سهيل زكار:(١١٧)
سيرة مؤرخ مثير للجدل
بقلم : خلدون عبد العزيز الخن
المقدمة
يُعد الدكتور سهيل زكار (1936-2020) واحداً من أبرز المؤرخين والمحققين السوريين في العصر الحديث، تاركاً إرثاً علمياً ضخماً تجاوز الخمسين مجلداً، لكنه في الوقت نفسه ظل شخصية خلافية أثارت آراؤه الجريئة جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والشعبية. يجمع بين مشروع علمي طموح في تاريخ الحروب الصليبية، وآراء تاريخية هزّت ثوابت السردية التاريخية التقليدية، ومواقف سياسية أثارت التساؤلات حول استقلالية المؤرخ.
السيرة الذاتية
النشأة والبدايات الصعبة
وُلِد سهيل بن علي صادق بن مصطفى آل زكار في مدينة حماة عام 1936، لعائلة عربية عريقة من حي الحاضر، تعود أصولها إلى عشيرة «كزكز» التي تفرع منها آل زكار وآل مط وآل غنوم. تعرّض والده لخسائر مادية فادحة أثناء الانتداب الفرنسي، مما أجبر الأسرة على حياة الشظف، واضطر سهيل لترك المدرسة في سن مبكرة للعمل وتأمين لقمة العيش.
في الوقت نفسه، واصل القراءة في مختلف أنواع الكتب، خاصة كتب التاريخ والفكر الوجودي والقومي. حصل بدراسة خاصة على الشهادة الإعدادية عام 1952، وعمل معلماً وكيلاً في ريف حماة. لكن التحدي الأكبر كان في الحصول على الشهادة الثانوية أثناء أدائه الخدمة العسكرية الإلزامية في منطقة الشيخ مسكين خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. كان ينتقل ليلاً من الشيخ مسكين إلى دمشق للوصول صباحاً لتقديم الامتحانات، في ظروف قاسية ومواصلات شبه معدومة، ولم يكن ينعم بالنوم الجيد.
وكانت النتيجة: نجاحه بتفوق، وحصوله على أكثر من 190 درجة من 200 في مادة التاريخ، الأمر الذي لفت الأنظار إليه، حتى طُلِب منه الالتحاق بالكلية العسكرية، لكنه فضّل الجامعة.
التفوق الجامعي والسفر إلى لندن
التحق زكار بقسم التاريخ في جامعة دمشق، ورغم عدم مداومته على المحاضرات بسبب ظروفه، اجتاز الامتحانات بتفوق، وتخرّج الأول على دفعته عام 1963. تقدّم لمسابقة المدرّسين في وزارة التربية وكان الأول على سورية، لكن مدير التربية في حماة عيّنه في السلمية قائلاً: “لأنك ستترك التدريس وتذهب إلى الجامعة لن أعينك في المدينة”! وبالفعل، درّس ثلاثة أشهر في السلمية، ثم قُبل معيداً في كلية الآداب بجامعة دمشق، وقُرّر إيفاده إلى جامعة لندن لإكمال دراسته العليا.
موقعة لندن وبرنارد لويس
في أواخر عام 1964، وصل زكار إلى لندن وهو لا يعرف كلمة واحدة بالإنكليزية، ولا يعرف أحداً هناك. كانت أياماً صعبة، لكنه اتخذ قراراً جريئاً: حفظ قاموس إنكليزي-إنكليزي، وقرأ ترجمة القرآن الكريم إلى الإنكليزية، وانتسب إلى مدرستين لتعلم اللغة، صباحية ومسائية. خلال شهر واحد فقط، أصبح يقرأ ويتحدث الإنكليزية بطلاقة.
ذهب إلى الجامعة والتقى رئيس قسم التاريخ، المستشرق الشهير برنارد لويس، الذي اندهش من تقدمه اللغوي السريع. طلب منه لويس العمل على معادلة شهادته، لكنه اصطدم بموجه بريطاني كان يقدم معلومات خاطئة. شكاه زكار إلى لويس، وقال له بثقة: “يحاول أن يعلّمنا خطأ”. وعندما سأله لويس عن مؤلفاته، أخبره أنه حقّق كتابي خليفة بن خياط، فردّ لويس مندهشاً: “وهل تمّ العثور عليهما؟!”
طلب منه لويس كتابة مقال عن خليفة بن خياط للموسوعة الإسلامية، وخلال ثلاثة أيام أنجز المقال، فأعفاه لويس من فحص المعادلة بقرار من مجلس الجامعة، ثم عرض عليه البقاء والتعاقد معه، لكن زكار اعتذر قائلاً إنه جاء للدراسة من أجل وطنه.
ناقش زكار رسالة الماجستير حول إمارة حلب في القرن الخامس الهجري، ثم حصل على الدكتوراه عام 1969 بإشراف لويس، وعاد إلى سوريا عام 1970 ليستقر فيها مدرساً ومؤلفاً ومحققاً.
المواقف البارزة
موقفه من برنارد لويس وتحوله للصهيونية
كان زكار يرى في لويس أستاذاً منصفاً خلال فترة دراسته، ولم يشعر بتعصبه كيهودي. لكنه تتبع أخباره بعد رحيله إلى أمريكا عام 1971، حيث أعلن لويس عن نفسه كصهيوني ومبغض للعرب والإسلام، وأصبح مستشاراً له تأثير في البيت الأبيض. قال زكار عن ذلك: “أنا لا أعتبر أن هذا الأمر معيب… أما هو الآن صهيوني لعين، ما علاقة هذا بذاك؟” مؤكداً أن الدراسة مع لويس كانت مفيدة منهجياً وعلمياً، وأنه لم يتدخل في آرائه.
موقفه من السلطة السياسية
نشر زكار في يونيو 2002 مقالاً بعنوان: “حافظ الأسد: القائد التاريخي للأمة العربية في العصر الحديث” في مجلة المعرفة السورية، ضمن عدد كامل مخصص لتمجيد الرئيس الراحل حافظ الأسد. أُخِذ عليه هذا التقرّب من النظام، ورآه البعض تنازلاً عن استقلالية المؤرخ، بينما اعتبره آخرون موقفاً سياسياً ضمن سياقه الزمني.
دوره الإعلامي
أسهم زكار في مراجعة بعض المسلسلات التاريخية مثل “فارس بني مروان”، وشارك في برامج وثائقية على قنوات مثل الجزيرة الوثائقية، كما كانت له حلقات على قناة نور الشام. لكنه انتقد الأعمال الدرامية التي يُعطى الإشراف العلمي فيها لغير المختصين، مما يؤدي إلى خلط التاريخ بالخيال.
الخلافات والآراء المثيرة للجدل
1. موقفه من شخصيات إسلامية مبكرة
· معاوية بن أبي سفيان: وصفه بأنه “رجل متمرد” أراد اغتصاب السلطة والخروج على الخلافة الشرعية لعلي بن أبي طالب، ورأى أن صراع صفين كان لإخضاع تمرد معاوية، وربطه بجذور قبلية بين بني هاشم وبني أمية.
· السيدة عائشة وأطراف الفتنة: رغم عدم وجود تصريح مباشر عنه في المصادر المتاحة، فإن تحليله للصراع السياسي بعيداً عن التقديس المطلق للأطراف، وانتقاده للرواة الذين يتعذرون لمعاوية، وُجّه له انتقاد واسع، واتُهم بـ “نيْلِه من بعض الصحابة والخلفاء” الذين أخطأ في حقهم يقيناً، وفق تعبير أحد طلابه.
2. نقده للمصادر التاريخية
اتهم زكار كتب التاريخ التقليدية بأنها “لم تسلم من الانتماءات المذهبية”، وانتقد رواة مثل سيف بن عمر التميمي معتبراً إياه منحازاً ضد علي بن أبي طالب، ودعا إلى قراءة نقدية للمصادر بعيداً عن التقديس. هذا الموقف جعله متّهماً من خصومه بالتأثر بالاستشراق أو بالميول التشيعية.
3. تأثره بالاستشراق
رغم دفاعه عن المنهجية العلمية التي تعلمها في لندن، ونفيه أن يكون لويس قد تدخل في آرائه، فإن بعض خصومه استغلوا هذه العلاقة للطعن في استقلاليته، واتّهموه بتجاوز الثوابت التاريخية تحت تأثير الغرب.
4. موقفه من الثورة السورية
المصادر المتاحة لا تذكر أي موقف معلن له من الثورة السورية (2011)، لكن هناك إشارات إلى أنه تقرّب من نظام حافظ الأسد في نهاية حياته، وهو ما أُخذ عليه كنقطة سلبية.
الخاتمة
يبقى الدكتور سهيل زكار نموذجاً للمؤرخ الصعب، الذي لا يمكن تصنيفه في خانة واحدة. هو عصامي أذهل العالم بقدرته على تذليل الصعاب، من شظف العيش في حماة إلى قمة الأكاديميا في لندن. ترك موسوعة علمية ضخمة في تاريخ الحروب الصليبية، واستحق لقب “عميد المؤرخين العرب”. لكنه في الوقت نفسه، أثار حفيظة التقليديين بجرأته في نقد المصادر والرواة، وآرائه في شخصيات إسلامية مبكرة، وما اعتُبر تقرباً من السلطة السياسية.
يمكن القول إن الجدل حوله ليس في منهجه العلمي فحسب، بل في علاقة المؤرخ بالسلطة، وحدود النقد التاريخي للثوابت، وتوظيف التاريخ في الصراعات السياسية والمذهبية. وهو ما يجعله مادة خصبة للنقاش، بين من يراه مجدداً منهجياً ومن يراه متجاوزاً للخطوط الحمراء.
المراجع
1. سهيل زكار – ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
2. حوار سهيل زكار: هكذا تحول برنارد لويس إلى الصهيونية – صحيفة الرياض، 2022
3. لمحة موجزة عن المؤرخ الدكتور سهيل زكار – موقع تاغريب نيوز، 4 مارس 2020
4. مقالة حافظ الأسد القائد التاريخي للأمة العربية – مجلة المعرفة، العدد 465، يونيو 2002
5. كلمة عن الدكتور سهيل زكار للدكتور محمد عصام علوش – منشور فيسبوك، 2 مارس 2025


