية الواقعية على المشهد المسرحي مثل ( الإيماءة / الحركة والسكون / فن التعامل مع الأثاث وعناصر تكوين الديكور والإكسسوار المتوافر على خشبة المسرح بشكل طبيعي ) ، ممّـا جعل منها أساتذة التدريب المسرحي ، مادة وعنصرا هامـا في مناهج التدريب العملي للممثل والمخرج في آن واحد ، خاصة في ظل وجود جدار رابع ( وهمي ) مضاف على الثلاثة أضلاع المحددة لديكور المشهد المسرحي ، ممّـا يفرض عل المخرج المسرحي أن يوظِّف الحركة المسرحية للممثلين من هذا المنطلق …
والجدار الرابع الوهمي هذا ، مكانــه الستــار الأمامية للمسرح ، بحيث ينظر المتلقي إلى الممثلين وهم يؤدون أدوارهم بشكل طبيعي واقعي ، دون الالتزام بقواعد الطبيعية التقليدية التي وضعها الروسي ( استانسلافسكي ) وسار عليها أغلب المدربين في أنحاء العالم سواءً في مجال الحركة المسرحية أو بناء الشخصية والتشكيل الجسدي على خشبة المسرح ، وأصبح ممثل مدرسة ( أنطوان ) الواقعية الحديثة هذه يؤدي دوره غير مبال بالمتلقي في صالة جلوس النظارة ، وأصبحت حركته وإيماءاته تضاهي السلوك الطبيعي في حياته العادية ، وأصبح قادراً على أن يعطي ظهره للجمهور ، وأن يتصرف وكأنّـــه في غرفة أو مساحة مغلقة عليه هو وأقرانه ، ويحاول أن يقترب من واقعية الأداء الحياتي للبشر في حياتهم العادية …
ومن ضمن مــا ورد بمذكرات ( أنطوان )، أنّــه ولكي يؤكِّد أسلوبه الطبيعي المفرط في الواقعية ، ففي إخراجه لإحدى مسرحياته ، وضع على المسرح لحومــا حقيقية تأكيداً لنظريته المفرطة في محاكاة الطبيعة والتي قننها النقاد وأطلقوا عليهـــا ( صورة فوتوغرافية طبق الأصـــل )
وإلى هنــا ، أستودعكم الله وإلى لقــاء متجدد مع موضوع جديد إن شاء الله ٪
#د. نادر معتوق#مجلة ايليت فوتو اررت..


