• لسنا عقولًا في صناديق هايدغر والعودة إلى العالم
كاثرين ويثي
ترجمة: رمزي ناري
علّمتنا الفلسفة الغربية، عبر تاريخها الطويل، أن نفكّر في أنفسنا بوصفنا كائنات تعيش في الداخل. فكل واحد منا، بحسب هذا التصور، يسكن صندوقًا منفصلًا من الوعي – يمكن تخيّله كهفًا، أو برج قلعة، أو غرفة مغلقة – نمارس فيه سيادتنا ونخزّن داخله إدراكاتنا ومشاعرنا وأفكارنا وذكرياتنا. وأحيانًا نخرج من هذا الداخل المغلق كي نحصل على المزيد من هذه المحتويات: نزحف خارج عالمنا الداخلي المنعزل إلى العالم الأوسع، نعاين الأشياء ونصطدم بالآخرين، ثم نعود بما غنمناه إلى الحاوية المكتفية بذاتها التي تُسمّى «الذات». هناك نحكم، منفردين ومطلقين.
غير أن الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1889–1976) زلزل هذا التصور رأسًا على عقب عندما فكّر في الإنسان بطريقة مختلفة جذريًا. وكما قال جان وال Jean Wahlذات مرة، فإننا عند هايدغر «نوجد على الدوام، في جوهرنا، في الخارج». تخيّل هذا كما تشاء: حياة إنسانية تُعاش على شرفة حديقة صيفية، مع عصير الليمون وألعاب الورق، أو رحلة عظيمة عبر البلاد، مليئة بالمغامرات والمشقات. في كلتا الصورتين، لا يكون الإنسان كائنًا منفردًا مكتفيًا بذاته، بل كائنًا منخرطًا في خضمّ الأشياء، بصحبة الآخرين، متشابكًا مع ما هو موجود – وبذلك، كما لو كان تحت رحمة العناصر، يواجه تقلّبات العالم ويصمد أمام طقسه المتقلّب.
إن التفكير في أنفسنا بوصفنا كائنات «توجد في الخارج» يتحدّانا بأن نفهم ذواتنا على نحو جديد: بوصفنا كائنات متشابكة وهشّة. هناك أسباب تدفعنا إلى مقاومة هذا الفهم، لكن ثمة أيضًا فوائد كبيرة للاعتراف به – أي للاعتراف بأننا، كما يقول هايدغر، كائنات- في- العالم.
الوجود- في- العالم هو طريقتنا المميّزة في الوجود. وقد يبدو هذا الادعاء غريبًا للوهلة الأولى. أليس كل شيء موجودًا في العالم؟ عادةً ما نفهم «العالم» بوصفه المكان الذي توجد فيه كلّ الأشياء. لكننا لا نوجد في العالم بالطريقة نفسها التي يوجد بها عصير الليمون في الإبريق، أو الإبريق على الشرفة، أو حقيبة الظهر في الرحلة. نحن نوجد في العالم على نحو مختلف: نحن نوجد بوصفنا كائنات تعيش حياتها من خلاله وتفهم نفسها داخله. العالم ليس وعاءً يحتوي الأشياء، بل هو السياق المليء بالمعنى الذي نقيم فيه. نحن في العالم كما يكون الإنسان في الحب أو في العمل.
فإذا كنت في مجال الأعمال، فأنت منغمس في عالم من معاني العمل واهتماماته. تتبنّى مشاريع، وتقدّم نفسك بطريقة مهنية، وتهتم بأشياء معيّنة دون غيرها. وكذلك الحال إذا كنت في رحلة: الرحلة تصبح مشروعك المحدِّد للحياة، وكل ما تصادفه يكتسب معناه من كونه مساعدًا لمسيرتك أو معيقًا لها. لكن ليس من الضروري أن تكون المشاريع كبرى كي تضعنا في سياق ذي معنى. لاحظ كيف أن مجرّد الشروع في لعب الورق يحمّل بعض الأشياء المحيطة بنا دلالات قوية: الأدوات اللازمة للّعب تضيء فجأة، بعض الأفعال تغدو مغرية (اللعب الجيد!)، وأخرى تصبح مستحيلة (هذا غش!). وينقسم من معنا إلى شركاء وخصوم. ونحن أنفسنا نصبح مفهومين بوصفنا موزّعين ماهرين للأوراق، أو مخادعين بارعين، أو خاسرين سيّئي الطباع. كل شيء يغدو مشبعًا بالمعنى. في مختلف جوانب حياتنا، الكبيرة والصغيرة، نتبنّى مشاريع وننغمس في عوالم من الدلالات والاهتمامات التي تنفتح من خلالها.
أن نوجد في الخارج، في العالم، يعني أن نقيم في سياق غني بالمعنى، مع الآخرين ومع أدوات حياتنا. ويعني أن نكون منخرطين سلفًا في مشاريع الحياة، وسط أشياء ذات دلالة – لا أن نكون كائنات تخزّن الانطباعات داخل كهف معزول.
لكن من خلال سكنانا في العالم وتبنّينا للمشاريع، نحن لا نمنح الأشياء معناها فحسب، بل نصبح معتمدين عليها أيضًا. فالوجه الآخر لكون الأشياء ذات معنى هو أننا نحتاج إليها. حين أقترح لعب الورق على الشرفة، تصبح أدوات اللعبة ذات أهمية؛ لكن كي ألعب فعلًا، يجب أن تكون هذه الأدوات متوافرة وصالحة للاستعمال. لا أستطيع تنفيذ مشروعي إذا كانت الأدوات ناقصة أو معطّلة، أو إذا لم تسمح الظروف الواقعية بذلك. الوجود في العالم يعني الاعتماد على أشياء ليست تحت سيطرتنا، وهذا الاعتماد يجعلنا هشّين.
إذا كانت نصف أوراق اللعب مفقودة، فلن نستطيع اللعب. ولن نكون، في تلك اللحظة على الأقل، موزّعين ماهرين أو مخادعين بارعين. وإذا انقطع حزام حقيبة ظهري، أو صار الطريق غير قابل للعبور، فإن محاولتي إنجاز الرحلة ستفشل. ينهار مشروعي. مدى اضطرابنا بسبب ذلك يتوقف على مدى كون المشروع محدِّدًا لحياتنا. فإذا منعتنا عاصفة رعدية من لعب الورق على الشرفة، كان ذلك إزعاجًا عابرًا. أما إذا كنت لاعب بوكر محترفًا وحُظرت المقامرة، فسأُجبر على التخلّي عن نمط كامل من الوجود-في-العالم.
العيش في الخارج، في العالم، يعني أن نعتمد على أشياء أخرى وعلى أشخاص آخرين كي نكون ما نحن عليه ونفعل ما نفعل. وهذا الاعتماد يعرّضنا للخطر. نحن عرضة للتعطيل والانقطاع إذا لم تكن أدوات حياتنا متوافرة أو مناسبة. هذا ما يسمّيه هايدغر الوقائعية: فمصيرنا مشدود إلى مصير الأشياء والناس من حولنا. وبتعبير مجازي، نحن تحت رحمة العناصر، نواجه تقلّبات الطقس الوجودي.
أن نعيش في الخارج، جوهريًا، يعني أن نكون دائمًا عرضة لمساوئ الطقس. والخوف من هذا الطقس هو ما يدفعنا إلى الاحتماء في الداخل. فالتصوّر الذي يرى الإنسان جوهرًا سيّدًا منغلقًا على ذاته هو استراتيجية دفاعية: كيان لا يعتمد على شيء آخر، لا يرتبط مصيره بشيء، موجود بذاته وحدها – الإله الذي لا يُقهر (Deus Invictus)، الله الذي لا يُحدّ.
يرى هايدغر أن القلق من هشاشتنا ومحدوديتنا هو ما يدفعنا إلى هذا الوهم. وقد بدأ هذا المسار مع ديكارت، الذي بحث عن يقين مطلق، فلم يجد ما لا يمكن الشك فيه سوى وجود الله وكونه ذاتًا تفكّر. وهكذا وُلدت صورة الذات بوصفها «شيئًا مفكّرًا» منفصلًا عن العالم.
هذه الصورة ترسّخت في الفلسفة الغربية، وفي العلوم، وفي الحسّ المشترك. لكنها وهم. فنحن لسنا آلهة لا تُمسّ، بل – إن جاز التعبير – بشر متشابكون (Homo Implexus). إنكار هذا التشابك يعني إنكار حقيقتنا الأساسية.
والأخطر أنه يغلقنا عن الأشياء التي تهمّ. فمن دون التشابك، لا يمكن أن نتأثّر. وكما قال فرانز كافكا:
«يمكنك أن تحجب نفسك عن معاناة العالم… لكن لعلّ هذا الحجب ذاته هو المعاناة الوحيدة التي كان يمكنك تجنّبها».
الوجود- في- العالم يشبه الوقوع في الحب: مخاطرة، تعرّض، وتسليم لما ليس تحت سيطرتنا. لكنه ما يجعل الحياة الإنسانية مزدهرة، أوسع، وأجمل. أما محاولة العيش في الداخل، فتوفر شعورًا زائفًا بالأمان، لكنها تجعل الحياة أضيق وأفقر وأقل صدقًا.
يدعونا هايدغر إلى أن نرى أنفسنا كما نحن: كائنات هشّة، متشابكة، منخرطة في العالم. وبهذا فتح بابًا لطريق فلسفي جديد لم تفرغ الفلسفة بعد من السير فيه. إن العمل المتبقّي هو أن نلتقي بأنفسنا حيث نحن أصلًا: في العالم، في قلب المغامرة الكبرى أو ظهيرة الحياة الهادئة، مقيمين دائمًا، في جوهرنا، في الخارج.
المقالة مترجمة عن الموقع: https://psyche.co
كاثرين ويثي Katherine Withy: أستاذة الفلسفة في جامعة جورج تاون منذ عام 2009. متخصصة في أعمال مارتن هايدغر ومسائل منطق ووجودية بناء المعنى، ودور محدودية الإنسان فيه، وإمكانية انهيار العالم.
رمزي ناري: كاتب ومترجم عراقي يُـــقيم في الأردن
****************************
– المصادر:
- موقع :جريدة الصباح
– موقع: جريدة الأسبوع الأدبي
– المكتب الإعلامي – مؤسسة غبشة
الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة
– مجلة الحرف والكلمة
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية.


