“جدلية المرآة؛ بين الأمل والقنوط”.
تأملات في واقع تناقضاتنا المعاصرة:
“كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان … كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة … كان عهد الإيمان، وكان عهد الجحود … كان زمن النور، وكان زمن الظلمة … كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط … كان أمامنا كل شيء، ولم يكن أمامنا أي شيء”.
في عام 1859، وفي خِضم العصر الفيكتوري الذي تمتعت فيه إنجلترا باستقرار سياسي وازدهار اقتصادي غير مسبوقين، أصدر الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز روايته التاريخية الخالدة: “قصة مدينتين”. لم تكن الرواية مجرد سرد لأحداث الثورة الفرنسية التي وقعت قبل سبعين عاماً من ذلك التاريخ؛ بل كانت، في جوهرها، تأملاً في طبيعة التحولات العنيفة التي تمس وعي الأمم.
ولم يكتفِ ديكنز بصياغة هذه الرؤية في مقدمته، بل حرص على أن تصل إلى أكبر عدد ممكن من القراء، فنشر روايته تلك على حلقات أسبوعية في دوريته الأدبية: “على مدار العام”، بين أبريل ونوفمبر 1859، ليصل بافتتاحيته الشهيرة إلى جمهورٍ عريض، واضعاً أمامهم مرآة التاريخ التي تعكس تناقضات أي عصر يشهد ولادةً جديدة على أنقاض سابقه.
تلك الافتتاحية، التي ترجمها إلى العربية الأديب عباس محمود العقاد بأسلوبه الفذ، لم تكن وصفاً لفرنسا الثائرة أو إنجلترا الراسخة فقط؛ بل كانت قانوناً في تناقضات الروح الإنسانية كلما واجهت لحظة فارقة. لقد أورد العقاد هذه الترجمة في مقدمة كتابه: “ابن الرومي: حياته من شعره”، مستعيراً إياها لوصف العصر المضطرب الذي عاشه الشاعر، مما يدل على إعجابه بهذا النص، وإدراكه لقدرته على التعبير عن تناقضات الإنسان في كل عصر. فبينما كان ديكنز يكتب عن “أحسن الأزمان وأسوأها” في سياق صراع الطبقات والثورة والدمار، كان العقاد يزرع بذرة سؤالٍ سيظل يلح على كل جيل: “كيف يمكن لعصرٍ واحدٍ أن يحمل كل هذه الأضداد في آنٍ واحد؟”.
المقدمة – المرآة المكسورة:
هذه الافتتاحية، نقرؤها اليوم، في هذا العقد المخملي من القرن الحادي والعشرين، فينتابنا شعورٌ قوي أنها ليست مجرد افتتاحيةٍ لروايةٍ عتيقة، بل هي مرآةٌ رُفِعت أمام وجوهنا لنرى حقيقتنا. لم تكن إنجلترا وفرنسا الثائرة وجهتها؛ بل اتجاهات قلوبنا نحن، العرب، في لحظةٍ جمعتنا فيها الدهشة والحسرة. فكأن ديكنز كان يكتب عن مدننا الشرقية التي تتقاسمها الازدواجية، وينظر إلينا بعين المستقبل وهو يخط تلك المفارقات التي أصبحت، بعد قرنٍ ونصف، تُشكِل ملامحنا اليومية التي لا نُنكِرها ولا نستطيع تغييرها.
ولكن، قبل أن نمضي في تشريح هذا الواقع، لا بد من اعترافٍ موجع: أنا الذي أكتب هذه السطور، وأنا الذي أتأمل في تناقضات أمتي، لستُ فوق هذه المرآة، بل أنا جزء منها؛ فأنا أكتب على شاشةٍ هي جزء من الأدوات التي أنتقدها، وأستخدم لغةً قد تكون هي ذاتها شكلاً جميلاً يخفي فراغاً، وأنا واحدٌ من أولئك الذين يتأرجحون بين آخرتهم ودنياهم، باحثين عن معنى في زمن فقد معناه. هذا الاعتراف ليس تواضعاً، بل شرط من شروط النقد الصادق: “ما من ناظرٍ إلى المرآة إلا وهو يحمل في عينيه من عيوبها ما ينفي براءته منها”.
هذا المقال ليس بحثاً في التاريخ، ولا هو درساً في الأدب المقارن؛ إنه تشريحٌ للحظةٍ راهنة، نفضح فيها كيف أن النِعم تحولت، بفعل تناقضاتنا البنيوية، إلى نِقم، وكيف صرنا الأمة التي تسير على قدمين في اتجاهين متعاكسين، وتحسب أنها تمضي إلى وجهتها.
فيزياء التناقض والعقدة الأم:
ما أشد حاجتنا، ونحن نرقب هذه المرآة، إلى نظارةٍ نرى بها سر هذا التناقض الذي يبدو وكأنه ظاهرة مركبة، لكنه في الحقيقة قانون صارم، أو هو أشدُ إيلاماً من القانون: إنه إدمانٌ على التهاوي.
ما نعيشه اليوم، ليس مجرد تراكمٍ عَرَضِيٍ للتناقضات، بل هو مرض بنيوي يُمكِننا وصفه بهذه البساطة: “أقدامنا تسير بسرعة الضوء، ولكن أرواحنا لا تزال تمشي على قدمين ترتجفان”. لقد حققنا قفزات هائلة في الأدوات (التقنيات، المؤسسات، وسائل الاتصال)، بينما تخلفنا في الغايات (القيم، المعاني، الأهداف الإنسانية العميقة). فالأدوات والوسائل التي أحدثت هذا الفراغ، أعجز ما تكون عن سدِّه.
لكن السؤال الجوهري الذي يتجاهله النقاد السطحيون: “ما هي العقدة الأم التي ينبثق عنها كل هذا التشظي؟”. هذا التناقض ليس عصياً على الكسر، بل هو نتاج تراكماتٍ قابلةٍ للتفكيك، وليس أمراً محتوماً. إنه نتاج لانهيار ثلاثي التشابك؛ سَمِّهِ “الثالوث المهجور”: لقد كانت الأمة العربية في أزهى عصورها تعتمد على مثلث متين من: “الأسرة الحاضنة، والمؤسسة التعليمية الهادفة، والمسجد الجامع”. هذه الكيانات الثلاثة كانت تعمل معاً كمرشحات للوعي، تُحوِل الفوضى الخارجية إلى نظام داخلي، والسرعة إلى حكمة، والمادة إلى معنى، والشتات إلى جماعة.
أما اليوم، وقد انفصلت هذه الكيانات عن بعضها، وتحولت كل منها إلى جزيرة معزولة؛ فلنرَ كيف تم هذا التحول في العقود الخمسة الأخيرة، وكيف سارت كل منها من القمة إلى القاع:
أولاً – الأسرة؛ حاضنة الأمس، فندق اليوم:
كانت الأسرة في المجتمعات العربية التقليدية هي المصنع الأول للقيم والهوية؛ فيها يتعلم الطفل الصدق والأمانة واحترام الكبير، وفيها تُحَل الخلافات بالحوار لا بالهجر. كانت الأسرة الحاضنة التي تصنع رجالاً قبل أن تُطعِم مستهلكين. أما اليوم، ومع تسارع وتيرة الحياة، وازدواج الوظائف، وضغط التكاليف؛ تحولت الأسرة إلى مجرد “عنوان سكني” يجمع أفراداً يتشاركون في استهلاك الكهرباء والإنترنت، لا في إنتاج المعنى، حتى غدت وحدة عزلة فردية تحت سقف واحد. الأب مشغول بتأمين لقمة العيش خارج البيت، والأم منهكة في أعمالها المنزلية، والأبناء غارقون في شاشاتهم التي تُقدِم لهم عالماً بديلاً عن عالمهم المأزوم. انهارت جلسات المساء، وتلاشت الحكايات الشعبية التي كانت تنقل التراث، وصار الخلاف بين الوالدين سيفاً مسلطاً على رقاب الأبناء. الأسرة التي كانت “سفينة نوح” في لجج التغيير، صارت اليوم “طوفاناً” يُغرِق من فيها.
ثانياً – المدرسة؛ من منارة النهضة إلى خط إنتاج البطالة:
كانت المؤسسة التعليمية الهادفة في عقود النهضة (أوائل القرن العشرين) هي الأمل الكبير للأمة؛ كانت تُخرِج أجيالاً من المفكرين والقادة والعلماء. كان المُعلِم يُوقَّر كالأب، والكتاب يُقدَّس كالروح. أما اليوم، ومع انفجار أعداد الطلاب، وتحول التعليم إلى سلعة تَدُرُّ ربحاً، ونهج سياسات الإغراق في التخريج الجماعي دون مراعاة لسوق العمل؛ صارت المدرسة والجامعة مجرد “مصانع لطباعة الشهادات”. تُلقي الأفواج في سوقٍ لا يُجيب نداءها؛ فإما ترتدي ثوب الوظيفة الهزيلة مستسلمة، وإما تترنح في جحيم البطالة المقنعة. المُعلِم فقد هيبته، والكتاب فقد قدسيته، وأصبح الامتحان هو الغاية لا الوسيلة.
ثالثاً – المسجد الجامع؛ من قلب الأمة إلى منبر الخطاب المنفصل:
كان المسجد في المجتمع العربي التقليدي ليس مجرد مكان للصلاة، بل كان نادياً ثقافياً، ومحكمة شرعية، ومدرسة قرآنية، ومنتدى للحوار، ومجلساً للشورى، ومركزاً لإدارة شؤون الدولة. كان الخطيب يعرف هموم الناس، ويُخاطب واقعهم، ويوجههم إلى مصالحهم. أما اليوم، ومع إخضاع الدين لمنطق السلطة، وتحول المساجد إلى منابر لخطابات متعالية منفصلة عن معاناة المواطن، أو إلى فضاءات للوعظ المُعلب الذي لا يمس الواقع؛ فقد فَقَدَ المسجد قدرته على أن يكون ضلعاً فاعلاً في بناء الوعي ضمن الثالوث المفقود. صارت الخطب تأمر بالصبر على الفقر ولا تشير إلى أسباب الفقر، تحض على الطاعة ولا تشير إلى حدود هذه الطاعة، تحض على الزهد بينما الوعاظ غارقون في متاع الدنيا؛ فيا للمفارقة بين القول والفعل.
وهكذا انفصل المسجد عن الأسرة والمدرسة، وأصبح كلٌ يعمل في وادٍ، وضاع الجسر بين الروح والمادة.
فلما انقطعت عرى هذا المثلث، تداعت أركان الأمان الروحي، وآل الفرد إلى التوارِ خلف وجه المادة الأصم، ووهم الكثرة الخادع، وجنون السرعة الأعمى. وعلى هذا المنوال، صارت مفارقة التناقض التي نظنها طارئة، قانوناً نافذاً في صياغة الوعي الجمعي، حين تتحول المؤسسات عن وظيفتها التربوية. فإذا تقدمت المادة بسرعة تستبق قدرة الروح على المواكبة، نشأت فجوة لا تُردَم بين ما نملك وما نرغب، وبين ما نفعل وما نعتقد، وبين ما نقوله وما نؤمن به حقاً.
جذور التناقض في مسيرتنا العربية – بين الكل والاستثناء؛ ولماذا بقيت قصص النجاح جزراً معزولة؟
ليس هذا التناقض وليدُ اليوم، بل هو رفيق دربنا عبر محطات تحولنا الحديثة. ففي عصر النهضة العربية (القرن التاسع عشر)، واجهنا المفارقة نفسها: “انفتاح على الغرب، وانكماش على الذات، ونهضة لغوية وفكرية، وركود سياسي ومجتمعي”. في مرحلة ما بعد الاستقلال، تكررت المعضلة: “دولٌ تنهض حضارياً وسياسياً واقتصادياً، وأفرادٌ يئنون تحت وطأة الفقر الروحي والمعرفي والمادي”.
لكن الجوهر اليوم، أن سرعة التحول تضاعفت بشكل غير مسبوق، وأصبحت الفجوة أكثر اتساعاً مما كانت عليه قبل قرن. فالآن، بأدواتنا الرقمية، نصنع التناقض في لحظة، ونتفاجأ به في التالية، دون أن ندرك أننا من صنعناه.
ومع ذلك، وللإنصاف، لا يمكننا أن نعمم بشكل مطلق، فهناك، في خريطتنا العربية الممتدة، جزرٌ تنبض بخلاف هذا النمط، بل إن نبضها يزيد من إيلام جراحنا، لأنها تُثبِت أن العلاج ممكن، لكنه ظل حبيساً. تجارب كالأردن في إطلاق منظومة التحديث الشامل، والسعودية في التنمية البشرية والتعليمية، ومصر في بعض طفراتها التكنولوجية، والإمارات في المضمار الاقتصادي والمدني، والمغرب في صناعاته الواعدة وإصلاحه التشريعي، وتونس في نضاله المجتمعي. هذه الاستثناءات ليست نقضاً للقاعدة بقدر ما هي ومضاتُ أملٍ تُثبِت أن الخلاص ممكن، وأن العقدة الأم قابلةٌ للحل.
لكن لماذا بقيت هذه التجارب الناجحة جزراً معزولة، ولم تتحول إلى ثقافة جماهيرية تعم الأمة؟
ذلك لأسباب عضوية أربعة، تتشابك كعقدة غوردية يصعب فكها:
أولاً – غياب الإرادة السياسية المركزية: هذه التجارب كانت غالباً مشروعات نخبوية، أشرف عليها حكام أو حكومات بعينها. غابت الرؤية القومية الموحدة، وحلت محلها التجارب الفردية التي تموت بموت راعيها، أو تتراجع بتراجع اهتمامه.
ثانياً – عدم تحولها إلى ثقافة جماهيرية: هذه المشروعات أنتجت مدناً ذكية، ومصانع حديثة، وقوانين متطورة، لكنها فشلت في زرع “روح” النقد والتغيير في نفوس المواطنين، فكانت مدنهم شفافة الزجاج، معتمة الأرواح، لا تنفذ من جدرانها أشعة المعنى. يزخرون بأجهزةٍ متطورة، ولكنها أعجز من أن تمنحهم بصيرة نافذة؛ يقيمون في القمم الشاهقة، وتستقر هممهم في الحضيض. فليست الحضارة بطول البنيان المشيد، بل بسعة الوعي المديد.
ثالثاً – اعتمادها على الإغراء المادي لا على التحفيز المعنوي: راهنت هذه المشروعات على المال، وأهملت المعنى؛ فكانت الرفاهية قيداً يُكبِِل الإرادة، لا معراجاً يصعد بالهمة. أصبح الفرد يملك الثروة ولا يملك القيمة، ويغرق في المباهج ويغيب عن الأولويات. نهضةٌ مستوردة النسيج، دخيلة الجذور، لم تُغرَس في تربةٍ ترويها المعرفة الذاتية، ولم تتغذ من معين التراث؛ كمن يقتني ثياباً لا تليق بجسده، أو يبني عمارةً على غير أساس، فهي لا تصمد لريح التحدي، ولا تنبت في غير أرضها.
رابعاً – بقاؤها استثناءات مؤقتة في بحر من التبعية: فالمنظومة العربية الكبرى (سياسياً، اقتصادياً، تعليمياً) ما زالت ترزح تحت وطأة الإرث الاستعماري، والتبعية للغرب، واقتصاد الريع، وغياب الديمقراطية الحقيقية. فجزر النجاح هذه، مهما أشرقت، تبقى محاطة ببحار من الفساد والجمود، وعاجزة عن تغيير مناخ المنطقة بأسرها.
إذن، هذه الجزر تعلمنا أن المشكلة ليست في “القدر العربي”، بل في “إرادة التغيير” الجماعية التي لم تنضج بعد، وفي غياب المشروع النهضوي الجامع الذي يربط النخبة بالجماهير، ويوائم بين روح العصر وثوابت الهوية.
هذا القانون الجدلي ليس تنظيراً جامداً، بل هو مرسومٌ في تفاصيلنا الصغرى التي نظنها اعتيادية. أربعة مظاهر، في أربعة مجالات، تكشف عن هذا التناقض في صورته الأكثر إيلاماً؛ لنقرأها معاً في مشهدنا العربي الراهن، متتبعين أثر “الثالوث المهجور” في كلٍ منها.
أولاً – قربٌ افتراضي، وبعدٌ حقيقي؛ تمزق النسيج الأول:
انظروا إلى ما في أيدينا اليوم: كم اسمٍ تخبئه هواتفنا الذكية، وكم صورةٍ مع آخرين تراكمت في ذاكرة الجهاز، وكم رسالةٍ من أصدقاء نستقبلها كل ساعة على الشاشات. لقد اختُزِلت المسافات، وتلاشت الحدود، وأصبح بإمكاننا أن نرى ونسمع من نحب في كل لحظة. نملك من أدوات القرب والتواصل ما مكننا من معرفة تفاصيل حياة الغرباء أكثر مما نعرف عن أقرب جيراننا، أو ندري بوجعهم.
تكمن المفارقة المؤلمة أن هذه الثورة الاتصالية، التي كان يُفترض بها أن تُعيد وصل ما انقطع، جاءت لتُعمِق الهوة. تُشير تقديرات الاتحاد الدولي للاتصالات في تقريره السنوي إلى أن متوسط استخدام الفرد العربي للإنترنت عبر الهواتف الذكية بلغ حوالي 6.8 ساعات يومياً، بينما لا يتجاوز متوسط وقت اللقاء العائلي الفعلي وغير الافتراضي 17 دقيقة فقط يومياً، وفق استبيانات المجلس العربي للطفولة والتنمية؛ وكأننا نختلس وقتنا مع العائلة لنهديه لمن لا نعرف.
أما صلة الرحم التي هي عماد التماسك الأسري، والعصب الأول في “ثالوثنا المهجور”، فها هي تذوب كما يذوب الجليد في لهيب الصحراء. لم تعد الزيارة واجباً، بل أصبحت “مكالمة في العيد” تكفي لتبرئة الذمة. الأمهات والآباء ينتظرون في البيوت، وأبناؤهم مشغولون بتحديث “حالاتهم” على وسائط لا ترى حقيقتهم، بل تعكس أقنعتهم التي يتوارون خلفها. الجلسات العائلية الطويلة، التي كانت تغسل القلوب من الأحقاد وتُصلِح ذات البين، صارت نادرة كالغيث في قحطٍ. لقد انهارت المؤسسة الأولى، فتحولت العلاقات الأفقية إلى تواصل عمودي مع شاشةٍ باردة. كم من أسرةٍ تجمعت، فتاهَ كلٌ في هاتفه عن وجه الجالس إلى جانبه! كسبنا من لا ضرر من فقده، وخسرنا من ينبغي وصله.
ثانياً – شهاداتٌ بلا بصيرة، وعلمٌ بلا نور؛ انهيار الضلع الثاني:
ما أضخم المشهد التعليمي اليوم! جامعاتٌ في كل فجٍ، ومدارسٌ في كل حيٍّ، وقاعاتٌ تعج بالطلاب. الأمية في انحسار، والإقبال في ازدياد، والشهادات تُزين الحيطان. أمامنا وفرةٌ من الدورات، والمؤتمرات تملأ السنين والأيام.
لكن حين نطلب من هذه المؤسسات أن تُخرِجَ لنا عقولاً ناقدة، أو علماً يُنتفع به، نكاد لا نجد. ذلك لأنها تحولت، بفعل الانفصال عن الجوهر، إلى آلات لطباعة الشهادات لا لصناعة الوعي. يتدفق الخريجون إلى أسواق العمل، يدفعون أمامهم أكداساً من المقررات والنظريات، لكنهم لا يملكون حلاً لأبسط مشكلات العيش، ولا أداةً لمواجهة فوضى العصر. صارت المعرفةُ رقماً في سجل الخريجين، لا نوراً في طريق الحياة. يقرأ الطالب أُمهات الكتب، ثم يعجز عن كتابة خطابٍ سليم، أو إدارة حديثٍ من غير أن ينقلب خِصاماً.
يشهد الواقع العربي على الملايين من حملة الشهادات العليا، بين عاطلٍ عن العمل، أو مشغولٍ بما لا يليق بتحصيله. تفاقمت الأزمات، وتضخمت قوائم البطالة، ولم تُقدِم تلك الشهادات خلاصاً يُذكر. كثُرت الجامعات، وندر ما ينبثق منها بما ينفع البلاد والعباد. فما قيمة العلم إن لم يَلِد بصيرةً نستهدي بها، ونوراً نستضيء به؟
لقد تجاوزنا -أو كان ينبغي لنا أن نتجاوز- زمن التغني بمحو الأمية، إلى عصر بناء الإنسان، بل إن بناء الإنسان ذاته لم يَعُد غايةً قصوى إذا لم يُصغ في قالب حاجات مجتمعه، ويُوجه نحو مسارات نموِه الحقيقي. ذلك أن الفرد ليس جزيرةً معزولة، بل هو خليةٌ في جسد الأمة، لا يصلح الجسد بصلاحها وحدها، بل بتكاملها وتناسقها. وهذا البناء المنشود لا تقوم له قائمةٌ دون تخطيطٍ بعيد المدى، يرسم خريطة المستقبل برؤية عارفٍ، ويترجم هذه الرؤية إلى واقعٍ ملموس؛ تنبض به المؤسسات، وتتنفسُه المناهج، وتستظلُه الأجيال.
لكن، لقد جرَّدنا المؤسسات التعليمية من قدسيتها، وحولناها إلى تجارة، فلما أصبحت سلعة، خسرت قدرتها على أن تكون خلاصاً.
ثالثاً – نمو الاقتصاد وفقر المواطن؛ وهم الوفرة في زمن الجوع:
تنبض النشرات الاقتصادية بأرقامها الخضراء: ناتجٌ يُضاعف نفسه، واستثمارات تَرِدُ من كل صوب، ومشاريع تكتسح الأفق، وفورةٌ عقارية تُعيد رسم ملامح المدن.
تُشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدلات النمو في بعض الدول العربية قفزت إلى نسب تجاوزت 4% سنوياً، وإن اختلفت بين دولة وأخرى. لكنها أرقامٌ باردة لا تعكس حرارة الجوع المعنوي في الشوارع.
نقرأ هذه المؤشرات فنكاد نُصدِق أننا في فجر نهوض. لكنَّ الواقع في الشارع يروي سيرةً أخرى. هناك، على أرصفة الانتظار، خريجٌ يطوي شهادته كأنها حلمٌ مضى، وأسرةٌ تَنهشها تكاليف الحياة، وصانعٌ يئن تحت وطأة الضرائب وارتفاع كلف الخدمات. البطالة ليست كلمةً في تقرير، بل هي أيامٌ تَمرُ ولا تمر؛ هي جوعٌ يتربص، وأحلامٌ تتساقط، ومرضٌ يُنهِك، وديونٌ تُثقِل، وفواتيرُ تتراكم. كلما ارتفعت نسب النمو، انخفض سقف الأمل. وكأن ثمة عقداً سرياً بين الاقتصاد الوطني والفقر الفردي: كلما ازدهر الأول، تردى الثاني.
تُبنى بمدننا ناطحات سحابٍ، وفي ظلالها تمتد أحياءٌ تلهث خلف الماء والكهرباء. تزدهر البلاد في مظهرها، ويتردى أهلها في تفاصيلهم. حين نقارن صروحنا العالية بأعداد الشباب الذين أُوصِدَت في وجوههم الأبواب، نعرف أن ازدهارنا يمضي لغيرهم، ونُدرك أن النمو الاقتصادي لم يَعُد مرادفاً للحياة الكريمة.
فقرُنا لا يُحصَر في نقصِ القوت، بل في فقر الرؤية التي ترى الثروة ولا تَلمَسُ في النفوس أثراً. إنه ذلك الشعور بالغربة في قلب الوفرة، وأن تقف حيث تمرُ الأموال ولا تمرُ الكرامة. تتجاوز المفارقةُ المالَ إلى النفس: “كلما اتسعت المدن، ضاقت الآفاق، وكلما تزينت الواجهات، تعمقت الهوة بين من يملكون المال ومن يملكون الحلم”. نحن أمةٌ تُعمِّرُ جدرانها، وتُخلِي أفنيتها من الأرواح. تُضاعف أعداد المباني، وتُفني قوت القلوب. ترفع أسقف المدن، وتهدمُ بناء الإنسان. أمةٌ تُضيءُ واجهاتها، وتُطفئُ مصابيح بيوتها.
رابعاً – علمٌ بلا خشية:
المفارقة الأعمق في هذا الزمن، وهي تتويج لانهيار هيكل الثالوث حين يصل الشرخ إلى قمته (الروح والغاية)، أن المعرفة الدينية صارت في متناول اليد قبل أن تكون في متناول القلب. لم يعد طلب العلم يحتاج إلى شدِّ رحالٍ، ولا إلى أسفارٍ بين الأمصار، ولا إلى مجالسة الشيوخ سنينَ طوالاً. هو الآن في الجيب، يُستدعى بكبسة، وتُنشرُ أمهاتُ الكتب في ومضة، وتتوالى الفتاوى كالغيث، وتُبثُّ الخطب في كل آن. طالب العلم اليوم يقطف من النصوص في لحظةٍ ما كان أسلافُنا يتحرَّونه في أعمار. يُحصِّلُ من الكتب ما لا تضمه خزانة التراث، ولكنه يفقِد في تلك السرعة ما كانت تمنحه الرحلة والتعب والترقب: “الحضور في القلب، لا الاستظهار في الذاكرة”.
لكن، حين ننظر في القلوب، نجد أن التقوى تتسرَّبُ كالرمل من بين الأصابع. الورعُ، ذلك الخوف الكامن من الله، صار طيفاً بعيداً في حياتنا، والرقابة الذاتية تتهاوى تحت وطأة الانشغال بالماديات. نقرأ آيات الزهد، ونلهث خلف الدنيا. نردد “لا تغضب”، وننفجر على أقلِّ زلة. أصبح العلمُ رداءً جميلاً للمناسبات، بينما الروح تبقى خاويةً من خشية الله. يعرف المرء الحلال والحرام، ثم لا يكلف نفسه عناء الامتثال. يحفظ أحاديث الحسبة والتقوى، ويغفل عن محاسبة نفسه عند أول منعطف. كأنما العلم فاكهة اللسان، لا ثمرة الجوارح، ومعرفة الطريق لا تعني السير فيه.
انهار الثالوث، فلم تعد الأسرة أماً، ولم تعد المدرسة معلماً، ولم يعد المسجد قلباً. وبدلاً من ذلك، صار الدين لعبة مرايا في فضاء مظلم، يخفي الإنسان خلفها وجهه، ويظن أنها ترشده، لكنها تعيد له رسم صورته المشوهة فقط. فيظل يردد ما لا يفقه، ويحفظ ما لا يُحيي، حتى باتت أحكام الدين قناعاً لا بصيرة، والقلب باباً أوصدته الغفلة.
الخاتمة – كشف المرايا؛ الانعطاف المعرفي وتغيير البوصلة:
نعود إلى ديكنز، لا لنقرأ ما كتب، بل لنفك شفرة ما نعيش. ذلك “الشيء” الذي تنتظره الأكثرية الصامتة ليس مخلصاً، ولا ثورة، ولا وعداً عابراً. إنه انهيار الوهم بأن أمامنا كل شيء، لنكتشف أن ما أمامنا ليس سوى سراب نصنعه بأيدينا كل يوم، وأن حقيقة أن “ليس أمامنا شيء” هي المرآة الوحيدة التي لم نجرؤ على النظر فيها.
ولعل أصدق من سبقنا إلى هذه الحيرة، ذلك الشاعر العباسي الذي أفنى العقاد عمره في دراسته. فكما وجد العقاد في حياة ابن الرومي -الفاقة بعد الغنى، وموت الأحباب بعد كثرة الأولاد، حتى كاد أن ييأس من الحياة نفسها- صورةً لعصرٍ مزدحم بالتناقضات؛ نجد اليوم في واقعنا ما يشبه تلك الحال: نملأ الخزائن علماً، ونُفرغ القلوب حكمة.
ولم تكن مآسيه مقصورة على فقده لأحبته وماله، بل امتدت إلى مصرعه على يد وزير الخليفة المعتضد، القاسم بن عبيد الله، الذي كان يخاف من هجوه وفلتات لسانه، فدس عليه السم في حلوى مقدَمة إليه في مجلسه. لما أحس بالسم، سأله الوزير ساخراً: “إلى أين تذهب؟”، فأجابه ابن الرومي بثبات: “إلى الموضع الذي بعثتني إليه”. فقال الوزير: “سلم على والدي”، فرد عليه: “ما طريقي إلى النار”. كانت هذه الإجابة، التي حملت في طياتها سخرية الموت وإيمانه بأن مصيره ليس إلى النار، خاتمةً لحياةٍ عاشها الشاعر كما عاش شِعره: حراً، ساخراً، زنديقاً، جريئاً، تائهاً.
ومن هذه الهاوية التي تكشف تهافت أوهامنا، ينبثق الوعي الحقيقي، وتُولَد الرغبة في التغيير من رحم الاعتراف بالعجز.
لكن، أيها القارئ، هذا ليس موضع الأسى، بل هو نقطة الانعطاف: فها هو ابن الرومي، في لحظة الحسم، لا يبكي تخلفه أو سرعته، بل يثبت على موقفه الوجودي. لقد ظللنا -نحن العرب- نُقيم أنفسنا طويلاً بمقاييس الغرب الزمنية: السرعة، الكم، الناتج، التدفق. وكأن التقدم خط مستقيم يجب أن نسير عليه بسرعة الضوء، وإلا كنا متخلفين. لكن هذه المقاييس هي ذاتها التي أوقعتنا في الفخ: فنحن أمةٌ نؤمن بأن “القيمة ليست في السرعة، بل في الاتجاه”. العجلة باتجاه الهاوية ليست تقدماً، والبطء باتجاه القبلة هو الفوز المبين.
العودة إلى الله، التي ندعو إليها، ليست شعاراً يُرَدد فيُسمَع، بل رؤيةٌ تُعاش فتُؤثِر. هي ليست هروباً من الواقع فحسب، بل هي منهاج حياة. إنها أن نستبدل منطق “الكم” (عدد الشهادات، سرعة التحميل، نسبة النمو، أعداد المتابعين) بمنطق “الكيف” (زيادة اليقين، تحقيق العدل، حضور القلب، رحمة التعامل، إتقان العمل). لن نقلع عن التنمية، بل سنغير روحها. لن نوقف التكنولوجيا، بل سنعيد تسخيرها لخدمة الإنسان لا لإذابته.
وليتجلى هذا الانعطاف في واقعنا الملموس: فبدلاً من أن نعد النجاح بعددِ المباني المنجزة، نعده بجودة الحياةِ المأهولة؛ وبدلاً من أن نحصي الشهادات المختومة، نحصي المشكلاتِ المحلولة بتلك الشهادات؛ وبدلاً من أن نقيس تقدم الإعلام بسرعة البث، نقيسه بعمقِ الأثر. وفي التعليم، أن نُحول الامتحان من استظهار المعلومات إلى استنطاقِ العقول، ومن حفظ النصوص إلى حل المعضلات التي يعانيها المجتمع. وفي الاقتصاد، أن نستبدل مؤشر الناتج المحلي الإجمالي بمؤشر رضا المواطن. وفي السياسة، أن يُقاس أداء الحكومة بمدى قربها من جروح الناس. هذه ليست أوهاماً، بل هي بوصلةٌ جديدة تُعيد تعريف التقدم بأنه اتساع الأفق الإنساني، لا زيادة قوة المادة، وتؤسس لنهضةٍ تبدأ من الداخل، لا تُستورد من الخارج.
ربما تكون مهمتنا اليوم ليست أن نسير أسرع، بل أن نقف قليلاً، ونعيد ضبط البوصلة على قبلتنا الحقيقية. حينها فقط، سنرى أن “أحسن الأزمان” هو الذي نقيسه بجودة أرواحنا، لا بسرعة أيامنا.
حفظ الله العباد والبلاد.
فتحي صالح
13 يوليو 2026


