كتب: عباس الصحاف..يعرفنا بالمبدعة: هدى أسعد..فنانة تشكيلية عراقية ..من اختزالات الشكل إلى رحابة الفضاءات الحرة.

الفنانة التشكيلية العراقية الرائعة
( هدى أسعد ) .. من اختزالات الشكل إلى رحابة الفضاءات الحرة
تجربة تشكيلية عراقية تبحث في جماليات التكوين، وتستكشف آفاق التعبير البصري بين بغداد والعواصم العربية والدولية
تحتل الفنانة التشكيلية العراقية هدى أسعد موقعها في المشهد الفني من خلال تجربة فنية ممتدة، تجمع بين الدراسة الأكاديمية والممارسة التشكيلية المتواصلة، وتستند إلى شغف بالرسم ورغبة في استكشاف إمكانات الشكل واللون والتكوين. وقد ارتبطت مسيرتها بالمشاركة المستمرة في المعارض الفنية داخل العراق وخارجه، إلى جانب تقديم تجارب شخصية تحمل عناوين ذات دلالات بصرية وفكرية، من بينها «اختزالات» و«علامات تكوينية» و«التساميّات» و«فضاءات حرة».
التكوين الأكاديمي وبناء التجربة
وُلدت هدى أسعد في بغداد عام 1973، وتلقت تعليمها الفني في معهد الفنون الجميلة، الذي تخرجت فيه عام 1994–1995، ثم واصلت تحصيلها الأكاديمي في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، حيث تخرجت عام 2012. وقد أسهم هذا المسار في تعزيز صلتها بالمعرفة الفنية والأدوات التشكيلية، وفتح أمامها مجالاً أوسع للتعامل مع مفردات اللوحة وأساليب بنائها.
وتنتمي الفنانة إلى عدد من المؤسسات والروابط المهنية، فهي عضو عامل في نقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، كما ترتبط برابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين في عمّان وجمعية الرواد للفنون التشكيلية في الأردن، فضلاً عن عضويتها في نقابة المعلمين. وتعكس هذه العضويات حضورها في الأوساط المهنية والثقافية واهتمامها بالتواصل مع التجارب الفنية المختلفة.

حضور متواصل في المشهد التشكيلي العراقي
منذ مشاركاتها المبكرة في المعارض الفنية خلال تسعينيات القرن الماضي، حرصت هدى أسعد على مواصلة حضورها في الفعاليات التشكيلية العراقية. فقد ارتبط اسمها بمعرض الواسطي منذ عام 1992، كما شاركت في العديد من المعارض المشتركة التي نظمتها وزارة الثقافة، إلى جانب مشاركاتها في المعرض السنوي لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ومعارض الفنانات التشكيليات منذ عام 2015.
ومن المحطات المهمة في مسيرتها مشاركتها في معرض جماعي بثلاثة فنانين في قاعة حوار ببغداد، تحت عنوان «إيحاءات بصرية»، وهو عنوان يفتح المجال أمام تعدد القراءات والتأويلات، ويضع العمل الفني في مساحة تفاعلية بين الأثر البصري وإحساس المتلقي.
إن استمرار الفنانة في المشاركة بالمعارض على مدى سنوات طويلة يمثل جانباً مهماً من تجربتها، إذ يمنح الممارسة الفنية فرصة للنمو والتفاعل مع التحولات التي يشهدها المشهد التشكيلي، كما يتيح للفنان مراجعة أدواته التعبيرية واختبار قدرته على تجديد خطابه البصري.
من بغداد إلى العالم.. تجارب تتجاوز الحدود
لم يقتصر حضور هدى أسعد على المعارض المحلية، بل امتد إلى مشاركات عربية ودولية أسهمت في توسيع دائرة تواصلها الفني. ففي عام 2018 شاركت في معرض «فنانات معاصرات» في عمّان، وملتقى بصمات للفنانين التشكيليين العرب في مصر، كما شاركت في فعاليات فنية في لبنان خلال عامي 2018 و2019.
وفي عام 2019 حضرت تجربتها ضمن معرض «من برج بابل إلى برج إيفل» في باريس، وهو عنوان يستحضر دلالات التواصل بين الحضارات والثقافات، ويضع الفن في سياق الحوار الإنساني العابر للحدود. وفي العام نفسه شاركت في المهرجان الدولي للفنون التشكيلية بالمنستير في تونس.
وتواصل حضورها في المعارض والملتقيات، إذ شاركت في معارض الفنانات التشكيليات في عمّان خلال الأعوام 2018 إلى 2022، وفي ملتقى «آرت فير» للفنون العراقية المعاصرة في الأردن عام 2024، فضلاً عن مشاركتها في معرض مشترك بمنطقة كاديكوي في تركيا عام 2024.
وقد نالت شهادات تقديرية عن مشاركاتها في عدد من الملتقيات الدولية، في الأردن وتونس ولبنان ومصر وفرنسا وتركيا، وهي محطات تعكس اتساع شبكة علاقاتها الفنية وحرصها على الانخراط في الفعاليات التي تجمع الفنانين من خلفيات وتجارب متنوعة.
المعارض الشخصية.. عناوين تكشف عن هواجس التشكيل
تكتسب المعارض الشخصية أهمية خاصة في مسيرة الفنان، لأنها تمنحه مساحة أكثر اتساعاً لتقديم رؤيته والتعبير عن أسئلته الجمالية. وفي تجربة هدى أسعد تبرز أربعة معارض شخصية، يحمل كل منها عنواناً يثير أسئلة تتصل ببنية العمل الفني ودلالاته.
ففي معرض «اختزالات» بقاعة حوار في بغداد، يحيل العنوان إلى فكرة تقليل العناصر والبحث عن الجوهر البصري، وهي مقاربة ترتبط بقدرة الفنان على انتقاء المفردات الأساسية وإعادة تنظيمها بما يمنح التكوين كثافة ووضوحاً.
أما معرض «علامات تكوينية» في عمّان، فيستدعي مفهوم العلامة بوصفها عنصراً فاعلاً في بناء الصورة، حيث يمكن للخطوط والأشكال والعلاقات اللونية أن تتحول إلى إشارات تحمل أبعاداً جمالية وتعبيرية تتجاوز حضورها المباشر.
وفي معرض «التساميّات» الذي أقيم في قاعة برونز ببغداد، يبرز مفهوم الارتقاء بالتجربة البصرية نحو آفاق تتجاوز التمثيل المباشر، بينما يفتح معرض «فضاءات حرة» في المركز الثقافي الفرنسي ببغداد باب التأمل في حرية التكوين وانفتاح المساحة التصويرية على احتمالات متعددة.
وتشير هذه العناوين إلى اهتمام الفنانة بمفاهيم الاختزال والعلامة والفضاء، وهي مفاهيم تحتل مكانة مهمة في الخطاب التشكيلي الحديث. غير أن قراءة تطورها الفني بصورة أكثر دقة تظل مرتبطة بالتأمل المباشر في أعمالها، ومتابعة كيفية توظيفها للون والخط والكتلة والسطح داخل اللوحة.

المرأة والفن.. حضور يتجدد بالمثابرة
يشكل حضور هدى أسعد في معارض الفنانات التشكيليات جزءاً من مشاركتها في حراك فني أوسع، تسهم فيه المرأة العراقية والعربية بتجارب متنوعة ورؤى تتجاوز القوالب الجاهزة. فالفنانة لا تكتفي بالمشاركة في الفعاليات المحلية، بل تعمل على توسيع حضورها من خلال المعارض المشتركة والملتقيات الدولية، بما يتيح تبادل الخبرات والتعرف على اتجاهات فنية مختلفة.
وتكمن أهمية هذا الحضور في الاستمرارية ذاتها؛ فالممارسة التشكيلية ليست محطة عابرة، بل مسار يتطلب الصبر والتجريب والمراجعة المستمرة، والقدرة على تحويل الخبرة المتراكمة إلى لغة بصرية أكثر نضجاً وخصوصية.
هدى أسعد.. مسيرة مفتوحة على احتمالات اللون والتكوين
إن تجربة الفنانة التشكيلية هدى أسعد تقدم صورة لفنانة واصلت ارتباطها بالرسم والمعارض والمؤسسات الفنية على مدى عقود، وانتقلت بمشاركاتها من بغداد إلى عدد من العواصم والمدن العربية والدولية. وبين التكوين الأكاديمي والحضور المؤسسي والمعارض الشخصية، تتشكل ملامح مسيرة تسعى إلى ترسيخ حضورها في المشهد التشكيلي.
وتبقى قيمة التجربة الفنية، في نهاية المطاف، مرهونة بما تنجزه اللوحة من اقتراحات جمالية وما تفتحه من أسئلة أمام المتلقي. ومن هنا، فإن متابعة أعمال هدى أسعد تمثل مدخلاً للتعرف على رؤيتها التشكيلية، واستكشاف الكيفية التي تتعامل بها مع مفردات الصورة، وما يمكن أن تحمله تجربتها المقبلة من تحولات وإضافات في فضاء الفن العراقي المعاصر.
نتمنى لها التوفيق والاستمرار بالعطاء والنجاح الدائم.

( عباس الصحاف)

أخر المقالات

منكم وإليكم