مسرحية “كذبة” ،تأليف مالك المالكي…

الخادم : أجل سيدي ، آه يا سيدي ، ما كان اعظم سعادتنا في الأيام الخوالي ، ذكرني ، ماذا كنا نفعل كي نحظى بالسعادة ؟
العجوز : هل نسيت ؟ .
الخادم : أجل يا سيدي .
العجوز : وانا ايضاً .
الخادم : لكنك لا زلت تذكر بأننا كنا سعداء ؟
العجوز : أجل .
الخادم : لماذا كنا سعداء ؟ .
العجوز : لست ادري .
الخادم : لقد كنا كذلك ، اما اليوم فقد تساقطت اسناننا ، وفقدنا شعرنا ، وانا فقدت يديّ وانت على وشك ان تصاب بالجنون .
العجوز : إنني لا زلت امتلك بعضاً من اسناني وطوقاً هزيلاً من الشعر . كيف فقدت شعرك !!
الخادم : لقد استعاره مني ابي .
العجوز : إذن فقد ذهب الى الأبد .
الخادم : وانت !! كيف خسرتَ أسنانك ؟
العجوز : لم افقدها طوعاً ، لقد امتعضتْ من رائحة فمي ، وهجرتني .
الخادم : اووه لقد خيل لي بأنك قد اعرتها الى احدهم !!
العجوز : إنني لم التقِ بإنسان آخر سواك . ( متجهماً ) هل تقصد بأنك سرقت اسناني !!
الخادم : حاشى يا سيدي ، لقد كنت اقول … اعني … لربما …. اوووه سيدي يجب ان تنزع هذه الفكرة من رأسك .
العجوز : هل سرقت اسناني ؟
الخادم : كلا .
العجوز : يجب ان أرى بنفسي ، افتح فَمك .
الخادم : ( يفتح فمه ) .
العجوز : إنها اسناني .
الخادم : كلا يا سيدي ، إنها اسناني .
العجوز : إنني اعرف اسناني جيداً . لقد سرقتها مني .
الخادم : سيدي الكريم ، إنني اعرف اسناني جيداً ، لقد كانت في فمي منذ اكثر من ثمانين عاماً . يجب أن تتذكر جيداً أين ذهبت اسنانك ؟
العجوز : انها تشبه اسناني كل الشبه . اعتقد … بأنك …. آه اسناني العزيزة . ما اقرب الشبه بينهما ؟
الخادم : ولكنك منذ وهلة كنت تقول بأنها هجرت فمك لأنها لم تحتمل رائحته .
العجوز : لقد كنتُ اسيء الى فمي والحقيقة ان رائحة فمي الكريهة ما كانت لتفوح لولا اسناني المتعفنة . إنني اتمتع بفم صحي وحسن الرائحة الآن . من حسن حظي أنني تخلصت من تلك الاحجار الثقيلة.
الخادم : هل تشير الى أن رائحة فمي مردّها الى اسناني المتعفنة ؟
العجوز : بالطبع ،،، لا شك في ذلك . جرب ان تتخلص من اسنانك وسوف تحصل على فم عَطر وصحي ومعدة صالحة لمئة عام اخرى .
الخادم : سيدي الكريم ، هل تسمح أن تخلع لي أسناني ؟
العجوز : اجل . هل تفضل بالطرق ام بالعتلة ؟
الخادم : ما طاب لك وشاء يا سيدي .
العجوز : العتلة ، هيا . فوراً .
الخادم : في الحال ، في الحال .
( يندفع الخادم الى تحت السرير ويستل عتلة قديمة ) .
تفضل يا سيدي .
العجوز : هل تفضل الجلوس ام الوقوف ؟
الخادم : كما تحب يا سيدي .
العجوز : اجلس ، هيا .
الخادم : ( يجلس الى الكرسي ) .سيدي . ( فترة ) .
العجوز : ( يمسك فك الخادم بشدة وقسوة ) افتح ، فتح ، افتح . ( فترة . يحملق في جوف فمه ) افتح .
( يرزح الخادم تحت قبضة العجوز ويحاول ان يجيب . يغرس العجوز العتلة في فمه ويأخذ في نبش
اسنانه . صراخ . اصوات صرير . يقطع العجوز اسنان الخادم بلا هوادة ، تتفجر الدماء من فم الخادم . يتوقف العجوز برهة زمنية يلتقط فيها انفاسه ) .
الخادم : هل تشعر بالتعب يا سيدي ؟ لم يتبقى الا ثلاثة اسنان او اربعة .
( يندفع العجوز بقوة ويقبض بالعتلة مرة اخرى على فك الخادم ، صراخ . دماء . )
العجوز : لقد انتهيت . اذهب واغسل فمك .
( ينهض الخادم وقد تفجر فمه بالدم كما تتفجر عيون البراكين . يجلس العجوز ويتناول الصحيفة ويبدأ بالقراءة . لم يشهد المكان مثل هذا الصمت من قبل . العجوز هادئ الطباع ، والخادم ينظف فمه ، ثم يأخذ بتنظيف المكان بينما يختبئ العجوز خلف الصحيفة ويبدو عليه الرضى والاسترخاء من خلال ساقيه اللتين كانتا واحدة فوق الاخرى ويهزهما بإيقاع منتظم )
الخادم : سيدي .
صمت
سيدي !! سيدي !!
العجوز : ماذا تثرثر ؟
الخادم : لقد كنت انادي عليك ( برهة ) . الا تسمعني ؟
العجوز : لقد سمعتك . كنت تثرثر بشيء ما .
الخادم : كلا يا سيدي ، لقد كنت اناديك .
العجوز : لا زلت تثرثر وينقص كلامك بعض الحروف .
الخادم : لأنني فقدت اسناني يا سيدي .
العجوز : ماذا !!!؟
الخادم : فقدت اسناني ، فقدت اسناني ، هل نسيت !؟ إن فمي لا يجرؤ على الكلام . ( يشير الى فمه ) .
العجوز : اوووه ايها الخادم المسكين ، لقد اصبحت عاجزاً عن الكلام .
الخادم : اجل ولكن في ذلك الخير الكثير . لماذا نتكلم !! لماذا علينا التحدث ؟
العجوز : ( من خلف الصحيفة ) لست ادري ، وفي الحقيقة لماذا نتحدث ؟ لماذا لا نصمت ؟ لماذا اسرف البشر في الكلام اجيال بعد اجيال الم يحن وقت الصمت ، الا نعلن حضارة جديدة ، يتواصل فيها البشر بالصمت ، حضارة الصمت . هل يمكن للصمت أن يصنع حضارة عوضاً عن الثرثرة ؟
الخادم : ( من خلف فم مقفل ) إن الصمت يا سيدي خير من الثرثرة ، والكلمات الناقصة ، الفاشلة ، والأصوات اللعينة . إن كان ما يمكن لي أن اصف الصمت حتما سأقوله إنه الخلاص من الفشل الصوتي .
العجوز : ماذا ؟
الخادم : إن الصمت يا سيدي ..
العجوز : لا استطيع أن افهمك جيداً . حاول مرة اخرى .
الخادم : إن الصمت يا سيدي ..
العجوز : لا افهمك ، كن دقيقاً .
الخادم : ( بألم ) إن الالم يا سيدي .
العجوز : وما به الألم ؟
الخادم : اووه لقد اردت ان اقول الصمت فقلت ُ الألم، الصمت يا سيدي .

مسرحيةكذبة /#مالك المالكي

صدرت عام (2025) عن دار نينوى للدرات والنشر والتوزيع- سوريا

أخر المقالات

منكم وإليكم