مسيرة عائلة عريقة: آل النجاري في جسر الشغور بين الزعامة الوطنية والدبلوماسية.- د.جمال العبد الله.

آل النجاري في جسر الشغور:
سيرة عائلة عريقة بين الزعامة الوطنية والدبلوماسية

د.جمال العبد الله

​الجزء الأول:
الجذور والأصول التاريخية
(عهد التأسيس والزعامة المبكرة)
يشهد الرحالة أولياغبلي خلال جولة له في منطقة جسر الشغورعام 1648م أنه لم يكن هناك منطقة معمورة. ولم يكن سوى خان وجامع وحمام بناها محمد باشا الكوبرلي، والي طرابلس، لكونها تقع على طريق القوافل من حلب إلى الساحل الشامي. بعدها بدأت العائلات بالتوافد اليها والاستقرار مشيّدة البيوت الطينية وتكون مع الزمن حي «آل النجاري» المعروف باسم «حي القلعة» ، حيث بنيت فيما بعد البيوت الكبيرة القديمة على الطراز العربي ويعود تاريخ بنائه الى النصف الثاني من ق19.
​تُعد عائلة النجاري (أو آل النجاري زاده) في مدينة جسر الشغور واحدة من أعمدة الأرستقراطية الزراعية والسياسية في الشمال السوري.
من اقدم الشخصيات المعروفة سليم آغا بن الحاج بكري النجاري عضو مجلس أعيان ولاية حلب في عهد الدولة العثمانية.
وابنه عمر فوزي بن سليم آغا النجّاري، الضابط في الجيش العثماني، والملقب باسم عمر أفندي من أوائل المتعلمين في الشمال السوري ومؤسس أول مدرسة حديثة في جسر الشغور.

ومن الشخصيات عبد الحسيب آغا النجّاري زاده قائد جيش المنطقة الشمالية في عهد الملك فيصل. والذي نال وساما منه مصدقا من الشريف حسين قائد الثورة العربية الكبرى على خدمته للمملكة السورية العربية.
لم تكن هذه العائلة مجرد كيان إقطاعي يمتلك مساحات شاسعة من الأراضي في حوض نهر العاصي وسهل الروج الخصيب، بل كانت مؤسسة اجتماعية ووطنية لعبت دوراً محورياً في صياغة تاريخ المنطقة الممتد من أواخر العهد العثماني، مروراً بالحكومة العربية (العهد الفيصلي)، وصولاً إلى مقارعة الانتداب الفرنسي.

​وقد عُرف عن آل النجاري ممارستهم لما يُسمى بـ “الإقطاع المستنير”؛ حيث ارتبطوا بعلاقات متينة مع الفلاحين وأهالي القرى المحيطة، ووفروا لهم الحماية والدعم في فترات القحط والاضطرابات، مما شكّل للعائلة حاضنة شعبية قوية حصنتها عبر مختلف التحولات السياسية.

​تبرز في مرحلة التأسيس والجذور الأولى للعائلة ثلاث شخصيات محورية وضعت اللبنات الأساسية لهذا الإرث الممتد:

​1. سليم آغا بن الحاج بكري النجاري (الزعامة في العهد العثماني)

​يُمثل سليم آغا الجيل المؤسس للثقل الإداري والسياسي للعائلة في أواخر العهد العثماني.

  • ​مكانته السياسية: بفضل النفوذ الاقتصادي الكبير للعائلة وحكمته في إدارة شؤون المنطقة، اختير سليم آغا ليكون عضواً في مجلس أعيان ولاية حلب (التي كانت جسر الشغور كما كل ادلب وريفها تتبع لها إدارياً آنذاك). كان هذا المجلس يضم كبار رجالات الولاية، وصُناع القرار فيها.
  • ​وفاته وإرثه: تُوفي سليم آغا عام 1915، وفي دلالة واضحة على مكانته الرفيعة لدى رجالات الشمال السوري، نُقل جثمانه ليُدفن في مدينة حلب في المقبرة التي عُرفت لاحقاً بـ “مقبرة هنانو” (والتي ضمت لاحقاً رفاة كبار الزعماء الوطنيين كإبراهيم هنانو وسعد الله الجابري). تركت وفاته إرثاً ثقيلاً من الوجاهة التي سيتسلمها الأبناء والأحفاد من بعده.

​2. عبد الحسيب بن النعسان النجاري (القيادة العسكرية في العهد الفيصلي)

​مع انهيار الدولة العثمانية ودخول قوات الثورة العربية الكبرى إلى سوريا وتأسيس “الحكومة العربية” بقيادة الملك فيصل بن الحسين (1918-1920)، برز اسم عبد الحسيب آغا النجاري كقائد عسكري وسياسي من الطراز الرفيع.

  • ​قيادة جيش المنطقة الشمالية: أوكلت القيادة العربية في دمشق إلى عبد الحسيب آغا مهمة بالغة الحساسية، وهي قيادة “جيش المنطقة الشمالية”.
  • ​دوره الاستراتيجي: تجلى دوره في ملء الفراغ الأمني والإداري الذي تركه انسحاب الجيش العثماني، وعمل على تنظيم الدفاعات المحلية وتوحيد صفوف العشائر وأهالي الجسر وريفها استعداداً للمرحلة القادمة، خاصة مع بدء النوايا الفرنسية بالسيطرة على الساحل السوري والزحف نحو الداخل. كان عبد الحسيب يمثل الذراع العسكرية والوطنية للعائلة في تلك المرحلة المفصلية.

​3. زكي آغا النجاري (حلقة الوصل والحفاظ على الإرث)

​يُعتبر زكي آغا (والد المحامي والدبلوماسي نعسان زكي آغا) بمثابة حلقة الوصل الصلبة بين جيل التأسيس العثماني-الفيصلي، وجيل النضال الوطني السوري والبرلماني اللاحق.

  • ​إدارة المقدرات الاقتصادية: أخذ زكي آغا على عاتقه إدارة الأملاك الشاسعة للعائلة، والتي امتدت لتشمل قرى بأكملها مثل “الإسحاقية” و”الزعينية”، بالإضافة إلى الأراضي الممتدة في سهل الروج.
  • ​التمهيد للجيل السياسي القادم: من خلال إدارته الحكيمة للزراعة، وتثبيت علاقة العائلة الطيبة مع المزارعين والأقليات في منطقة جسر الشغور، مهد زكي آغا الأرضية الصلبة والأرضية المالية التي سمحت لأبناء العائلة اللاحقين (مثل نجدت بك ونعسان زكي) بالتفرغ للعمل الوطني والسياسي والبرلماني دون القلق على الجبهة الداخلية أو الشعبية للعائلة.

​بهذا التاريخ المتجذر في الإدارة العثمانية، والقيادة العسكرية الفيصلية، والإدارة الاقتصادية الحكيمة، دخلت عائلة النجاري منتصف القرن العشرين وهي مهيأة للعب أدوار سياسية وبرلمانية قادتها أسماء لامعة ستترك بصمتها في تاريخ سوريا الحديث.

الجزء الثاني:
نجدت بك النجاري
(زعيم الجسر وأصغر نواب استقلال سوريا)

​إذا كان جيل التأسيس قد أرسى دعائم الوجاهة الاقتصادية والعسكرية لآل النجاري، فإن نجدت بك النجاري (أبو حسيب) هو من أخذ هذه الزعامة نحو الفضاء الوطني الأرحب، ليغدو صانع أحداث وركناً أساسياً من أركان العمل النيابي في سوريا المعاصرة.

​1. النشأة والتكوين

​وُلد نجدت بك النجاري في مدينة جسر الشغور عام 1910، ونشأ في كنف عائلة تجمع بين الثراء العريض والمسؤولية الاجتماعية. تلقى تعليماً رفيعاً جعله يستوعب مبكراً التحولات السياسية التي كانت تعصف ببلاد الشام تحت نير الانتداب الفرنسي، فمزج بين ثقافة ابن البلد الوجيه وبين الوعي السياسي المتنور.

​2. العمل الوطني ومقارعة الانتداب:”معركة الزعينية”

​لم يكتفِ نجدت بك بالدعم المالي للثوار وشراء السلاح كما كان يفعل كبار الملاكين، بل تقدم صفوف المقاومة الشعبية:

  • ​التنسيق مع إبراهيم هنانو: أقام صلات وثيقة مع قائد ثورة الشمال إبراهيم هنانو عبر قريبه جمعة النجاري، وجعل من مزارع العائلة في قرية “الإسحاقية” ملاذاً للثوار ومركزاً للإمداد.
  • ​معركة الزعينية: قاد مع وجهاء المنطقة كمينا عسكرياً متقناً ضد القوات الفرنسية عند ممر “الزعينية” بين اللاذقية والجسر. تمكن الثوار بإشرافه من قطع خطوط إمداد الأرتال الفرنسية المتجهة لقمع الثوار في الشمال، وتكبيد الفرنسييين خسائر فادحة.
  • ​حماية الأقليات ووسام الفاتيكان: عُرف بنبله وموقفه الشجاع في حماية القرى المسيحية المجاورة لجسر الشغور (مثل اليعقوبية والقنية والغسانية) إبان الفتن والاضطرابات التي حاول الانتداب إذكاءها. وقد فتح مزارعه لحمايتهم، مما دفع
  • البابا بيوس الثاني عشر (Pope Pius XII) في عام 1949. لمنحه وسام الشرف الرفيع تقديراً لترسيخه روح المواطنة والعيش المشترك.
    وجاء هذا التكريم البابوي الاستثنائي لشخصية إسلامية ووطنية سورية تقديراً لمواقفه الشجاعة والنبيلة في حماية أبناء القرى المسيحية المجاورة لجسر الشغور (مثل اليعقوبية، القنية، والغسانية) وتأمين الملاذ الآمن لهم في مزارعه وبيوته إبان فترة الاضطرابات وقطع الطرق التي رافقت نهاية عهد الانتداب الفرنسي ومرحلة التأسيس بعد الاستقلال

​3. الدخول التاريخي للبرلمان (1943) وتأسيس العمل النيابي

​فاز نجدت بك بمقعد قضاء جسر الشغور في الانتخابات النيابية لعام 1943 وكان بعمر 33 عاماً فقط، ليدخل التاريخ السوري رسمياً كـ “أصغر أعضاء البرلمان السوري سناً”؛ حيث افتتح الجلسة الأولى للبرلمان بروتوكولياً إلى جانب أكبر الأعضاء سناً (البرلماني الغزي).

  • ​زيارة الرئيس شكري القوتلي التاريخية: احتفاءً بفوزه وتثبيتاً للتحالف مع “الكتلة الوطنية”، زاره رئيس الجمهورية شكري القوتلي في جسر الشغور لتهنئته. وأقيمت له مأدبة تاريخية ذُبح فيها أكثر من مائة خروف، ودُعي إليها أهالي المنطقة، حيث ألقى القوتلي خطابه الشهير واصفاً جسر الشغور بـ “بوابة سوريا الغربية وحصنها الحصين”.
  • ​المسيرة البرلمانية (1943 – 1963): حافظ نجدت بك على مقعده النيابي في دورات متتالية (1947، 1954، و1961).
  • كان امين سر البرلمان السوري اربع دورات انتخابية…بامتياز وخلال فترة الانقلابات العسكرية، انحاز بصلابة إلى الجبهة الوطنية الديمقراطية بزعامة الرئيس هاشم الأتاسي لاستعادة الحياة الدستورية، وصوّت داخل المجلس ضد الأحلاف الأجنبية كحلف بغداد.
  1. مرحلة الوحدة والتحولات الكبرى (1958 – 1963)
    1.​عهد الوحدة (1958): مع قيام الجمهورية العربية المتحدة، وكباقي السياسيين السوريين، تم حل البرلمان السوري التقليدي وتجميد العمل الحزبي. تراجع النشاط السياسي المباشر لنجدت بك، لكنه حافظ على مكانته كرمز اجتماعي وعشائري في الشمال.
    ​قوانين الإصلاح الزراعي: شملت قوانين التأميم والإصلاح الزراعي مساحات واسعة من أملاك آل النجاري في سهل الروج وجسر الشغور. وتجلت حكمة نجدت بك في هذه المرحلة الحساسة؛ إذ امتص الصدمة القانونية والسياسية بذكاء، وحرص على ألا تتحول عمليات إعادة توزيع الأراضي إلى صدام مسلّح أو عداء مع الفلاحين، بل حافظ على صلات الود والوجاهة الإنسانية مع أهالي القرى.

2.مرحلة الانفصال (1961 – 1963): عاد نجدت بك إلى واجهة العمل السياسي بعد انفصال سوريا عن مصر، وانتُخب مجدداً في البرلمان السوري (المجلس النيابي لعام 1961)، مشاركاً في محاولات إعادة صياغة الدستور وتثبيت الاستقرار السياسي في البلاد حتى قيام أحداث 8 آذار 1963 وحل البرلمان نهائياً.
​3. العزلة السياسية الاختيارية والوجاهة الاجتماعية (1963 حتى الوفاة)
​بعد عام 1963 وتغير طبيعة النخبة الحاكمة في سوريا، طوى نجدت بك صفحة العمل السياسي الرسمي مجبراً كباقي رجالات “العهد الوطني القديم”، وانصرف تماماً إلى الشأن الاجتماعي والإنساني:
​وبعد أحداث عام 1963 وتغير طبيعة النظام السياسي، اعتزل العمل السياسي الرسمي مجبراً، لكنه بقي “المصلح الاجتماعي الأول” في محافظات إدلب وحلب واللاذقية، ووجهة لفض النزاعات بين الاهالي والعشائر حتى وفاته في دمشق ودفنه في مسقط رأسه عام 1978، لتُطوى برحيله إحدى أنصع صفحات الزعامة الوطنية التقليدية في الشمال السوري.

الجزء الثالث:
المحامي نعسان زكي آغا النجاري
(الوجه التشريعي والدبلوماسي للعائلة)

​إذا كان نجدت بك النجاري يُمثّل الزعامة السياسية والبرلمانية التقليدية في مرحلة الاستقلال، فإن ابن عمه المحامي نعسان زكي آغا النجاري مثّل التحول النوعي للجيل الجديد من العائلة؛ حيث جمع بين التأسيس الأكاديمي والعمل الحقوقي الصلب، والدبلوماسية الخارجية للدولة السورية.

​1. النشأة والتأهيل الحقوقي

​وُلد نعسان زكي آغا النجاري في جسر الشغور عام 1922 في كنف والده زكي آغا الذي حرص على توفير أعلى درجات التعليم له. اتجه نعسان إلى دراسة الحقوق في جامعة دمشق وتخرج منها ليمارس المحاماة، ويصبح واحداً من أبرز الحقوقيين في المنطقة.

​منحته ممارسة المحاماة رؤية عميقة للقوانين والتشريعات، إلى جانب شبكة واسعة من العلاقات مع رجال القضاء والنخبة المثقفة في سوريا، مما مهد له الطريق للعب أدوار سياسية ودبلوماسية تجاوزت حدود النطاق المحلي.

​2. التمثيل النيابي في عهد الوحدة (مجلس الأمة 1960)

​مع قيام مشروع الوحدة بين سوريا ومصر (الجمهورية العربية المتحدة) عام 1958 برئاسة جمال عبد الناصر، تطلبت المرحلة رجال قانون وسياسة يمتلكون القدرة على إعادة صياغة البيئة التشريعية للإقليمين:

  • ​العضوية في مجلس الأمة المشترك: اختير المحامي نعسان زكي آغا عضواً في مجلس الأمة المشترك بالقاهرة عام 1960 ممثلاً عن الإقليم الشمالي (سوريا).
  • ​الدور التشريعي: عُقدت جلسات المجلس بالقاهرة برئاسة محمد أنور السادات. وبحكم خلفيته القانونية كمحامٍ ألمعي، لعب نعسان زكي آغا دوراً نشطاً داخل اللجان التشريعية والقانونية، مشاركاً في دراسة وتوحيد القوانين وتنسيق التشريعات بين القطرين السوري والمصري.

​3. العمل الدبلوماسي: سفير سوريا في طهران (1965 – 1969)

​بعد مسيرته الحقوقية والبرلمانية، انتقل إلى السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية السورية، ليُعيّن سفيراً فوق العادة ومطلق الصلاحية للجمهورية العربية السورية لدى الإمبراطورية الإيرانية (طهران) خلال الفترة الممتدة بين 1965 و1969.

  • ​أهمية البعثة وحساسيتها: كانت طهران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي مسرحاً لتقاطعات سياسية معقدة وتوترات بين المحور العربي وإيران. وكان تعيين رجل قانون بحجم نعسان زكي آغا يهدف إلى إدارة العلاقات الحساسة والدبلوماسية الهادئة للحفاظ على المصالح السورية.
  • ​إدارة الملفات الإقليمية: قاد البعثة الدبلوماسية باقتدار ورصانة طوال أربع سنوات، إلى أن بدأت العلاقات بالتوتر الشديد قبيل قطعها كاملاً بين البلدين في أواخر عام 1969، ليعود بعدها إلى دمشق متوجاً مسيرة دبلوماسية رفيعة.

​4. الوفاة والإرث (1994)

​تُوفي المحامي نعسان زكي اغا في خريف عام 1994 عن عمر ناهز 72 عاماً. وبوفاته، اكتمل الفصل الأخير من حضور عائلة النجاري في المؤسسات التشريعية والدبلوماسية للدولة السورية في القرن العشرين.

​خاتمة

​تُظهر هذه السيرة لـ آل النجاري في جسر الشغور عبر أجيالها المتعاقبة نموذجاً فريداً للعائلات السورية التي جمعت بين:

  • ​الوجاهة والأملاك العقارية: عبر زعامة سليم آغا وزكي آغا وإدارتهما للثروة الزراعية في سهل الروج والعاصي.
  • ​القيادة العسكرية والوطنية: عبر عبد الحسيب آغا في العهد الفيصلي، ونضال نجدت بك في معركة الزعينية ضد الفرنسيين.
  • ​العمل البرلماني والدبلوماسي: عبر دخول نجدت بك كأصغر برلماني عام 1943، وتمثيل المحامي نعسان زكي آغا لسوريا في مجلس الأمة بالقاهرة عام 1960 ثم سفيراً في طهران.

​وبذلك يقدم تاريخ هذه العائلة مادة غنية للتأريخ الاجتماعي والسياسي لمدينة جسر الشغور والشمال السوري ككل.

أخر المقالات

منكم وإليكم