دراماتورجيا اللوحة” كيف يبني الفنان البصري صراعه فوق المسطح
من أعمال فؤاد مغربل
فنون بصرية إعداد- احمد الغنام
كأحد أهم المصطلحات تعقيداً وأهمية في مجال المسرح المعاصر، ارتبطت الدراماتورجيا بكيفية بناء القصة “وتشفير”الواقع وتحويله لنسق درامي عبر تماسك الجزئيات مثل (الحبكة كخريطة جينية للعمل-والشخصيات ذات التطور النفسي المنسجم مع منطق العالم الذي تعيش فيه-والصراع كجوهر للدراما قادر على إحداث تأثير وجداني يخصب الحالة الشعورية للعمل).
ففي جوهر “الفلسفة الإنشائية”للعمل وعبر التحول من “الساكن”إلى “المتحرك” تأتي “الدراماتورجيا” كمصطلح ليعني “صناعة الدراما” “وفنيات التجسيد المسرحي”والجسر الذي يعبر عليه النص من كونه “مادة خام”وتصور أولي لينمو ويصبح “عرضاً حياً”ينبض بالنزاع والصيرورة-أي تحويل “ماذا يقال”إلى “كيف يُجسد”(التجسيد البصري) عبر هندسة فكرية تتجاوز منطق رص الأحداث، لصالح تقنية تضمن انجراف الصراع والحوار لتأطير البناء الكلي دون تشتت، هذه العملية هي التي تحول “الفكرة الذهنية”إلى “تكوين بصري”يحمل نفس الثقل الدرامي.
التفكير “الدراماتورجي” وحيوية الفن البصري
اشتقت الدراماتورجيا “Dramaturgy” كمصطلح يوناني من مقطعين هما “الدراما” “أي الحدث أو الفعل”- “تورجيا”أي “الصناعة أو العمل “، لتعني بذلك “صناعة الدراما”أو “فن تركيب المسرحية “-ومع تطور فن المسرح، انتقل المصطلح من “صناعة النص” “لصناعة العرض”وعدم الاقتصار على الكلمات، ليتضمن تكييف النص وتحويل التصور والنص إلى عرض بصري سمعي، والربط بين الرؤية وتوقعات الجمهور، وطرق تكامل “عناصر سينوجرافيا تشكيل الفضاء المسرحي “، وترابطها بصريا وسمعيا مثل (الديكور، والجدران، والمنصات، والستائر-والإضاءة التي تشكل المهابة وتجسد الحالات الشعورية وتوجيه عين المشاهد للتركيز على مناطق محددة-والموسيقي والمؤثرات الصوتية) والتي تعمق “جو”الفضاء المسرحي والانغماس فيه، وخلق عالم متكامل يخدم الرؤية وابتداع رسالة موحدة.
وتتمثل “الدراماتورجيا “في الفن البصري بقدرة الفنان على لعب دور “المخرج “الذي يحول المسطح ثنائي الأبعاد إلى سينتوجرافيا مسرحية وفناء تتوالد عليه العناصر البصرية خلال لقطة واحدة مكثفة متجمدة في الزمن يبني فيها الفنان البصري صراعه فوق المسطح، اعتمادا على أدوات بناء الصراع (مفردات الحبكة البصرية) مثل “الفيزياء البصرية “(إدارة الكتلة، الفراغ، والطاقة) حيث الوزن البصري للألوان والمساحات والقيم الملمسية وثقلها البصري الذي يعادل أو يتغلب على مساحات من الفراغ، وقدرات “الكتلة “ديناميا عبر تمددها أو انكماشها لإثبات الحضور وسط ضغط “الفراغ “المحيط بها وإدارة الصراع بين العناصر كرسالة وجودية-هذا الي جانب خلق مسارات توتر خفية عبر تقاطع الزوايا الحادة، أو اتجاه حركة الشخوص، وإيماءات الأيدي، بما يشكل خريطة بصرية تحرك عين المشاهد خلالها، بما يخلق حركية درامية ديمومة.
ويتعاظم دور “التشفير النفسي “أو “كيمياء الانفعال واللاوعي “والتي تبلغ ذروة تأثيرها عندما يلجأ الفنان للتبسيط واختزال العناصر، وشحن اللوحة بالتفاصيل والرموز المعقدة، ودراماتورجيا الملمس والأداء وضربات الفرشاة العنيفة والمتقطعة والتي تشفر إحساساً بالصراع، الغضب، العبث.في مقابل تلك الأسطح الملساء المصقولة والتي تشفر السكون، الأبدية، العزلة-وكذلك رنين اللون وحرارته وتجاور الألوان المتباينة بدرجات صارخة والتي تخلق صريراً بصرياً يترجم في النفس حالات وتبني مونولوجاً داخليا مفعما لشحنات عاطفية تلامس وجدانية المتلقي مباشرة، دون المرور بحاجز اللغة.
“اللوحة كعرض مسرحي” فنيات
التجسيد الدرامي في الفنون البصرية:
ولتطبيق هذا المفهوم الدراماتورجي على أعمال الفنان ينبغي النظر للوحة) “ليس كجماد”وإنما “كعرض مسرحي متكامل تجري أحداثه داخل حدود الإطار-وأن اللوحة لاتُقرأ في لحظة واحدة، بل تنكشف عبر زمن من التأمل يتحول فيه المسطح الأبيض من مجرد “مساحة””لساحة””وخشبة مسرح “تتم عليها أحداث درامية صاخبة، عبر تحويل “ماذا يقال “إلى “كيف يُجسد “بلغة بصرية) عبر أولاً: توزيع الأدوار وتحديد الفنان “لنقطة التركيز “لتكون هي البطل المطلق للعمل، وتتبعه بقية العناصر من شخصيات ثانوية وكومبارس، لتوجيه عين المشاهد قسراً نحو هذه النقطة باستخدام تلاقي الخطوط، أو شدة التباين اللوني أو اتجاه نظرات الشخوص داخل العمل-وثانيا التحوير والتعبير النفسي لتعزيز الشحنة الدرامية، وخلق دراما نفسية حادة-وثالثاً اختيار “اللحظة الحاملة””كلحظة تتكثف فيها كل طاقة الحدث، مما يترك للمشاهد “كمتلقٍ نشط “مدعو لتخيل ما حدث قبل هذه اللحظة وما سيحدث بعدها.
دراماتورجيا الخط واللون: تجسيد
الرؤية الداخلية في قوالب بصرية حية:
تطرح “دراماتورجيا اللوحة “مقاربات نقدية وفلسفية عميقة يتحرر اللون فيها من مجرد صبغة الي شخصية درامية “وبطل “يصارع أجواره اللونية، فهو الممثل الأكثر تأثيراً، والموسيقى التصويرية التي تسبق الحدث، والإضاءة المسرحية التي توجه عين المشاهد وتتلاعب بأحاسيسه، والكيان النابض بالانفعال داخل هذا الهيكل، وفوق المسطح من خلال أليات وحوار الاشتباك والصراع اللوني مع أجواره، وصيرورة ضربات الفرشاة الخشنة أو الطبقات اللونية المتعددة، ليسقط عن اللون بذلك دور “الصفة “التي تُطلى بها الأشياء وتمييزها، لصالح ارتقاء ليصبح “اسماً “وكياناً فاعلاً يمتلك الإرادة والتاريخ.
وذلك عبر فلسفة، لاتصبح اللوحة فيها “تسجيل لمشهد “بل “أثراً “لمعركة دارت رحاها فعلياً، ويترك اللون ندوبه واشتباكاته في كل طبقة خشنة تقاوم الانسجام السطحي البارد-فعندما يتدخل الفنان بضربات الفرشاة الخشنة أو تراكم الطبقات اللونية المتعددة، ليخرج اللون من حيزه البصري المسطح ويكتسي “كتلة “فيزيائية ملموسة، حيث تندفع الألوان الساخنة نحو المشاهد في هجوم بصري صريح، بينما تتراجع فيه الألوان الباردة لتمارس دور المراقب أو الفخ الذي يبتلع الضوء، وخلق توتر بصري يحاكي تماماً ذروة الصراع في الدراما المسرحية.
وإذا كان “الصراع “في العمل المسرحي يتوزع بين الشخصيات، فإنه يتكاثر في اللوحة من العناصر “الخطوط والألوان “لتفتيت ركود العمل وجعله ينبض بالصيرورة، “والهندسة الفكرية “والاتزان الدرامي في كيفيات توزيع العناصر والمساحات والكتل داخل الفراغ وحركية الخطوط المستقيمة والمتقاطعة أو المنحنية المنسابة، وتضاد الكتل والتفاعل بين الكتل الضخمة والصغيرة، وتوزيع للأدوار والمهام التي تعززها الإضاءة البصرية التي لاتنير الأشكال، بل الفعل الدراماتورجي الذي يحدد مراكز الثقل-لخلق حالة من “التوتر “أو “الاستقرار “.
التفكير الدراماتورجي ورسالة الفنان للعالم:
يأتي التفكير الدراماتورجي كجسر العبور من ضفة “المهارة التقنية “لضفة “الرسالة الكونية “، وموقف فكري يكف فيه الفنان عن كونه “ناقلاً “للواقع، والانتقال “لمخرج الصراع فوق المسطح “وصياغة رسالته للعالم لا كخطابة مباشرة، بل كتصريح بصري يلامس الحقائق، وبوح لايأتي عبر هدوء وانما اشتباك بين “الكتل “التي تمثل الإنسان “والفراغ “الذي يمثل العدم، ليخلق بذلك “طبيعة موازية “تعبر عن رؤيته العميقة، يصبح فيها اللون صرخة، والفراغ فلسفة، والعمل ميداناً لاتنتهي فيه التساؤلات.
فالفنان عندما يتعامل مع لوحته دراماتورجيا، فإنه لا يقدم عمل بصري فحسب، بل يصيغ بيان فكري يتجاوز حدود اللغة والزمن والجغرافيا-لتسطير رسالة مقاومة “للنسيان “عبر “تجميد اللحظة “ومقاومة التسطيح””وتعميق الصراع “كمحاولة لتحويل المسطح الصامت لفناء تتصارع عليه الوحدات، ليبقى العمل نابضاً بالحياة صالحاً للقراءة محفزا لقدرات التأويل والتأمل، بوصفه وثيقة بصرية عن صراعات النفس والروح، ويصير الفنان بهذا المعني “مخرجاً لوعي المشاهد “.
فاللوحة هي “النص الفلسفي “الذي لاينتهي عرضه بانتهاء النظر إليه-وهي “سؤال “وليس “إجابة “من خلال هندسة التوتر واللقطة المكثفة المتجمدة في الزمن-ودعوة للتأمل في “جدلية الوجود والعدم-القوة والهشاشة “، بما يحفز المشاهد على اكمال “الحبكة “بخياله، ليتحول الفن لتجربة تشاركية، ينتقل فيها المشاهد من “متلقٍ “إلى “شريك “واجباره علي اتخاذ موقف، وألا يخرج من أمام العمل كما دخل له، بل يخرج محملاً بأسئلة الصراع الذي شاهده-فالفنان الدراماتورجي لايرسم لمشاهد سلبي، بل “لجمهور “يجب أن يشترك في الحالة-والرسالة هنا لكسر الجمود المعرفي لدى المتلقي.
• الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد
1 – من أعمال صفية بن زقر
- الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد
1 من أعمال صفية بن زقر
2 من أعمال عادل حسينون
3 من أعمال سيد قنديل


