بقلم زكريا نمر
منذ فجر التاريخ، لم يكن الاستبداد مجرد نظام حكم، بل كان عقلا مغلقا، يخشى السؤال ويعادي الشك ويقدس الطاعة. لم تكن الفلسفة ترفا ذهنيا أو لعبة لغوية، بل كانت دائما فعلا تحرريا، يزعج السلطة حين تدعي امتلاك الحقيقة، ويكشف زيفها حين تتحول إلى اداة قمع. لهذا السبب، كان الصراع بين الفلسفة والاستبداد صراعا وجوديا، لا مؤقتا ولا عارضا.
الاستبداد يخاف الفلسفة لانها لا تقدم يقينا جاهزا، ولا تمنح الشرعية مجانا، بل تفتح الجرح، وتعيد طرح السؤال: لماذا نحكم؟ وكيف نحكم؟ ولصالح من؟ الاستبداد لا يقوم فقط على العنف المادي، بل على بنية فكرية مغلقة. انه نظام يحتاج الى تحويل السلطة الى قدر، والحاكم الى رمز، والخطا الى خيانة. في هذا السياق، يتم تجريم السؤال، لان السؤال يهدد البنية الرمزية التي يقوم عليها الحكم.الطاغية لا يطلب فقط الطاعة، بل يطلب الايمان. يريد من المجتمع ان يصدق ان الواقع لا يمكن ان يكون افضل، وان البديل هو الفوضى، وان الخضوع هو الحكمة. وهنا تتدخل الفلسفة بوصفها قوة هدم ناعمة، لا تحمل سلاحا، لكنها تفكك الاسطورة من الداخل.
الفلسفة في جوهرها ليست اجوبة، بل اسئلة. سقراط لم يقدم برنامجا سياسيا، لكنه علم الناس كيف يفكرون، ولهذا حكم عليه بالموت. ليس لانه دعا الى انقلاب، بل لانه كسر احتكار الحقيقة.الشك الفلسفي لا يعني الهدم من اجل الهدم، بل يعني رفض التسليم الاعمى. الاستبداد يعيش على المسلمات: الامة واحدة، القائد منقذ، المعارض خائن. والفلسفة تبدا دائما من زعزعة هذه المسلمات، وتسأل: من قال؟ ولماذا؟ وباي حق؟ لا يمكن للفلسفة ان تزدهر في بيئة الخوف، ولا يمكن للحرية ان تستمر دون تفكير نقدي. الفلسفة تعلم الانسان ان يكون مواطنا لا تابعا، وان يرى نفسه كذات عاقلة لا كاداة في يد السلطة.الحرية ليست شعارا سياسيا فقط، بل قدرة على التفكير المستقل. ولهذا فان اول ما يفعله الاستبداد هو تدمير التعليم النقدي، وتدجين الثقافة، وتحويل الجامعة الى مؤسسة تلقين، لا فضاء نقاش. الاستبداد لا يأتي دائما بوجه عسكري. احيانا يأتي متخفيا في ايديولوجيا، دينية كانت او قومية او ثورية. حين تتحول الفكرة الى مقدس، وتمنع مساءلتها، فانها تفقد بعدها التحرري وتتحول الى اداة قمع.الفلسفة تقف ضد كل فكر يدعي امتلاك الحقيقة النهائية. لانها تعلمنا ان الحقيقة عملية، تاريخية، قابلة للنقد والتصحيح. وكل نظام يرفض هذا المبدأ، هو نظام يخاف المستقبل. عبر التاريخ، كان مصير الفلاسفة غالبا النفي او السجن او القتل. من سقراط الى سبينوزا، ومن ابن رشد الى غرامشي. لم يكن ذنبهم انهم حملوا السلاح، بل انهم فكروا بصوت عال.والفيلسوف الحقيقي لا يقف مع السلطة ولا ضدها بشكل اعمى، بل يقف مع الحقيقة والانسان. وهذا ما يجعل وجوده خطرا دائما على اي نظام شمولي، لانه يذكر الناس بان السلطة وسيلة لا غاية.في مجتمعاتنا اليوم، لا يزال الاستبداد يعادي الفلسفة، ويعتبرها ترفا او تهديدا. يتم تهميش التفكير النقدي، وتقديم الخطاب العاطفي والشعاراتي بديلا عن العقل. لكن الحاجة الى الفلسفة اليوم اشد من اي وقت مضى. ليس لتفسير العالم فقط، بل لحماية الانسان من التحول الى قطيع، ومن قبول القمع باسم الاستقرار او الهوية او الدين.
والفلسفة ليست بديلا عن النضال السياسي، لكنها شرطه الاخلاقي والعقلي. انها تذكرنا بان الاستبداد يبدا في العقل قبل ان يتحول الى نظام، وان التحرر الحقيقي يبدا من السؤال.ولهذا ستبقى الفلسفة دائما ضد الاستبداد، لا لانها تقدم حلولا جاهزة، بل لانها ترفض ان يعيش الانسان بلا كرامة فكرية. ففي عالم بلا فلسفة، يصبح الاستبداد طبيعيا، اما في عالم يسكنه السؤال، فلا مكان للطغيان.


