مغارة الريحان في جبوب لبنان.. حين تنحت الطبيعة ذاكرتها في قلب الصخور الجيولوجية التي تشكّلت بسبب الماء والزمن. – إعداد: فريد ظفور.

مغارة الريحان في لبنان.. حين تنحت الطبيعة ذاكرتها في قلب الصخر
رحلة فوتوغرافية إلى منحوتة جيولوجية تشكّلت ببطء الماء والزمن في جنوب لبنان
إعداد: فريد ظفور
مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

مقدمة: حين يصبح الصخر ذاكرة
في جنوب لبنان، حيث تتعانق الجبال بالغابات، وتنساب الأودية بين السفوح، لا تبدو الطبيعة مجرد مشهد جغرافي عابر، بل تبدو كأنها فنان قديم يحمل إزميله بصبرٍ لا يعرف العجلة.
هناك، في بلدة الريحان ضمن قضاء جزين، تختبئ في باطن الجبل مغارة تحمل اسم المكان، وتقدم للعين واحدة من تلك التجارب التي يصعب الفصل فيها بين العلم والجمال، وبين الجيولوجيا والشعر.
إنها مغارة الريحان؛ فضاء طبيعي تشكل عبر عمليات جيولوجية ومائية طويلة، حيث تحولت الصخور إلى سقوف وأعمدة وهوابط وصواعد، وأصبح الماء، عبر الزمن، أشبه بيد نحات لا يتوقف عن العمل.
وتدرج مغارة الريحان ضمن قوائم المواقع الطبيعية اللبنانية ذات الأهمية، وقد ورد اسمها في وثائق رسمية لبنانية ضمن مواقع المغاور ذات القيمة الطبيعية.
وللمصور، لا تمثل المغارة مجرد مكان للتصوير، وإنما مختبر طبيعي للضوء والظل والملمس والعمق والمنظور؛ فكل صخرة فيها يمكن أن تتحول إلى موضوع بصري، وكل فتحة ضوء يمكن أن تصبح عنصراً في بناء الصورة.
الريحان.. جبل أخضر يخفي عالماً تحت الأرض
تقع بلدة الريحان في جنوب لبنان، وترتبط إدارياً بقضاء جزين. وتوجد المغارة على السفح الشرقي لجبل الريحان، في منطقة جبلية غنية بالغابات والأودية والمصادر المائية.
وتشير مصادر لبنانية إلى أن المغارة تقع على ارتفاع يقارب 1100 متر عن سطح البحر، وأنها اكتشفت بالمصادفة في ثلاثينيات القرن العشرين، مع اختلاف الروايات المنشورة في تحديد سنة الاكتشاف بين 1933 و1939. وترتبط الرواية الأكثر تداولاً بمزارع يدعى أحمد عواض، إذ قيل إن معوله أو مطرقته سقطت في فتحة أثناء عمله في الأرض، فقاد البحث عنها إلى اكتشاف المدخل.
وهنا تكمن مفارقة جميلة:
كان الإنسان يبحث عن أداة صغيرة، فاكتشف عالماً كبيراً.
فالمغارة التي كانت مختبئة في باطن الأرض أصبحت لاحقاً معلماً طبيعياً يحمل اسم البلدة، وبدأ الاهتمام بها يتطور تدريجياً، وصولاً إلى أعمال التأهيل التي جعلتها أكثر قابلية للزيارة والتعرف إلى عالمها الداخلي.
الماء.. النحات الذي لا ينام
لا يمكن قراءة مغارة الريحان من منظور جمالي فقط؛ فالجمال الذي نراه اليوم هو نتيجة عمليات طبيعية طويلة ومعقدة.
المغاور الكلسية تتشكل عادة عندما تتفاعل المياه مع الصخور القابلة للذوبان، ولا سيما الصخور الكربوناتية. تتسرب مياه الأمطار عبر الشقوق والفواصل في الصخور، وتحمل معها ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي والتربة، ما يزيد قدرتها على إذابة جزء من الصخور الكلسية.
ومع مرور المياه داخل الفراغات والشقوق، تتوسع الممرات تدريجياً، ويتكون عالم جوفي تتغير أشكاله بحسب حركة المياه، وطبيعة الصخور، ودرجة الحرارة، والرطوبة، والزمن.
وعندما تتساقط قطرات المياه داخل الفراغات، يمكن أن تترسب كربونات الكالسيوم حول مسار القطرة، فتبدأ عملية بناء التكوينات المعروفة باسم الهوابط والصواعد.
وهكذا لا تكون المغارة مجرد “تجويف” داخل الجبل، وإنما سجل طبيعي لعمليات استمرت زمناً طويلاً.
إنها، بلغة التصوير، صورة جيولوجية طويلة التعريض.
سقف من الهوابط.. وأرض من الصواعد
من أكثر العناصر التي تمنح المغاور الطبيعية جمالها تلك التكوينات التي تبدو للعين وكأنها منحوتات فنية.
الهوابط – Stalactites
هي التكوينات التي تنمو من سقف المغارة إلى الأسفل نتيجة ترسب المعادن من المياه المتسربة.
الصواعد – Stalagmites
تنمو من أرضية المغارة إلى الأعلى في المناطق التي تتساقط فيها قطرات المياه المحملة بالمعادن.
ومع مرور فترات زمنية طويلة يمكن أن يلتقي الهابط بالصاعد، فيتشكل عمود كلسي – Column.
وهنا تتحول الجيولوجيا إلى لغة تشكيلية.
قد يرى الزائر في أحد التكوينات شمعة، وفي آخر ستارة، وفي ثالث وجه إنسان أو جناح طائر أو شجرة متحجرة. لكن هذه الأشكال ليست منحوتات بشرية؛ إنها نتيجة التقاء الماء بالصخر والزمن.
وهذه النقطة مهمة للمصور:
لا ينبغي أن يصور التكوين الصخري باعتباره شيئاً يشبه شيئاً فقط، بل باعتباره بنية ضوئية وملمسية مستقلة.
«جعيتا الجنوب».. تشابه لا يعني التطابق
أطلقت بعض المصادر الإعلامية على مغارة الريحان تسمية «جعيتا الجنوب»، في إشارة إلى التشابه البصري بين بعض تكويناتها ومشاهد مغارة جعيتا الشهيرة.
لكن من الناحية العلمية والفنية، من الأفضل النظر إلى هذا التشبيه بوصفه وصفاً شعبياً للجمال، وليس تصنيفاً جيولوجياً.
فكل مغارة لها شخصيتها الخاصة التي تحددها جيولوجية المكان، وطبيعة الصخور، وحركة المياه، وتاريخ تشكلها.
ومغارة الريحان لها عالمها الخاص؛ عالم يرتبط بجبل الريحان وغاباته وأوديته ومناخه.
إنها ليست نسخة من مغارة أخرى، وإنما صفحة مستقلة من كتاب الجيولوجيا اللبناني.
الضوء داخل المغارة.. فوتوغرافيا العتمة
بالنسبة للمصور، ربما تكون المغارة واحدة من أكثر البيئات تحدياً وإغراءً في الوقت نفسه.
في الخارج، الضوء واسع ومتاح.
أما في الداخل، فالضوء يصبح نادراً.
وهنا يبدأ التصوير الحقيقي.
في المغارة لا يكون الظلام مجرد غياب للضوء، وإنما يصبح عنصراً من عناصر التكوين.
الظلام يحدد ما يظهر وما يختفي، ويمنح الصخور طبقات من العمق، ويخلق علاقة قوية بين المناطق المضيئة والمناطق المعتمة.
يمكن للمصور أن يعمل على مفهوم:
Low-Key Photography – التصوير منخفض الإضاءة
بحيث لا يحاول إضاءة كل شيء، بل يترك جزءاً من المشهد في الظلام، ليمنح العين فرصة لاكتشاف الصورة تدريجياً.
هندسة المنظور داخل المغارة
المغارات بيئات مثالية لتطبيق قواعد المنظور.
يمكن استخدام الممرات الصخرية كـ:
Leading Lines – خطوط قائدة
Framing – التأطير الطبيعي
Depth – العمق
Foreground / Midground / Background – المقدمة والوسط والخلفية
Scale – مقياس الحجم
Symmetry – التناظر
Negative Space – المساحة السلبية
فعندما يظهر شخص صغير الحجم أمام جدار صخري ضخم، لا يصبح الشخص مجرد عنصر بشري، بل يتحول إلى مقياس بصري يوضح ضخامة المكان.
وهذه تقنية مهمة جداً في التصوير المعماري والطبيعي.
فالصورة تقول للمشاهد:
هذا ليس جداراً صغيراً أمام الكاميرا؛
هذا جبل كامل اختار أن يكشف جزءاً من داخله.
اللون في قلب العتمة
قد يبدو للوهلة الأولى أن المغارة بيئة مثالية للتصوير الأبيض والأسود فقط.
لكن الحقيقة أكثر تعقيداً.
فالتكوينات الكلسية يمكن أن تحمل درجات مختلفة من الأبيض والرمادي والبني والأصفر، وقد تظهر ألوان أخرى تبعاً لطبيعة المعادن والمواد الموجودة في الصخور والإضاءة المستخدمة.
لذلك يمكن للمصور أن يعمل بطريقتين:
الأبيض والأسود
يعزل الصورة عن الإغراء اللوني، ويعيد بناء المشهد عبر:
Texture – الملمس
Tone – النغمة
Contrast – التباين
Shadow – الظل
Highlight – الإضاءة العالية
وهنا يصبح الصخر قريباً من الرسم التجريدي.
التصوير الملون
أما اللون فيمنح الصورة معلومات إضافية عن طبيعة التكوينات والبيئة الداخلية، خصوصاً عندما تكون الإضاءة مدروسة وغير مبالغ فيها.
جذور الأشجار.. حين يتسلل الخارج إلى الداخل
من أكثر المشاهد إثارة في مغارة الريحان ما أشار إليه بعض التقارير عن تداخل جذور الأشجار مع محيط المغارة وتكويناتها.
وهذا المشهد يحمل قيمة فنية وفلسفية كبيرة.
فالغابة فوق الأرض والمغارة تحتها ليستا عالمين منفصلين.
إنهما نظام طبيعي واحد.
الجذور تبحث عن الماء في الأعماق، والماء يتحرك عبر الشقوق، والصخر يحتفظ بآثار هذا التفاعل.
وهكذا يمكن للمصور أن يبحث عن الصورة التي تجمع:
الشجرة + الصخر + الجذر + الماء + الظلام.
إنها صورة تختصر علاقة الإنسان والطبيعة بالزمن.
مغارة الريحان كعمل فني طبيعي
إذا كان العمل الفني البشري يحتاج إلى فنان، وفرشاة، وألوان، ومساحة، فإن الطبيعة تعمل بأدوات مختلفة:
الماء هو الفرشاة.
الصخر هو اللوحة.
المعادن هي الألوان.
الزمن هو اليد.
والظلام هو قاعة العرض.
لهذا تبدو المغارة في بعض أجزائها وكأنها متحف للنحت الطبيعي.
لكنها متحف لا تتوقف فيه عملية النحت.
فالتكوينات الطبيعية ليست آثاراً جامدة فقط؛ إنها جزء من عمليات جيولوجية مستمرة، وإن كانت بطيئة إلى درجة يصعب على الإنسان ملاحظتها خلال حياته.
المغارة والذاكرة.. صورة أقدم من الإنسان
هناك جانب آخر يجعل مغارة الريحان مثيرة للاهتمام بالنسبة للفنان والمصور.
الصورة الفوتوغرافية تحفظ لحظة.
أما المغارة فتحفظ زمنها الخاص.
الكاميرا تسجل جزءاً من الثانية.
بينما الصخر يسجل زمناً جيولوجياً طويلاً.
وهنا يظهر حوار فلسفي جميل بين:
زمن الصورة – Photographic Time
و
زمن الأرض – Geological Time
المصور يضغط زر الغالق، فتولد صورة في جزء من الثانية.
لكن الطبيعة احتاجت إلى زمن طويل كي تصنع المشهد الذي التقطه المصور.
لذلك يمكن اعتبار صورة المغارة نوعاً من تصوير الزمن المتراكم.
من الاكتشاف إلى المعلم الطبيعي
مرت مغارة الريحان بمراحل طويلة قبل أن تصبح معلماً يمكن للزوار الوصول إليه.
وتشير مصادر مختلفة إلى أن الاهتمام المحلي بها تواصل عبر العقود، ثم خضعت لأعمال تأهيل وتجهيز شملت إنشاء مسارات داخلية وإضاءة ومداخل تساعد الزائر على استكشاف المكان، كما ارتبط تطوير الموقع بجهود البلديات المحلية.
وفي السياق اللبناني الأوسع، تندرج مغارة الريحان ضمن شبكة غنية من المغاور والكهوف الطبيعية، وهو ما يجعل المحافظة عليها قضية تتجاوز السياحة إلى حماية التراث الجيولوجي والبيئي.
فالمغارة ليست مجرد مكان يمكن زيارته والتقاط الصور فيه.
إنها نظام طبيعي حساس.
التصوير المسؤول داخل المغارات
هنا تظهر مسؤولية المصور.
فالمصور الذي يدخل المغارة لا يدخل إلى استوديو.
إنه يدخل إلى نظام بيئي حساس تشكل على مدى فترات زمنية طويلة.
لذلك ينبغي:
عدم لمس الهوابط والصواعد.
عدم كسر أو أخذ أي قطعة صخرية.
عدم الكتابة على الجدران.
عدم استخدام إضاءة قوية أو حرارة زائدة بصورة عشوائية.
الالتزام بالمسارات المحددة.
عدم العبث بالمياه أو التكوينات.
تجنب استخدام الفلاش عندما تمنعه إدارة الموقع.
احترام تعليمات المرشدين.
عدم تغيير المشهد الطبيعي من أجل الصورة.
فاللقطة الجميلة لا تبرر إتلاف موضوعها.
كيف يصور المصور مغارة الريحان؟
يمكن بناء مشروع فوتوغرافي متكامل للمغارة، وليس مجرد مجموعة صور سياحية.

  1. الصورة العامة – Establishing Shot
    تبدأ القصة من الخارج:
    الجبل، الغابة، الطريق، الضباب، الأشجار، الصخور.
    ثم ينتقل المصور تدريجياً نحو المدخل.
  2. صورة الانتقال
    تصوير المدخل باعتباره الحد الفاصل بين عالمين:
    الخارج / الداخل
    الضوء / الظلام
    السماء / الجبل
  3. التفاصيل – Macro / Close-up
    التقاط:
    قطرات الماء.
    الملامس.
    التكوينات المعدنية.
    الشقوق.
    الخطوط.
    الطبقات الصخرية.
  4. صورة العمق
    استخدام ممر طويل يقود العين إلى نقطة ضوء أو شخصية صغيرة.
  5. الصورة الإنسانية
    وجود شخص داخل الكادر يساعد على إدراك حجم المغارة.
  6. التجريد
    الاقتراب من الصخور حتى تفقد الصورة معناها المباشر، وتصبح خطوطاً ودوائر وظلالاً.
    هنا تتحول المغارة من مكان إلى لوحة تجريدية.
    بين عين المصور وعين الجيولوجي
    الجيولوجي يرى في المغارة:
    صخوراً، ترسبات، شقوقاً، مياه جوفية، تكوينات كلسية، وتاريخاً جيولوجياً.
    أما المصور فيرى:
    خطاً، شكلاً، ملمساً، ضوءاً، ظلّاً، حركة، عمقاً وإيقاعاً.
    والكاتب يرى:
    ذاكرة.
    والشاعر يرى:
    قصيدة تحت الأرض.
    أما الزائر فقد يرى كل ذلك في لحظة واحدة.
    وهنا تكمن قيمة المكان.
    إنه قادر على أن يقدم العلم والجمال في الصورة نفسها.
    الريحان.. عندما تصبح الطبيعة مصوراً
    ثمة فكرة تستحق التأمل:
    المصور لا يصنع الجمال دائماً.
    أحياناً يكون دوره أن يكتشفه.
    في مغارة الريحان، لم يصنع الإنسان الأعمدة الصخرية، ولم يرسم الخطوط على الجدران، ولم يعلق الهوابط من السقف.
    لقد فعلت الطبيعة ذلك.
    ودور الكاميرا هو أن تأتي بعد آلاف السنين لتقول:
    انظروا ماذا فعل الزمن.
    وهنا يصبح التصوير شكلاً من أشكال الاكتشاف.
    خاتمة: صورة التقطها الزمن
    مغارة الريحان ليست مجرد كهف في جنوب لبنان.
    إنها مساحة تلتقي فيها الجغرافيا بالجيولوجيا، والغابة بالصخر، والماء بالزمن، والظلام بالضوء، والعلم بالفن.
    هي واحدة من تلك الأماكن التي تجعل المصور يتوقف أمام الكاميرا قبل أن يرفعها، لأن المشهد يفرض احترامه أولاً، ثم يدعو إلى تصويره.
    وفي عالم أصبحت فيه الصورة تُنتج خلال أجزاء من الثانية، تذكرنا المغارة بأن بعض الصور احتاجت إلى زمن لا يمكن للإنسان أن يحصيه كي تتشكل.
    الصورة الفوتوغرافية تحتاج إلى لحظة كي تولد،
    أما مغارة الريحان فقد احتاجت إلى الزمن كي تصبح صورة.
    ولهذا، حين يقف المصور أمام صخرة نحتتها المياه، أو قطرة تتدلى من سقفها، أو ممر غارق في الظلام، فإنه لا يصور حجراً فقط.
    إنه يصور ذاكرة الأرض.
    وكل ضغطة على زر الغالق هناك ليست مجرد تسجيل لمشهد، بل محاولة بشرية صغيرة لحفظ فصل من كتاب الطبيعة الكبير؛ كتاب كتبته المياه في الصخر، واحتفظ به الجبل، ثم جاءت الكاميرا لتقرأه بالضوء.
    إعداد: فريد ظفور
    مجلة فن التصوير – إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم