«كوكب الشرق» أم «جارة القمر»… مَن هي الأولى؟.. صوتان أشبعا الذاكرة تاريخاً وحضوراً وفناً (2 من 3).

صوتان أشبعا الذاكرة تاريخاً وحضوراً وفناً (2 من 3)
«كوكب الشرق» أم «جارة القمر»… مَن هي الأولى؟

– أحمد العود: فيروز صوت حنون وشجي مع إمكانات محدودة… وأم كلثوم صوت الموسيقى العربية الشرقية
– مصطفى أحمد: صوت فيروز يشبه نافذة تُفتح على صباح مشرق… وصوت أم كلثوم رفيق السهارى وعناق لأشواقهم
– عبدالله القعود: الأمر يرتبط بطبيعة الكلام واللحن
– فهد الناصر: كأنك تقارن بين كرتين أرضيتين
– مدحت العدل: كلثومي الهوى… وأعشق أغاني فيروز
– أنوشكا: كيف أختار بين الشمس والقمر؟
– وائل جسار: صوت أم كلثوم عريض ومتمكن وطربي… بينما صوت فيروز مستعار
– لبنان بعلبكي: فيروز تكسب أم كلثوم لناحية الكلمة أو الألحان الأكثر تنوعاً والقدرة على غناء أنماط مختلفة

بين «كوكب الشرق»، و«جارة القمر»… رحلة طويلة بـ«البوسطة» لأكثر من «ألف ليلة وليلة»، تتوقف على «الأطلال»، وتضيع فيها «أسامينا».

وتوقفت المحطات في كل من الكويت والقاهرة وبيروت، استطلاعاً لآراء نقاد وأكاديميين وموسيقيين وفنانين، في محاولة لإيجاد إجابة لهذا السؤال المحيّر.

في الحلقة السابقة، تنوّعت الآراء في وصف عملاقتي الغناء، لكنها اجتمعت جميعاً على أنه لا يمكن المقارنة بينهما أو تفضيل واحدة على الأخرى. وفي حلقة اليوم، نستكمل الطريق في البحث عن إجابة للسؤال المطروح.

ذوق خاص

تناول بداية الموضوع، المايسترو أحمد العود، الذي رأى أنه لا يمكن المقارنة بين صوتين بشكل عام، عازياً الأمر إلى أنه لكل مستمع ذوقه الخاص، فهناك من يفضل فيروز على أم كلثوم والعكس صحيح». وتابع قائلاً: «أيضاً الأسباب عديدة، منها ارتباط المستمع بذكرى معينة يستذكرها بماضيه، سواء كان حياً أو منطقة أو بلداً أو حالة خاصة مرّ بها، وربما كانت بعض الأغاني ترتبط بأشخاص أو مكان وزمان، ولا سيما أن فيروز صوت حنون وشجي مع أن الإمكانات محدودة، لكنها تَعْذُب الكلمة واللحن أيضاً، خصوصاً مع الأخوين الرحباني».

ومضى العود «فيروز جلّدت موسوعة من الأغاني وارتبطت بأرض الطبيعة والحالة اليومية التي يعيشها الإنسان اللبناني البسيط، فأصبحت أيقونة لبنان».

وفي ما يتعلّق بأم كلثوم، قال: «كوكب الشرق مرّت بمراحل كثيرة، ولو تكلمنا عنها نحتاج موسوعة مطولة، بوصفها ابنةً للشيخ إبراهيم البلتاجي الذي كان إماماً ومؤذناً، ونعرف أن المؤذنين والأئمة يدرسون تعاليم القراءة وتجويد القرآن، وكذلك دراسة المقامات الموسيقية، حيث إن أم كلثوم اكتسبت كل هذه المعرفة من والدها، ومنها الإنشاد الديني».

وأكمل: «لذا، كان أساس أم كلثوم صلباً جداً مع موهبة الإمكانات التي ساعدتها في أن تتربع كسيدة، عرش الغناء العربي، إذ تمتلك صوتاً قوياً ومخارج حروف رزينة، وإمكانات لا مثيل لها»..

واسترسل «كان الملحنون والكتّاب يتنافسون في ما بينهم لقبول أم كلثوم كلماتهم وألحانهم، فهي صوت الموسيقى العربية الشرقية. فَمِن وجهة نظري، أميل إلى أم كلثوم، خصوصاً أنها برزت في سن مبكرة».
ليست سهلة
من جانبه، أكّد الفنان القدير مصطفى أحمد أن لكل من فيروز وأم كلثوم سحرها الخاص وحضورها المختلف، ففيروز ترتبط في وجدانه بالصباح، كعصفورة تستيقظ مع أول خيوط الفجر، وتصدح بأغاريدها فتملأ المكان دفئاً ومحبة وسلاماً، وتمنح المستمع إحساساً بأن يوماً جديداً يولد حاملاً معه الأمل والصفاء والجمال.
وأضاف أن «صوت فيروز يشبه نافذة تُفتح على صباح مشرق، تتسلّل منها أشعة الشمس برفق، فتوقظ في النفس ذكريات جميلة ومشاعر لا تخلو من البهجة، فيما يأتي صوت أم كلثوم في المساء، ليكون رفيق السهارى وعناقاً لأشواقهم، يأخذهم إلى فضاءات الذكريات، ويوقظ في داخلهم حكايات الحب والحنين».
وأوضح أن المقارنة بينهما ليست سهلة، لأن لكل واحدة منهما عالمها الموسيقي والوجداني الخاص، ولكل صوت منهما مفتاح مختلف يفتح أبواب القلب. ففيروز هي نغمة الصباح حين تكون الحياة في بدايتها، وأم كلثوم هي سهر الليالي حين تهدأ الأصوات ولا يبقى سوى الموسيقى والذكرى.
صعوبة المقارنة
بدوره، لم يُخفِ الملحن عبدالله القعود صعوبة المقارنة بين صوتي فيروز وأم كلثوم، مؤكداً أن الأمر يرتبط بطبيعة الكلام واللحن، وبمدى قرب الأغنية من وجدان المستمع، بعيداً عن اسم الصوت الذي يؤديها.
وأوضح القعود أن تفضيله الاستماع إلى أغنية معينة لأم كلثوم على أخرى لفيروز لا يعني بالضرورة تفضيل إحداهما على الأخرى، قائلاً: «حين أحب الاستماع إلى أغنية معينة لأم كلثوم وأفضلها على أغانٍ معينة لفيروز، فهذا لا يعني أنني أفضل إحداهما على الأخرى، بل إنني أحب الاثنتين، خصوصاً أننا تربينا على صوتيهما».
مقارنة ظالمة
من جهته، قال الملحن فهد الناصر «بالنسبة إليّ، أرى أن المقارنة بين أم كلثوم وفيروز تعتبر ظالمة، لأن كلتيهما قدمتا فناً قيماً وزخماً وكماً كبيراً من النجاحات والنهج الموسيقي العربي، والأمر كأنك تقارن ما بين كرتين أرضيتين ببعضهما البعض».
وأوضح أن لكل واحدة منهما طبيعتها الفنية الخاصة، قائلاً: «فيروز هي الأغنية الصغيرة المليئة بالموسيقى، وأم كلثوم هي الأغنية المطوّلة المليئة بالموسيقى، لذلك كلتاهما جرعات غزيرة للمستمع العربي».
وأكّد الناصر أن تأثير الفنانتين لم يتوقف عند عصرهما، بل لا يزال حاضراً حتى اليوم، موضحاً: «إلى اليوم نستمع لهما بمختلف الأذواق، وكلتاهما ثقافة نعيش ونستلهم عليها إلى اليوم، لهذا هذه المقارنة ظلم لهما».
الاثنتان أساطير
وفي مصر، قال الشاعر والكاتب ورئيس جمعية المؤلفين والملحنين المصريين الدكتور مدحت العدل، «الاثنتان بالنسبة إليّ أساطير، وعندما أكتب في الصباح أحب أن أسمع صوت فيروز، وفي الليل أم كلثوم، ونضيف عليهما عبدالحليم حافظ».
وأضاف «أرى أن سر استمرارية الأسطورتين هو الإتقان والاهتمام بكل التفاصيل، فدائماً نجاح الفنان واستمراريته يكون فيه 40 في المئة موهبة و60 في المئة ماذا فعل بهذه الموهبة».
وأردف «لو تحدثنا عن فيروز، سنجد أنها تجربة مكتملة مع الرحبانية ومع زياد الرحباني واستمراريتها كانت مرتبطة بهم أيضاً، والأمر نفسه مع أم كلثوم، فهي تجربة مكتملة بكل الشعراء والملحنين الذين تعاونت معهم واستمرت بهم عبر مشوارها الطويل بداية من القصبجي حتى بليغ حمدي وسيد مكاوي».
واعتبر أن «التفضيل، يتوقف على حسب المزاج الذي تستمع فيه إلى هذه الأغاني، خصوصاً أن الذوقين مختلفان تماماً. وبالنسبة إليّ، قد أكون كلثومي الهوى، لكن ليس طوال الوقت، ففي كثير من الأوقات أحب أن أسمع فيروز أكثر».
وأضاف: «لو نظرنا لتاريخ كوكب الشرق سنجد أن لكل مرحلة جمالها، فمثلاً المرحلة الأولى المتمثلة في المعجزة الصوتية التي غنت فيها أغاني مثل (إن كنت أسامح) و(النوم يداعب عيون حبيبي)، ثم فترة النضج الفني في الكلمة واللحن والتي بدأت مع الأربعينات وحتى منتصف الستينات من القرن الماضي، والتي أبدع فيها أحمد رامي والقصبجي والسنباطي وزكريا أحمد وبيرم التونسي، حيث قدمت أغاني مهمة مثل (جددت حبك ليه) و(رق الحبيب) و(رباعيات الخيام) و(أنا في انتظارك) و(سلو قلبي) و(هو صحيح الهوى غلاب) و(مصر التي في خاطري) وغيرها من عشرات الأغاني والقصائد. وفي رأيي أن فترة الأربعينات والخمسينات هي قمة عطاء أم كلثوم على المستويات كافة، والتي ختمتها بأهم قصيدة تم غناؤها في تاريخ الشعب المصري والعربي وهي (الأطلال)».
وقال العدل «على جانب آخر، لا نستطيع أن ننكر أن موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب عندما تعاون مع أم كلثوم، أتى لها بجمهور جديد من الشباب، والحال نفسها لأغانيها مع بليغ حمدي، التي تعتبر أكثر الأغاني التي تحقق أداء علنياً لصناعها حتي يومنا هذا في جمعية المؤلفين والملحنين التي أترأس إدارتها بسبب إقبال الشباب عليها بشكل خاص».
حنين لزمن الأبيض والأسود
«كيف أختار بين الشمس والقمر؟»… هكذا رفضت المطربة المصرية أنوشكا فكرة تفضيل صوت أم كلثوم على فيروز والعكس، حيث تستمع لكلتيهما وترى فيهما زمناً كانت تتمنى أن تعيش فيه، وهذا ليس على مستوى الغناء فقط، ولكن أيضاً على مستوى الرقي والشياكة والأخلاق والجمال.
وقالت «دائماً لدي حنين لزمن الأبيض والأسود بكل ما يحتويه من جمال، وعندما أستمع لأغنية من أغاني أم كلثوم وفيروز، أعود معهما لزمنهما الذي تمنيت أن أعيش فيه».
وأشارت أنوشكا إلى أن كل مطرب يمتلك مساحة صوتية معينة تجعله يغني لوناً معيناً، فصوتي مساحته الصوتية تناسبه أغاني فيروز أكثر من أغاني أم كلثوم، لأنها بعيدة عن الربع تون، لذلك أغني لفيروز في الحفلات، وأتعلم في كل مرة أغني فيها لفيروز، كما أحب بشغف أغاني أم كلثوم.
صوت من الرأس
ومن لبنان، يبدأ الفنان وائل جسار بتوصيف الصوتين، ويرى أن صوت أم كلثوم عريض ومتمكن وطربي وطروب، بينما صوت فيروز مستعار. كما يعتبر أنهما أهم صوتين، ويصعب تفضيل أحدهما على الآخر. لكل واحدة منهما لونها وطريقة الغناء الخاصة بها.
ويتعمق جسار أكثر ويتابع «من يفهم في الفن، يعرف ماذا أعني بـ(الصوت المستعار)، أي إنها تغني من رأسها، لا من حنجرتها، والصوت من الرأس مهم جداً، لأن الاعتماد على الغناء بالحنجرة يتعب الصوت ويبحّ بسرعة. حتى أم كلثوم تغني من رأسها، وقد عرفت كيف تفعل ذلك أيضاً. لكنني، عندما قلت إن أم كلثوم صوت عريض ومتمكن وطربي وطروب، فهذا لا يعني أن صوتها ليس من الرأس أيضاً، بل صوتها من الرأس أيضاً، ولكنني أحببت أن أميز بينهما لأننا لا نستطيع أن نقول إنهما متشابهتان».
الحالتان عمل فني متكامل
من ناحيته، يبدو المايسترو لبنان بعلبكي أكثر دقة في التحدث عن فيروز وأم كلثوم انطلاقاً من خلفيته الموسيقية العميقة والعريقة، إذ يقول «أتعامل مع الحالتين كعمل فني متكامل، ولا يمكنني أن أفصل الصوت عن نوع الأغاني، نمط التوزيع، نمط الأداء، ونمط الإنتاج الموسيقي المتكامل. ومن هذه الناحية، تكسب فيروز عندي أكثر بكثير من أم كلثوم، سواء من ناحية الكلمة أو الألحان الأكثر تنوعاً، والقدرة على غناء أنواع وأنماط مختلفة، بينما غنت أم كلثوم نمطاً واحداً تقريباً طوال حياتها».
وأضاف «وبالنسبة إلى الإنتاج الموسيقي والتوزيع، فإنه كان متقدماً أكثر عند فيروز، بينما عند أم كلثوم كان شبه منعدم، باستثناء بعض الأغاني التي سُجّلت في الاستوديو، والتي لحّنها محمد عبدالوهاب، كما أن الإنتاج الموسيقي عند فيروز كان بمستوى متقدم جداً من ناحية التسجيل والاستوديو والعازفين».
اختلاف الأثر
اعتبر مصطفى أحمد أن جمال فيروز وأم كلثوم لا يكمن في المفاضلة بينهما، بل في اختلاف الأثر الذي تتركه كل واحدة في وجدان المستمع، «فهناك أصوات ترافقنا حين نبدأ يومنا، وأخرى نبحث عنها حين يطول الليل، وبين الصباح والمساء تبقى الموسيقى قادرة على أن تمنحنا ما لا تستطيع الكلمات وحدها قوله».
طبيعتان خلابتان
لفت فهد الناصر إلى أن أم كلثوم وفيروز تمثلان «طبيعتين خلابتين في التغذية الموسيقية منذ العصر الماضي إلى يومنا الحالي»، مؤكداً أنه لا يرى مجالاً للحديث عن واحدة منهما باعتبارها الأفضل، لأن لكل منهما مكانتها وقيمتها الفنية.
سر الاستمرارية
قال مدحت العدل إن «فيروز وأم كلثوم تعرفان جيداً قيمة كل شيء في حياتهما، وهذا ليس فقط على المستوى الفني، ولكن على المستوى العام وحياتهما الخاصة، وهذا سر استمراريتهما».
مبالغات
يرى لبنان بعلبكي أن هناك بعض المبالغات في ما يخص صوت أم كلثوم والطبقات «طبعاً صوتها تاريخي، وفيروز صوت تاريخي أيضاً، ولكن في اتجاهين مختلفين. يعني لو وُلدت أم كلثوم في لبنان، لما صنعت الحالة نفسها، ولو وُلدت فيروز في مصر، لما صنعت الحالة نفسها».
واعتبر أن «أم كلثوم تشبه كثيراً الطرب المصري، ابنة المدرسة المصرية، وفيروز ابنة المدرسة اللبنانية، هكذا هما. وعندما أريد الحديث عن هذه المستويات من الأصوات ومن الفن، لا يمكن أن أقول إن هذا الصوت أجمل من ذاك الصوت، بل يجب أن ندخل التجربة كاملة، لأن تأثيرها كبير جداً».
أعد الملف:
الكويت – علاء محمود وفيصل التركي
القاهرة – سهير عبدالحميد
بيروت – هيام بنوت

أخر المقالات

منكم وإليكم