مشكلة الفيديو في العالم العربي، والأكبر هي مشكلة التلفزيون..- مشاركة الصحفي: عبد الكريم البليخ.

هل نعيد للشاشة بريقها؟


هناك مشكلة اسمها الفيديو في العالم العربي، ومشكلة أكبر هي التلفزيون. وإن كان من الممكن أن نفهم أنَّ السيطرة على استخدامات الفيديو تكاد تكون مستحيلة في ظل العقلية التجارية التي تغرق الأسواق بمختلف الأعمال التي تتسلق الموجة وتداعب كل رغبة وتُصنَع من أجل الربح وحده، فإن الأمر مختلف تماماً حين يتعلّق بالتلفزيون. فالفيديو سلعة، يمكن أن تدخل البيوت من أبواب جانبية، أما التلفزيون فهو المؤسسة الرسمية التي يقع على عاتقها حماية أذواق الناس، وصيانة تراث المجتمع، والحفاظ على تركيبته القيمية من التآكل والتهشيم. لذلك فإن المخجل أن نرى أجهزة التلفزيون العربية وقد انساقت، بلا وعي أو بقصد، إلى عرض تلك الأفلام المنحرفة التي تدمر عقول الناشئة، وتغتال قيم المجتمع، وتعبث بالمبادئ، بدل أن تتصدّى لها بحزم وصلابة، وتعيدها إلى مكانها الطبيعي: مواد تجارية عابرة لا يُسمح لها بملامسة وعي الأجيال.
شيئاً فشيئاً تتحوّل شاشاتنا إلى مسرح لتمرير ما ينتجه التجار والمغامرون، حيث تتسلل المواد المسجلة إلى البيوت مصحوبة بسطوة الصورة وإغراء الإيقاع، فتزرع أثرها العميق في وجدان الناس. لا يهم إن كان القائمون على العرض يدركون أم لا، فالمحصلة واحدة: محتوى تافه وساذج، لكنه يتكفل مع التكرار بتشكيل العقول، وبناء الذائقة العامة على أسس هشّة. هنا يكمن الخطر الحقيقي، ليس في وجود مواد هابطة، فهذا شأن قديم، بل في أن المؤسسة الرسمية التي يُفترض أن تكون حارس الذوق العام تحوّلت إلى وسيط لتلك المواد، تنقلها وتمنحها شرعية الحضور.
وقد يُسأل: ما الذي دفع التلفزيون العربي إلى هذا الانزلاق؟ هل هي تلك الطبقة الجديدة التي ظهرت في العقود الأخيرة، المنادية بالانفتاح الاقتصادي، واللاهثة وراء الغرب بما يملكه من سلع ومخلفات، متبنية عقلية انتهازية لا ترى في الثقافة سوى بضاعة يمكن تسويقها؟ أليس هذا الانفتاح الاستهلاكي هو الذي فتح الأبواب على مصاريعها لتلك المسلسلات والأفلام التي تُشوه أصالة المجتمع، وتطعن ممارسات الشرفاء عبر إبراز نماذج منحرفة وتبرير سقوطها؟
ما دامت أدوات الإنتاج بيد من يملك رأس المال، فلا غرابة أن تُنتج أفلام تعكس اهتمامات ضحلة لأصحابها، وتُغري الناس بأفكار ساذجة، وتروّج لألفاظ مبتذلة سرعان ما تهبط إلى قاع المجتمع وتلتصق به، فتصبح جزءاً من لغته اليومية. لا غرابة أن نرى فيلماً يروي حياة راقصة، أو آخر يمجّد ملوك الجريمة، أو ثالثاً يُعلي شأن تجّار الشنطة، أو سلسلة أفلام مفصّلة على مقاس نجم صاعد تُفقده بريقه قبل أن يبلغ النضج. كل ذلك يحدث لأن المال صار سيد المشهد، وصار بمقدور أي مغامر يمتلك رصيداً مالياً أن يدخل عالم الإنتاج فيفرض على الناس ما يريد، بلا معايير أخلاقية ولا فنية.
الخطر هنا ليس أقل من خطر “المرآة المتحركة”، مرآة السينما والمسرح والتلفزيون والفيديو التي لا تنقل الواقع فحسب، بل تعيد تشكيله وتوجيهه. وحين تصبح هذه المرآة مشروخة، فإنها تُعيد إلى الناس صوراً مشوّهة لأنفسهم، وتزرع فيهم قيماً مغلوطة. المؤسسات الفنية، التي كان يُفترض أن تكون منارات للجمال والمعرفة، تحولت إلى مجرد أدوات لتسويق بضاعة متخلفة، متكئة على قدرتها المالية، ومستندة إلى غياب الرقيب الحقيقي. والأسوأ أن الأجهزة الرسمية نفسها كثيراً ما تدعم هذه المواد بشرائها وعرضها، فتمنحها الشرعية وتفتح لها أبواب كل بيت.
ليست كل مادة مسجلة تستحق أن تُعرض أو يُهدر عليها وقت البث الثمين، وليست كل صورة ملونة تستحق أن تُحفر في ذاكرة الناس. لكن التلفزيون العربي، بسبب طول ساعات الإرسال، يجد نفسه مضطراً لشراء أعمال سبق أن اعترض عليها لسطحيتها وضعفها، ثم يُعيد عرضها تحت ضغط الحاجة. هذا الفراغ البرامجي هو الذي يسمح للمحتوى الهابط أن يتسلل. فلو كانت هناك خطط إعلامية واضحة، واستراتيجية ثقافية راسخة، لما تركت الشاشة نهباً للصدفة، ولما سمحت بانتعاش فئة الانتهازيين وأنصاف المواهب، أولئك الذين صعدوا سريعاً على حساب الرؤية الهادفة.
إنَّ الشللية التي تفشت في أروقة المؤسسات الإعلامية، واستغلال المناصب، وتولي أشخاص غير مؤهلين مسؤوليات حساسة، كل ذلك أدى إلى اختلال المنظور الذي تُقيّم على أساسه الأعمال. لم يعد هناك نقد حقيقي يزن القيمة، بل تمرير اعتباطي لما يُعرض، حتى لو كان ضحلاً وتافهاً. والنتيجة أن ردود الفعل السلبية لهذه الأعمال تبقى طويلاً في ذاكرة المشاهدين، تسهم في تخلّفهم، وتزيد من ضياع الشباب، وتغذي تخديره.
التلفزيون العربي، إن أراد أن يستعيد مكانته، عليه أن يتذكر أن دوره ليس الترفيه الرخيص ولا المنافسة مع شركات الفيديو في تسويق البضاعة المغشوشة، بل أن يبقى المؤسسة التي تحتفظ بدور تثقيفي جوهري، يحمي الناس من الابتذال، ويصون ذاكرتهم الجماعية. وحتى لو كانت هذه المواد الهابطة متاحة في الأسواق، يمكن للتلفزيون أن يميز نفسه عنها بالامتناع عن عرضها، فيبقى المشاهد حين يراها في منزله عبر الفيديو قادراً على تسميتها باسمها: مواد سطحية محدودة التأثير. لكن حين يراها على شاشة التلفزيون الرسمي، فإنها تكتسب شرعية خطيرة.
المسألة ليست مجرد تسلية، بل هي قضية تتعلق بأمن المجتمع الروحي والثقافي. الدولة إذا أرادت أن تصون هذا الأمن فعليها أن تصادر الأفلام المريضة، وتمنع عرضها وتداولها، فتخنق بذلك شهوة المال التي تدوس القيم الأخلاقية. إن حماية التيار الفني الصادق تقع إلى حد بعيد على عاتق الأجهزة الرسمية. وكلما فرضت هذه الأجهزة وجودها، وأوضحت شروطها، وأظهرت قوتها، استطاعت أن تعيد التوازن إلى الساحة الفنية، وتقضي على الطفيليات، وتفتح الطريق أمام الفن الطليعي الملتزم. الفن الذي يعيد بناء ذوق الإنسان العربي، ويوقظ وعيه المفقود، ويمنحه صورة صادقة عن نفسه وعن العالم.
أما إذا تُرك المجال للمصادفة، ولمنطق السوق وحده، فإن قيم الناس ستظل في تقهقر وتذبذب تحت رحمة شبّاك العرض. سيستيقظون كل يوم على صورة جديدة مشوّهة، وتترسخ في وجدانهم قيم هابطة، حتى ينهار الجدار الداخلي الذي يحميهم. عندها لن تكون الخسارة مجرد فقدان ذوق أو انحدار لغة، بل ضياع أجيال بكاملها.
التلفزيون العربي هو في جوهره بيت معماري رمزي. جدرانه ليست من حجر ولا إسمنت، بل من صورة وصوت ورواية. حين يتساهل في اختياره للمواد، فإن الجدران تصاب بالشقوق، ويبدأ السقف بالانهيار. لكن حين يتحمل مسؤوليته، يصبح البيت متيناً، قادراً على حماية أهله من رياح الخارج. لذا، يبقى السؤال مطروحاً، مثار نقاش لا ينتهي: هل نعيد للشاشة بريقها؟ هل نعيد إليها دورها التنويري؟ هل نستطيع أن نحميها من الانحدار إلى مجرد سوق للأوهام، ونحوّلها من جديد إلى مرآة صافية تعكس أجمل ما في مجتمعاتنا من قيم وتطلعات؟ الجواب ليس عند أصحاب المال وحدهم، ولا عند الجمهور المرهق وحده، بل عند المؤسسات التي إن استيقظت من غفوتها أدركت أن الصورة ليست لهواً ولا زينة، بل مصير أمة بأكملها.

                                                                             عبد الكريم البليخ

صحافي سوري مقيم في النمسا

*******************
المصادر:
– موقع هيبا: www.hipa.ae
– موقع: الراية
– الإتحاد العربي للثقافة
– مجلة العربي الكويتية الورقية.
– ،.،المصدر: مصراوي،،،،،،،
– موقع الجزيرة .نت
– موقع «الشرق الأوسط»
– موقع تلفزيون سورية
– موقع (اليوم السابع)
– موقع: الرأي ميديا
– موقع صحيفة عكاظ
– موقع : العربية .نت
– موقع الجزيرة .نت
– موقع النهار العربي
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع القدس العربي
– موقع الشرق الاوسط
– مجلة الحرف والكلمة
– الإتحاد العربي للثقافة
– موقع :صحيفة سبق الإلكترونية.
– دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN
.bbc /arabic
– موقع موزاييك
–  جريدة الدستور
– موقع العربي الجديد
– سكاي نيوز عربية – أبوظبي
– موقع سبق- اليوم السابع
– الإمارات اليوم
– العربية .نت – الرياض
-صحيفة الثورة السورية
– موقع المصرى اليوم
– مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– مجلة فن التصوير
– إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
**************

أخر المقالات

منكم وإليكم