قراءة في المسرحية السياسية “الطارق” للمؤلف المسرحي المصري “محمد الروبي”حين يتحول الخوف إلى سؤالٍ عن الحرية:حين نقترب من تجربة الكاتب المسرحي المصري محمد الروبي، ندرك أننا أمام كاتب لا يتعامل مع المسرح السياسي بوصفه منبرًا لإطلاق الشعارات، ولا يحوّل الخشبة إلى ساحة مباشرة للمواجهة الأيديولوجية؛ وإنما يختار طريقًا أكثر هدوءًا وعمقًا، هو ما يمكن أن نسميه المسرح السياسي الناعم؛ ذلك المسرح الذي يبدو للوهلة الأولى متأنيًا، إنسانيًا، وربما حميميًا، لكنه يخفي تحت جلده نارًا ثائرة لا تخمد. إن نعومة الروبي ليست ضعفًا في المواجهة، بل استراتيجية جمالية تجعل الثورة أكثر نفاذًا؛ فهو لا يصرخ في وجه الوعي، وإنما يقترب منه هامسًا، حتى إذا اطمأن الوعي إلى هدوء الصوت، اكتشف أن تحته حمم بركان تتحرك ببطء نحو لحظة الانفجار. ومن هنا تتجلى قيمة الروبي: أنه يجعل السياسة سؤالًا إنسانيًا، والسلطة سؤالًا أخلاقيًا، والحرية ضرورة وجودية، ويترك للمتلقي أن يكتشف بنفسه أن ما يبدو حكاية هادئة قد يكون في جوهره ثورة كاملة على الظلم، دفاعًا عن العدل، واستعادةً لكرامة الإنسان. ومن ثم، هناك نصوص مسرحية تدخل إلى السياسة من بابها المباشر، فتتحول إلى بيانٍ سياسي يرتدي ثياب المسرح، وثمة نصوص أعمق لا تتحدث عن السياسة بقدر ما تكشف البنية الروحية التي تجعل الاستبداد ممكنًا؛ حيث لا يعود السؤال: من يملك السلطة؟ بل: ماذا تفعل السلطة بالإنسان حين تنجح في تحويله من كائن يختار إلى أداة تنفذ؟ ومن هذه المنطقة الملتبسة بين السياسة والإنسان، بين القمع والضمير، بين الوطن والمنفى، يكتب محمد الروبي مسرحيته «الطارق»، واضعًا أمامنا قاتلًا يدخل بيت ضحيته لا ليقتلها فقط، وإنما ليكتشف، في اللحظة التي يرفع فيها يده، أنه هو الآخر كان ضحيةً لنظامٍ أتقن صناعة القتلة.النواة الدرامية: حين يدخل الموت إلى بيت الحياة:النواة الأشد كثافة في «الطارق» هي هذه المفارقة: قاتل مأمور باغتيال كاتب ومفكر سياسي هارب من وطنه، لكنه يجد نفسه محاصرًا في بيت ضحيته بالإنسان الذي حاول النظام أن ينتزعه من داخله. ومن هنا لا يصبح الصراع بين سليمان وطارق صراعًا بين قاتل ومقتول، وإنما بين الإنسان في كليهما والآلة السياسية التي صنعت كليهما بصورة مختلفة.يبدأ الروبي من فضاء شديد البساطة: غرفة معيشة، أسرة تحتفل بعيد ميلاد الأب، كعكة، عود، أغنية «أحن إلى خبز أمي»؛ ثم يطرق الموت الباب. إن الطرق هنا ليس مجرد فعل مسرحي، بل علامة سيميائية أولى: السلطة لا تحتاج إلى اقتحام العالم دائمًا؛ يكفي أن تطرق، لأن البيت الآمن يعرف أن وراء الطرق تاريخًا من الخوف. وحين يدخل «الغريب» حاملًا حقيبته الصغيرة، يتحول الاحتفال بالحياة إلى انتظار للموت.لكن الروبي لا يجعل الموت دمويًا منذ اللحظة الأولى؛ يجعله بيروقراطيًا. القاتل يتحدث عن «المهنية والنظام»، ويعرض على ضحيته أدوات الموت كما لو كان يمنحه قائمة خيارات ديمقراطية. وهنا تبلغ السخرية السياسية ذروتها: أيُّ ديمقراطية تلك التي تمنح الإنسان حرية اختيار الطريقة التي سيموت بها؟ إن المفارقة ليست زينة لغوية، وإنما تفكيك لمفهوم السلطة حين تستعير مفردات الحرية لتغطية جوهر القهر.البناء الدرامي: من سؤال القتل إلى سؤال الإنسان:قوة البناء في «الطارق» أنها لا تستعجل كشف القاتل بوصفه إنسانًا. في البداية هو «الغريب»، بلا اسم، بلا ماضٍ، بلا عائلة؛ مجرد وظيفة بشرية تؤدي أمرًا. حتى الساعة التي يحملها ليست أداة لمعرفة الزمن فحسب، وإنما جهاز يربط وجوده بإرادة أعلى منه. إنه لا يملك الوقت، بل ينتظر «الإشارة». وهكذا يصبح الزمن نفسه جزءًا من منظومة القهر.في المقابل، يملك سليمان شيئًا لا تستطيع السلطة مصادرته: الذاكرة والكلمة. ويملك طارق شيئًا لم تستطع السلطة قتله تمامًا: الشك.وتتسع الدائرة حين تدخل سلمى إلى الصراع. فهي ابنة وطن لم تره، لكنها تعرفه عبر الذاكرة والمعرفة والحكايات. وهنا يضع الروبي مفارقة شديدة الذكاء: من عاش الوطن قد يغادره، ومن لم يعشه قد يحلم به أكثر ممن بقي فيه. لذلك تصبح مواجهة سلمى للغريب مواجهة بين وطنين: وطن محفوظ في ذاكرة إنسان، ووطن مختزل في خطاب السلطة.غير أن التحول الحقيقي لا يحدث في لحظة خطاب سياسي، بل حين يتوقف القاتل عن كونه «وظيفة». فاعتراف طارق بماضيه يكشف أن النظام لم يصنع قاتلًا من فراغ؛ لقد أخذ طفلًا حلم بأن يكون مهندسًا، جرّده من مشاعره، وأعاد تشكيله ليكون «ترسًا» في آلة. وهنا تنتقل المسرحية من نقد الدكتاتورية إلى تشريح آلية إنتاجها للبشر.تفكيك الشخصية: سليمان وطارق… ضحيتان في جهتين:سليمان ليس بطلًا سياسيًا كاملًا، وهذه من نقاط قوة الشخصية. فالنص لا يمنحه راحة البطولة؛ يضعه أمام سؤال مؤلم: هل كان خروجه من الوطن نجاة أم خسارة؟ وهل يستطيع المثقف أن يظل مقاومًا وهو بعيد عن أرض المعركة؟اعترافه بأن زوجته هي التي حرضته على الخروج، ثم اعترافها بأنها ربما منحته الحياة وأخذت منه شيئًا آخر، يفتح الجرح الإنساني تحت الجلد السياسي.أما طارق فهو الشخصية الأكثر تركيبًا؛ لأنه يبدأ باعتباره «أداة» وينتهي باعتباره «إنسانًا». وما بين البداية والنهاية رحلة استعادة الاسم والذاكرة والضمير. لذلك فإن لحظة قوله «أنا طارق المنصور» ليست مجرد تعريف بالشخصية، وإنما استرداد للذات من المؤسسة التي محتها.والأجمل أن الروبي يجعل التحول نتيجة فعل إنساني بسيط: «يا ولدي». كلمة الأم تسقط درعًا أيديولوجيًا كاملًا. فحين تناديه نادية بهذا النداء، لا تخاطب الوظيفة، وإنما الطفل المدفون تحتها. ثم تأتي ذاكرة مقال سليمان القديم لتكمل عملية الإنقاذ: الكلمة التي كتبها الرجل في سجنه تصل، بعد سنوات، إلى عقل قاتله وتصبح بذرة مقاومة.هنا يقول المسرح شيئًا بالغ الجمال: قد يقتل الطاغية الجسد، لكنه لا يستطيع أن يضمن موت الكلمة.السيمياء والمكان: البيت بوصفه وطنًا مصغرًا:البيت في «الطارق» ليس مكانًا محايدًا. إنه وطن مصغر؛ داخله ذاكرة، وأم، وابنة، وكاتب، وأغنية، وكعكة ميلاد. وخارجه وطن غائب تحكمه سلطة لا تظهر على الخشبة إلا من خلال أوامرها.حتى الأدوات تتحول إلى علامات: الكعكة التي كانت رمزًا للاحتفال تصبح علامة على «العشاء الأخير»، والحقيبة الصغيرة تحمل الموت، والساعة تمثل الزمن الذي تملكه السلطة، والهاتف المقطوع يمثل عجز الفرد أمام منظومة أغلقت جميع منافذ النجدة. ثم يأتي حرق الساعة في المدفأة باعتباره لحظة تحرر رمزية من الزمن السلطوي.حتى العود والأغنية يتكرران في البداية والنهاية، لكنهما لا يؤديان الوظيفة نفسها. في البداية كانت الأغنية حنينًا إلى وطن غائب؛ وفي النهاية تصبح إعلانًا عن استمرار الحياة بعد أن ظن الموت أنه قطعها. غير أن الطرق على الباب يعود مرة أخرى، ليقول إن الاستبداد لا يموت بمجرد أن يستيقظ ضمير واحد.المفارقة الكبرى: هل يمكن للإنسان أن ينتصر على النظام؟هنا تكمن قوة النهاية. طارق لا يصبح بطلًا منتصرًا بالمعنى التقليدي؛ فالآلة لم تتوقف. في الصباح الجديد يبدو الجميع أكثر إنسانية، لكنه صباح هش. ثم يأتي الطرق نفسه الذي افتتح الكابوس، ويأتي قاتل جديد معلنًا أنه مكلف باغتيال طارق وسليمان معًا.إنها نهاية ترفض الوهم الساذج بأن سقوط القناع يسقط النظام. فالاستبداد ليس شخصًا واحدًا حتى يموت بموته؛ إنه بنية تستطيع أن تستبدل طارق بآخر، والساعة بساعة، والقاتل بقاتل.ولهذا فإن السؤال الأكثر عمقًا في المسرحية ليس: هل سينجو سليمان وطارق؟ وإنما: كم مرة يستطيع الإنسان أن يستعيد إنسانيته قبل أن تأتي الآلة لتعيد تشكيله؟وهنا ينجح محمد الروبي في أن يجعل السياسة خلفية لسؤال وجودي أوسع: ماذا يبقى من الإنسان حين يُسلب منه حق الاختيار؟ والإجابة التي يقترحها النص ليست في الثورة وحدها، ولا في الهرب، ولا في المقاومة المسلحة؛ وإنما في القدرة على أن تقول: «لا» حين يريد منك العالم أن تتحول إلى «نعم» آلية.إن «الطارق» في جوهرها ليست مسرحية عن قاتل وضحية، بل عن ضمير يطرق باب الإنسان من الداخل. طارق يطرق باب سليمان ليقتله، لكنه في الحقيقة يطرق باب نفسه ليستعيدها. وسليمان الذي ينتظر الموت، يكتشف أن كلماته التي ظنها ماتت قد عبرت الحدود والزمن ووصلت إلى قلب قاتله.وربما لهذا يبدو الطرق الأخير أكثر رعبًا من الأول؛ لأننا أصبحنا نعرف الآن أن الإنسان يستطيع أن يستيقظ، لكننا نعرف أيضًا أن السلطة لا تنام.وهنا يتركنا الروبي أمام الحقيقة الأكثر قسوة وجمالًا: المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والرصاصة، وإنما بين الإنسان وبين اللحظة التي يقبل فيها أن يصبح الرصاصة.محيي الدين إبراهيمالقاهرة في 24 أغسطس 2026#محمد الروبي#مجلة ايليت فوتو ارت..


