أوغاريت… حين صار الجمال لغةً للحضارة.
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
حين تطأ قدماك أرض أوغاريت عند رأس شمرة يستقبلك نسيم البحر القادم من المتوسط محمّلاً بعبق النباتات البرية التي ما زالت تنمو حتى الان بين حجارتها الزعتر الخليلي والشمرة والزوفا وشقائق النعمان التي تلوّن الربيع بأحمره القاني. هناك يمتزج عبير الأرض برائحة الطين الذي شكّل يوماً ألواح الأبجدية الأولى فتشعر أنك لا تدخل موقعاً أثرياً فحسب بل تعبر بوابةً إلى زمن ما زال حيّاً في الذاكرة الإنسانية.
في شوارع أوغاريت المرصوفة بالحجارة وبين بقايا البيوت والقصور والمعابد يكتشف الزائر أن هذه المدينة لم تكن مجرد مملكة مزدهرة بالتجارة والسياسة خلال الألف الثاني قبل الميلاد بل كانت أيضاً مركزاً متقدماً للفن والعمارة والفكر. فقد كشفت التنقيبات الأثرية عن مدينة خُطّطت بعناية تتوزع فيها الأحياء السكنية والقصور والمنشآت الدينية وفق رؤية عمرانية تعكس وعياً متقدماً بوظيفة المكان وجماله في آنٍ واحد.
وكلما تقدمت في أزقتها بدا لك الحجر وكأنه يروي سيرة صانعه. فالمعماري الأوغاريتي لم يكن مجرد بنّاء بل كان صاحب حسّ جمالي رفيع استطاع أن يحقق توازناً بين الحاجة العملية والذوق الفني. وتدل بقايا البيوت الفخمة بما تحتويه من ساحات داخلية وأحواض حجرية وأنظمة لتصريف المياه على مستوى حضاري متقدم جعل من المنزل فضاءً للراحة والجمال معاً.
أما القصر الملكي أحد أعظم منشآت الشرق القديم فقد مثّل ذروة هذا الإبداع المعماري. فبمساحته الواسعة وغرفه العديدة وساحاته المتنوعة كان مركزاً للإدارة والحكم وفي الوقت ذاته تحفةً معمارية تعكس ثراء المملكة ومكانتها. وتشير الدراسات الأثرية إلى وجود حدائق وأفنية مزروعة داخل نطاق القصر إضافة إلى شبكات مائية متطورة ساهمت في إضفاء أجواء من الراحة والسكينة على المكان.
وعندما تقف أمام معبدي بعل ودجن تشعر بأن الزمن قد خفّف خطواته احتراماً للمكان. فهذه المعابد التي ارتفعت فوق المدينة لم تكن مجرد أبنية دينية بل كانت رمزاً للعلاقة العميقة بين الإنسان الأوغاريتي والعالم المقدس. ومن بين جدرانها كانت ترتفع الأدعية والتراتيل التي وصلت إلينا بعض أصدائها عبر النصوص المسمارية المكتشفة لتكشف عن عالم روحي غني بالإيمان والشعر والأسطورة.
ولم يقتصر الإبداع الأوغاريتي على العمارة وحدها، بل تجلى أيضاً في فنون النحت والعاج والمعادن. ومن أروع الشواهد على ذلك الرأس العاجي الشهير للأميرة الأوغاريتية الذي ما زال حتى اليوم يدهش الباحثين بدقة ملامحه ورهافة تعبيره. إنه ليس مجرد قطعة أثرية صامتة، بل شهادة حية على قدرة الفنان الأوغاريتي على التقاط المشاعر الإنسانية وتخليدها في مادة تتحدى الزمن.
لقد أثبتت مكتشفات أوغاريت أن أبناء هذه المدينة أدركوا قيمة الجمال بوصفه جزءاً من الحياة اليومية. فالفن لديهم لم يكن ترفاً منفصلاً عن الواقع بل كان حاضراً في البيت والمعبد والقصر وفي الأدوات والأواني والزخارف والحدائق. وكان هذا التداخل بين الجمال والوظيفة أحد أسرار ازدهار حضارتهم وتميزها بين حضارات الشرق القديم.
وهكذا فإن زيارة أوغاريت ليست جولة بين أطلال صامتة بل رحلة في ذاكرة حضارة استطاعت أن تجمع بين العلم والفن وبين العمارة والروحانية وبين العمل والجمال. وحين تغادرها يبقى في النفس شعور بأن هذه المدينة لم تندثر حقاً فما زالت حجارتها تهمس للزائر بأن الحضارات العظيمة لا تُقاس فقط بما شيدته من مبانٍ بل بما تركته من قيم إنسانية وإبداعٍ قادرٍ على عبور آلاف السنين.
أوغاريت.. المدينة التي جعلت من الجمال أسلوب حياة ومن الفن لغةً خالدة تتحدث إلى الإنسانية عبر العصور.
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎


