بوابة القصر الملكي في اوغاريت الحصن المحصن .
البوابة التي كانت مدخلًا للملوك وليس للناس..
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
كانت بوابة أوغاريت الملكية التي تلفت الزائر إليها تقف على أطراف المدينة كأنها حدٌّ بين عالمين:
عالم الشعب في الأزقة والحقول
وعالم السلطة في القصر الملكي حيث تُصنع القرارات وتُقام الطقوس.
تكوّنت البوابة من جدار دعمٍ مصطنع ينهض ككتفٍ حجريٍّ يحمل سورًا لم يبقَ منه اليوم إلا أثرٌ خافت.
ومن محور الدخول كان الزائر يمرّ عبر برجٍ مصمتٍ مربع برجٌ بلا نوافذ بلا تجاويف كأنه صخرةٌ نُحتت لتكون عينًا لا تنام.
هذا المدخل لم يكن لعامة الشعب بل كان مخصّصًا للملك وحاشيته ولشخصيات القصر الملكي وموظفيه وزواره.
كان مدخلًا رسميًا طقسيًا سياسيًا يحمل معنى الهيبة قبل أن يحمل معنى العبور.
إلى يمين البرج عند النظر إليه من جهة الزائر يظهر باب السر ذلك الممرّ ذو القبوات المتصالبة.
كان هذا الباب محورًا ثانويًا يؤدي إلى الساحة الواسعة أمام القصر الملكي،
ممرًا لا يعرفه إلا من كان جزءًا من البنية الإدارية والطقسية للمدينة.
منه كان يعبر الكهنة المبعوثون والموظفون الذين يحملون رسائل أو مهامًا ملكية.
بابٌ صغير في حجمه كبيرٌ في وظيفته
كأنه نبضٌ داخليٌّ للمدينة لا يسمعه إلا من كان قريبًا من قلبها السياسي.
بعد اجتياز البرج تنفتح الساحة الواسعة أمام القصر الملكي
ساحةٌ كانت تشهد خطوات الملوك
وقع الوفود القادمة من قبرص والحثيين ومصر
وإقامة الطقوس التي تربط الملك بالآلهة وبالبحر وبالمدينة.
هنا كانت أوغاريت تُظهر وجهها الحقيقي:
مدينة دولية قبل أن تُخلق فكرة الدولة الحديثة
تتقاطع فيها الطرق وتلتقي فيها الحضارات وتُصنع فيها القرارات التي تعبر البحر.
في نهاية الألف الثاني قبل الميلاد حوالي 1200 ق.م.
حين بدأت أوغاريت تعيش أيامها الأخيرة
حدث تحوّلٌ لافت:
أُغلقت البوابة الملكية وسُدّت بمنحدرٍ شكّل محور دخولٍ جديد نحو البرج المخصّص للمراقبة.
لم يكن هذا الإغلاق قرارًا معماريًا فحسب
بل كان علامةً سياسية وأمنية:
فالمدينة التي كانت تستقبل الملوك عبر هذا المدخل
لم تعد قادرة على أن تفتح قلبها كما كانت تفعل.
الخطر كان يقترب
شعوب البحر تتحرّك
والطرق التجارية ترتجف
والبحر لم يعد صديقًا دائمًا.
إغلاق البوابة كان أشبه بإغلاق جفنٍ على عينٍ أنهكها السهر.
كان البرج المصمت يقف ككاهنٍ حجريٍّ لا يعرف النوم.
في النهار يراقب حركة الداخلين إلى القصر الملكي .
يميّز بين خطوات الملك وخطوات المبعوثين
ويرى السلطة وهي تمشي على الأرض كطقسٍ لا كحركة.
وفي الليل يسمع البحر وهو يقترب
يسمع الريح وهي تحمل أخبار الشعوب التي تتحرّك في الظلام
يسمع المدينة وهي تتنفّس خوفها الأخير.
وحين أُغلقت البوابة شعر البرج كأنّ المدينة أغمضت عينها
لم تعد الساحة تستقبل الوفود
ولم تعد الخطوات تحمل رسائل من الحثيين أو المصريين او مت قبرص وجزر اليونان
وصار البرج حارسًا لمدينةٍ تستعد لوداعٍ طويل.
كان البرج يقول في صمته:
“حين تُغلق البوابة لا تُغلق المدينة.. بل تُفتح الذاكرة.”
سقوط أوغاريت لم يكن حدثًا مفاجئًا
بل كان نهاية سلسلةٍ طويلة من الاضطرابات التي ضربت شرق المتوسط.
شعوب البحر كانت تتحرّك
التجارة انهارت
والممالك الكبرى نفسها كانت ترتجف.
أوغاريت، رغم عظمتها كانت مدينةً بحرية تعتمد على التجارة وعلى استقرار القوى الكبرى حولها.
وحين انهار هذا النظام.. وجدت نفسها وحيدة أمام موجةٍ لا ترحم.
الرسائل المكتشفة في أرشيفها الطيني تُظهر ملكًا يطلب النجدة
يرسل نداءاتٍ عاجلة
ويعرف أن الخطر يقترب.
لكن لا الرسائل وصلت
والنجدة إليها لم تصل.
سقطت المدينة
لكن لم يسقط صوتها.
فهي اليوم تُقرأ تُدرس وتُحبّ.
وما زالت تقول لنا:
“الحضارة لا تُقاس بعمرها بل بما تتركه خلفها.”
من أوغاريت الحضارة والعطاء تبدأ بنا الحكاية ولا تنتهي،
لكل ما قيل ..ولكل ما لم يُقل بعد
ولكل حجرٍ ينتظر عاشقًا يقرأه.
نحن هنا
لنعيد فتح بوابةٍ أُغلقت قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام غبرت..
اوغاريت لا تقرأ بالعجلة تحب دائمآ من يقرأها بهدوء..
عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
الصور المرفقة بعدستي بوابة القصر الملكي الاوغاريتي الحصن المحصن


