لا شك أن ما قام به كتاب مسرح العبث – بعد الحرب العالمية الثانية – يعد ثورة غير مسبوقة على الشكل المسرحي، فهم لم يكتفوا بالثورة على الموضوعات القديمة للمسرح، ولكنهم ثاروا أيضا على شكله.ولكن للحق فإن ما قام به كتاب مسرح العبث من ثورة على شكل المسرح سبقه بعض تجارب في العصر الحديث للتحرر من الشكل المسرحي المتعارف عليه، وكان من أهم هذه التجارب ما قام به بيرانديللو في ثلاثيته التي عرفت بصيغة التمثيل داخل التمثيل، وهي مسرحية ست شخصيات تبحث عن مؤلف، ومسرحية الليلة نرتجل التمثيل، ومسرحية كل شيخ وله طريقة.وهذه المسرحيات الثلاث نرى فيها مكونات العرض المسرحي من مؤلف ومخرج وممثلين، وفنيين آخرين ينفذون العرض المسرحي- يتناقشون على خشبة المسرح، ويعبرون عن رؤيتهم للفن المسرحي، وفي الوقت نفسه نراهم يشيرون في بعض المواضع في هذه المسرحيات إلى أن ما يتم على المسرح هو تمثيل، وأن هناك مساحة من الارتجال في العرض الذي يقدمونه.وتظهر هذه الخصائص في مسرحية ست شخصيات تبحث عن مؤلف، فهي مسرحية فيها مساحة كبيرة من التجريب في كتابة النص المسرحي، فنرى هنا ثلاث مستويات للتمثيل؛ أولهما ما قامت به الأسرة التي اقتحمت ذلك المسرح على المخرج والممثلين الذين معه وهم يؤدون بروفة على إحدى المسرحيات – فسرد الأب والزوجة والابن وابنة الزوجة الكبرى في هذه الأسرة حكايتهم على ذلك المخرج؛ ليغروه بإخراج تمثيلها على المسرح، وأعجب المخرج بهذه الفكرة، فطلب إلى الملقن أن يستمع إلى حوار هذه الأسرة وهي تمثل مواقف من حياتها، ويختزله، وهذا التمثيل من هذه الأسرة لجوانب من حياتها يعد المستوى الثاني من التمثيل في هذه المسرحية، أما المستوى الثالث من التمثيل في هذه المسرحية فهو في إعادة تمثيل تلك الفرقة المسرحية للأحداث التي مثلتها هذه الأسرة.
والأحداث التي روت هذه الأسرة أجزاء منها ومثلت أجزاء أخرى منها تتلخص في أن هذا الزوج كان قد تزوج هذه الزوجة، وأنجب منها هذا الابن الأكبر، ولكنه اكتشف بعد ذلك الفوارق الاجتماعية الكبيرة بينه وبين زوجته، فطلقها، وزوجها من شخص كان يعمل عنده.وكان هذا الزوج الأول يراقب هذه الأسرة، فعرف أن تلك الزوجة وزوجها قد أنجبا ابنتين وولدا، ورحلت هذه الأسرة عن تلك المدينة التي كانت تعيش فيها، فاختفت أخبارها عن الزوج الأول.وبينما كان هذا الزوج الأول في بيت للدعارة، وأتت إليه واحدة ممن تعمل فيه، وقبل أن يلمسها دخلت عليهما الزوجة الأولى، وقالت لهذا الرجل: إنها ابنتي.فأخذ الزوج الأول هذه الأسرة لبيته، وعرف من تلك الزوجة أن زوجها الثاني قد مات، وأنهم تعرضوا لظروف صعبة؛ مما جعل هذه الابنة الكبرى تعمل في الدعارة.
وخلال إقامة هذه المرأة وابنتيها وابنها الصغير عند ذلك الرجل كان الابن الأكبر يسيء معاملتهم، وكانت البنت الكبرى تحاول إغراء زوج أمها، وتنتهي الأحداث التي حكوها ومثلوا أجزاء منها بأن البنت الصغرى تتعرض لحادث غرق في نافورة في الحديقة، وبدا الابن الصغير عند ذلك كتمثال جامد.
ولم يرق لأفراد هذه الأسرة التمثيل الذي قام به الممثلون في هذه الفرقة؛ فقد رأوا أنهم لم يعبروا عن شخوصهم ومشاعرهم الخاصة كما ينبغي، وبالصورة التي يحسون بها، وفي الوقت نفسه بدا المخرج متضايقا من الاستمرار في هذا العرض الغريب، وأمر هذه الأسرة بعدم الاستمرار في سرد وتمثيل أجزاء من حكايتهم التي جاءوا ليعرضوها عليه، وكذلك أمر ممثلي فرقته أن يتوقفوا هذا اليوم عن استكمال التمثيل، سواء أكان تمثيلهم لحكاية هذه الأسرة أو تمثيلهم للمسرحية التي كانوا يقومون بعمل بروفات عليها قبل ذلك، وتنتهي هذه المسرحية بهذه النهاية.
وأكرر أننا نرى مساحة كبيرة من التجريب في كتابة النص المسرحي في هذه المسرحية، وفي الوقت نفسه يثير المؤلف في هذه المسرحية قضيته التي أثارها في ثلاثيته عن التمثيل داخل التمثيل، وهي أن الفن أرقى وأبقى وأجمل من الحياة؛ وذلك رغم أن الفن يوهم بالحقيقة، ولكنه بهذا الوهم يعطيها نفخة الخلود؛ ولهذا تعيش بعض الشخصيات المسرحية في وجدان الناس – كهاملت وعطيل وأرباجون بخيل موليير – أكثر مما تعيش كثير من الشخصيات الحقيقية في الحياة.ويحسب لبيرانديلو أنه مزج الحديث عن هذه القضية في مسرحيته ست شخصيات تبحث عن مؤلف – ومسرحيتيه الأخريين في ثلاثيته عن التمثيل داخل التمثيل، وهما مسرحية الليلة نرتجل التمثيل، ومسرحية كل شيخ وله طريقة – بالخيط الدرامي فيها، فكانا ممتزجين.
والأمر المهم الآخر في مسرحية ست شخصيات تبحث عن مؤلف – والمسرحيتين الأخريين في هذه الثلاثية – أنها كانت بدايات واضحة للجرأة على النص المسرحي، فالمخرج في هذه المسرحية لا يمانع من أن يكون النص المسرحي الذي تمثله فرقته يعتمد على سيناريو فيه خطوط عريضة، ويقوم الممثلون بالارتجال؛ لملء هذه الخطوط العريضة لهذ السيناريو، كما كان يحدث في الكوميديا ديلارتي في إيطاليا قديما؛ ولهذا يتردد الحديث عن الكوميديا ديلارتي في هذه المسرحية.
ونرى في مسرحية الليلة نرتجل التمثيل جرأة أكبر على قداسة النص المسرحي، فالمخرج فيها يرى نفسه الأساس في العرض المسرحي، وأن المؤلف يمكن الاستعانة بنصه في حدود معينة أو بتدخل كبير فيه.
وبهذا نرى أن مسرحية ست شخصيات تبحث عن مؤلف – والمسرحيتين الأخريين في هذه الثلاثية لبيرانديللو – فيها تجديد في الشكل المسرحي، ولكنها كانت – في الوقت نفسه – مؤشرا واضحا على التجرؤ على قداسة النص المسرحي، وصرنا بعد ذلك نرى جرأة كبيرة من المخرجين والدراماتورجيين على النصوص المسرحية، حتى صرنا نرى المخرج المؤلف الذي يستغني عن المؤلف بما يكتبه من نصوص تجريبية لا تعتمد على الكلمة بقدر اعتمادها على حركات الجسد والرقصات والموسيقى.
بقلم د.علي خليفة
د


