مرتفعات وذرينغ: ما قصة الرواية التي لا تزال تثير الجدل رغم مرور 179 عاماً على نشرها؟
Article Information
• Author,مولي غورمان
• Role,بي بي سي
نُشرت رواية “مرتفعات وذرينغ”، للروائية البريطانية إيميلي برونتي، في منتصف القرن التاسع عشر، واستحوذت الرواية، التي جمعت بين الحب العنيف وشراسة الانتقام، منذ ذلك الوقت على اهتمام القراء، كما أحدثت جدلاً بين النقاد.
نشرت الكاتبة برونتي روايتها في البداية تحت اسم مستعار هو “إليس بيل”، وقوبل العمل بردود فعل متباينة عندما صدر أول مرة عام 1847، إذ شن بعض النقاد هجوماً لاذعاً على الرواية، ورفضوا ما اعتبروه بمثابة “قسوة وحشية” وتصوير لـ “حب شبه همجي”، في المقابل، أشاد آخرون بما تحمله رواية برونتي من “قوة وذكاء فني”، ووصفوا رسم شخصياتها بالـ “قوي والصادق”، بينما اكتفى كثيرون بوصف الرواية بـ “غريبة الأطوار”.
وعلى الرغم من رواج الأدب القوطي في تلك الفترة، تبدو صدمة قراء القرن التاسع عشر من تلك الرواية مفهومة، نظراً لصرامة المعايير الأخلاقية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
وتقول كلير أوكالاهان، أستاذة الأدب الفيكتوري بجامعة لوفبرا في المملكة المتحدة ومؤلفة كتاب “إعادة تقييم إيميلي برونتي”: “لم يعرف الناس كيف يتعاملون مع هذا العمل، نظرا لافتقاره لمنظور أخلاقي محدد”.
وبعد ثلاثة أعوام على نشر الرواية، كشفت الروائية شارلوت برونتي عن الهوية الحقيقية لمؤلفة مرتفعات وذرينغ، وأكدت أن “إليس بيل” لم يكن رجلاً، بل اسم مستعار لشقيقتها الصغرى إيميلي برونتي.
إعلان
وقالت شارلوت إن النقاد لم ينصفوا رواية إيميلي، ولفتت إلى أن “القدرات الحقيقية، غير مكتملة النضج، التي كشفت عنها مرتفعات وذرينغ، لم تحظ بالتقدير الكافي، وأُسيء فهم جوهر القصة وطبيعتها”.
صدر الصورة،Getty Images
التعليق على الصورة،قوبلت رواية إيميلي برونتي “مرتفعات ويذرينغ” بانتقادات بعد نشرها عام 1847
وبوصفها رواية من الأدب القوطي تدور أحداثها في محيط عائلتين في سهول يورك شاير القاحلة، أصبحت مرتفعات وذرينغ لاحقاً عملاً كلاسيكياً مؤسساً لنوع أدبي خاص، وعلى الرغم من ذلك، لا تزال كلمات شارلوت برونتي تجد صداها حتى اليوم.
وتستعد إميرالد فينيل، مخرجة فيلم “سولتبيرن”، لطرح رؤيتها الخاصة لرواية مرتفعات وذرينغ، من خلال فيلمها الجديد الذي يُعرض في 13 فبراير/شباط الجاري، بطولة الممثلة الأسترالية مارغوت روبي (في دور كاثرين إيرنشو)، والممثل الأسترالي جاكوب إيلوردي (في دور هيثكليف).
وأثار الفيلم، قبل طرحه في دور العرض، حالة من الجدل، فمن خلال الإعلان الترويجي للفيلم أثيرت انتقادات طالت سن بطلي العمل وأصولهما، فضلاً عن مشاهد وصفت بأنها مليئة بالإيحاءات الجنسية، وكذا الأزياء التي وُصفت بأنها غير دقيقة تاريخياً.
وكانت فينيل قد أضافت علاماتي الاقتباس إلى عنوان فيلمها، مؤكدة أنها لا تقدم اقتباساً مباشراً للرواية، بقدر ما تقدم رؤيتها الخاصة، وبررت ذلك بأن القصة “شديدة الكثافة ومعقّدة وصعبة المعالجة”، فهل مخرجة العمل على حق في ذلك؟
وهنا يبرز سؤال لماذا ظلّت هذه الرواية “الغريبة” والجذابة في ذات الوقت، منذ صدورها، موضع حيرة وإرباك لدى القراء والمعجبين والنقاد على حد سواء؟
قصة حب عنيف وانتقام

بأي تأنيب للضمير، وترى أوكالاهان أن امتناع إيميلي برونتي عن تصحيح أخطائه، وتركه يموت من غير عقاب إضافي، لا يهدف إلى تبرئته، بل إلى طرح أسئلة أكثر تعقيداً مثل: ما هو الحب؟ وهل ينجح نظام الزواج؟ وما الحدود القصوى للعنف؟
هذا هو الإرث المعقد للرواية، وتقول أوكالاهان: “تميل الثقافة الشعبية إلى اختزال الرواية في كونها قصة حب عظيمة، لكن عندما يطالعها القراء للمرة الأولى، يصيبهم نوع من الانزعاج، لأن العمل مختلف تماماً، ولا يزال يحتفظ بقدرته على الصدمة، وأعتقد أننا، مثل أبناء العصر الفيكتوري، ما زلنا نكافح لتحديد ماهيته وكيفية التعامل معه”.

كما يُساء فهم الرواية واعتبارها قاتمة على نحو متواصل، في حين أنها تكون في بعض لحظاتها طريفة إلى حد ملحوظ، فنيلي وزيلا، الخادمتان، معروفتان بولعهما بالنميمة، ولينتون هيثكليف طفل كئيب، ضعيف البنية ومدلل، يستفز القارئ، أما الخادم جوزيف، فعندما تُفهم كلماته عبر لهجته الثقيلة التي يتحدثها بها سكان يورك شاير، يبدو ساخراً لاذعاً، ولا يكاد ينطق بشيء جيد، وحين تمرض كاثرين بعد بحثها عن هيثكليف تحت المطر، يعلّق بسخرية: “تجري وراء الصبية، كالعادة؟”.
كما تحمل شخصية لوكوود نزعة متعالية تنطوي على بعض الطرافة، وتقول أوكالاهان: “يبدو كأنه شخصية من رواية لجين أوستن وجدت نفسها فجأة داخل عالم برونتي، وهو أمر أراه مثيراً للضحك”.
وتضيف: “إذا قُرئت الرواية بوصفها، إلى حد ما، نوعاً من السخرية القوطية، فإنها تتحول إلى عمل مختلف تماماً، لكن الناس يتعاملون معها بجدية مفرطة، أليس كذلك؟ فهم مقتنعون تماماً بأن هذه شخصيات حقيقية، لا نماذج من شخصيات قوطية مبالغ في رسمها”.
لم تعش إيميلي برونتي لترى نجاح روايتها الوحيدة، لكننا نعلم أنها طالعت أولى المراجعات، ويُعرض مكتبها الذي كانت تكتب عليه روايتها في متحف برونتي في هاورث، ويضم خمسة مقاطع من مراجعات مرتفعات وذرينغ، والتي كانت أغلبها سلبية، وتوفيت عن عمر ناهز 30 عاماً بسبب مرض السل، بعد نحو عام من نشر الرواية، تاركة وراءها تحفة أدبية.
وسواء كنت من المعجبين المتحمسين بشخصيات برونتي المليئة بالعيوب، أو من بين منتقديها، فإن الحبكة المثيرة للاضطراب والرومانسية القاسية بمثابة عاملين منحا مرتفعات وذرينغ جمهورها عبر تاريخها، ويمكن القول إن الرواية “أدخلتنا في حالة جنون”.
ومن المؤكد أن تفسير فينيل، الذي تطرحه في فيلمها، لن يكون الأخير، ورغم ذلك، يبقى السؤال عما إذا كان بإمكان أي شخص أن يقدم هذا الكتاب على الشاشة بشكل لائق أم لا.
ولعلنا نتفق على الأقل مع ناقد مجهول، كتب مراجعة للرواية في يناير/كانون الثاني عام 1848: “يستحيل أن تبدأ قراءتها دون أن تكملها، ويستحيل أيضاً أن تضعها جانباً دون أن تعلق عليها”.


