كتب د. غسان القيم عن اوغاريت مدينة الاسرار والعدالة في ابهى تجلياتها..

أوغاريت .. مدينة الأسرار..وأرشيف العدالة الصامت: حين دوَّنت الواح الطين ذاكرة القانون وخلّدت أسماء العارفين.
“”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
من بين آلاف الرقم الفخارية التي كشفت عنها الحفريات الأثرية في مدينة أوغاريت الأثرية (رأس شمرا) تبرز مجموعة الوثائق ذات الصفة القانونية والإدارية بوصفها أحد أهم المصادر التي اتاحت للباحثين إعادة بناء الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المملكة الأوغاريتية خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد.
فهذه الرقم لا توثّق المعاملات القانونية فحسب بل تكشف أيضاً عن مستوى متقدّم من التنظيم الإداري والثقافي وعن الدور المحوري الذي أدّاه الكتبة والنساخين في إدارة شؤون الدولة وحفظ حقوق الأفراد.
لقد أسفرت أعمال التنقيب الاثري خلال مواسم سابقة داخل القصر الملكي وفي عدد من الأحياء السكنية الراقية عن اكتشاف أرشيف ضخم يضم مئات الوثائق القانونية المكتوبة على ألواح فخارية تناولت هذه الوثائق موضوعات متنوعة تشمل عقود البيع والشراء وتسجيل الملكيات العقارية والوصايا والديون والتبني والزواج وتسوية النزاعات فضلاً عن الاتفاقيات التجارية والمعاملات الاقتصادية المختلفة.
وتكشف هذه النصوص عن وجود نظام قانوني متكامل يستند إلى إجراءات موثقة وصيغ قانونية ثابتة .. الأمر الذي يعكس درجة عالية من الاستقرار المؤسسي والتنظيم الإداري داخل المملكة.
كُتبت غالبية الوثائق القانونية الأوغاريتية باللغة الأكدية المسمارية وهي اللغة التي كانت تشكل الوسيلة الرسمية للمراسلات الدولية والإدارية في الشرق الأدنى القديم خلال الألف الثاني قبل الميلاد. وقد أتاح اعتماد الأكدية لأوغاريت التواصل مع القوى الكبرى المعاصرة مثل مصر والحثيين وممالك بلاد الرافدين.
وتبدأ بعض الوثائق القانونية بصيغة مألوفة هي:
“أُمّ أَنّي أُمّ”
أي: “في هذا اليوم”.
وهي عبارة افتتاحية تؤكد الصفة الرسمية للوثيقة وتحدد لحظة توثيق الحدث القانوني بما يشبه عبارات التأريخ المستخدمة في الوثائق الرسمية الحديثة.
رغم أن معظم الرقم القانونية لم تحمل أسماء كتبتها أو تواريخ واضحة فإنها تضمنت عناصر أخرى سمحت للباحثين بتحديد طبيعتها ووظيفتها. ومن أبرز هذه العناصر الأختام الأسطوانية الملكية التي كانت تُطبع على سطح الرقيم قبل تجفيفه.
وقد أدّت هذه الأختام دوراً مهماً في توثيق المعاملات وإضفاء الصفة القانونية عليها كما ساعدت الباحثين في ربط الوثائق بالمؤسسات الرسمية للدولة وبالفترات الزمنية المختلفة.
حيث تكشف دراسة الخصائص الخطية للنصوص عن وجود فروق واضحة في أساليب النسخ وترتيب السطور وأحجام الرقم والاختيارات الإملائية. ويشير ذلك إلى وجود مدارس متخصصة لتعليم الكتابة وإعداد الكتبة.
ولم يكن الكاتب الأوغاريتي مجرد ناسخ للكلمات، بل كان موظفاً رفيع المستوى يجمع بين المعرفة اللغوية والخبرة القانونية والكفاءة الإدارية. ولذلك احتل الكتبة مكانة مرموقة داخل المجتمع وأسهموا في إدارة شؤون المملكة وحفظ ذاكرتها المؤسسية.
ومن النصوص النادرة التي حفظت أسماء أصحابها عدد من الرقم التي ورد فيها اسم الكاتب “شبشو ملكو” (Šapšu-malku)، والذي وصف نفسه بعبارة يمكن ترجمتها إلى “الناسخ الخبير”.
ويُعد هذا الوصف مؤشراً مهماً على الوعي المهني لدى الكتبة الأوغاريتيين وعلى إدراكهم لدورهم بوصفهم حراساً للمعرفة وحفظة للوثائق الرسمية.
ومن الاكتشافات ذات الدلالة الثقافية العميقة رقيم يتضمن سلسلة نسب تعود إلى شخصية تدعى “نعم-رشب”. ويورد النص أسماء عدد من الأسلاف الذين يبدو أنهم ارتبطوا بمهنة الكتابة والتعليم:
آبابا
نعم-رشب
أو-رشب
أوري-موذو
إل-شبشو
أخي-رشب
وتشير هذه السلسلة إلى احتمال وجود أسر ثقافية توارثت المعرفة والكتابة عبر الأجيال الأمر الذي يعزز الفرضية القائلة بوجود تقاليد تعليمية راسخة داخل المجتمع الأوغاريتي.
وتكمن أهمية هذه الوثائق في أنها تسمح بإعادة رسم صورة دقيقة للمجتمع الأوغاريتي. فمن خلالها يمكن تتبع العلاقات الاقتصادية وأنماط الملكية والبنية الأسرية ودور المرأة وآليات انتقال الثروة وأساليب إدارة الأراضي الزراعية والتجارة.
كما تكشف هذه النصوص عن مجتمع يحترم القانون ويعتمد التوثيق الكتابي أساساً في تنظيم العلاقات بين الأفراد والمؤسسات وهي سمة حضارية متقدمة في عالم الشرق القديم.
وأخيراً بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام غبرت على انهيار المملكة الأوغاريتية ما تزال الرقم القانونية المكتشفة في رأس شمرة تمثل أحد أهم المفاتيح لفهم تاريخ المدينة وحضارتها. فهذه الألواح الصغيرة لم تحفظ تفاصيل المعاملات اليومية فحسب بل حفظت أيضاً صورة مجتمع آمن بالمعرفة وبقوة الكلمة المكتوبة.
ولعل أبرز ما تعلمنا إياه هذه الوثائق أن أوغاريت لم تكن مدينة تجارة ودبلوماسية فقط بل كانت أيضاً مدينة قانون ومؤسسات وثقافة. مدينة أدركت مبكراً أن العدالة تحتاج إلى ذاكرة وأن الكلمة المكتوبة قادرة على أن تهزم النسيان.
وما تزال الحفريات والدراسات الآثرية الحديثة تعد بالكشف عن المزيد من النصوص والأرشيفات التي قد تفتح آفاقاً جديدة لفهم تاريخ هذه المملكة العريقة،د وتؤكد أن أوغاريت حتى اليوم لم تكشف بعد عن جميع أسرارها.
فهل تكون الرقم القادمة هي المفتاح لفهم أعمق لهذا العالم القديم؟ وهل تبوح أوغاريت أخيرًا بأسرارها الدفينة؟

الزمن وحده كفيل بالإجابة لكن ما هو مؤكد أن الكتبة الأوغاريتيين، بأقلامهم تركوا ما هو أبقى من الحجر..
وربما ذات يوم تحمل إلينا الحفريات الأثرية القادمة مفاجآت جديدة تُضيء أكثر على أولئك الكتبة والمفكرين العلاميين الذين شكّلوا منذ آلاف السنين ملامح أول حضارة عرفت أن القلم قد يسبق السيف وأن الطين قد يخلد أكثر من الحجر..

المراجع العلمية التي استند إليها البحث .
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””

Claude F. A. Schaeffer, Ugaritica، باريس.
Marguerite Yon, The City of Ugarit at Tell Ras Shamra.
Pierre Bordreuil & Dennis Pardee, A Manual of Ugaritic.
Dennis Pardee, Ritual and Cult at Ugarit.
PRU (Palais Royal d’Ugarit) المجلدات الخاصة بالنصوص القانونية والإدارية.
KTU (Die keilalphabetischen Texte aus Ugarit) النصوص الأوغاريتية المنشورة.
Juan Luis Cunchillos, Textes Ougaritiques II: Correspondance.
Michael C. Astour دراسات في تاريخ أوغاريت وعلاقاتها الدولية.
#عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.#
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم