كتب: د. غسان القيم..أوغاريت والعرش الإلهي: سرد سلالة الملوك بين التاريخ والطقوس.

أوغاريت والعرش الإلهي: سرد سلالة الملوك بين التاريخ والطقوس.
“””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””
تضيء النصوص الفخارية المكتشفة في موقعي رأس الشمرة ورأس ابن هانئ والتي تعود إلى الفترة الممتدة بين القرن الرابع عشر والثاني عشر قبل الميلاد جانبا بالغ الأهمية من التاريخ السياسي والديني لأوغاريت ذلك العصر الذي عرف اصطلاحاً بـ”العصر الذهبي” لمملكة أوغاريت. هذه المصادر الفريدة تكشف عن السلالة الملكية الأخيرة ثمانية ملوك تعاقبوا على العرش قبل الدمار النهائي للمدينة وعاصمتها وتسلط الضوء على العلاقة الوثيقة بين السلطة الملكية والطقوس الدينية.
تشير الوثائق المكتشفة إلى أن الملوك الأوغاريتيين استخدموا منذ بدايات عهدهم صكوكاً قانونية رسائل رسمية وأختاماً ملكية مثل ختم “يقارو بن نقماد” الذي أصبح رمزاً سلالياً استخدمه الخلفاء المتعاقبون لتأكيد شرعيتهم وربما لتذكير العامة والألهة بأن السلطة مستمرة ضمن سلالة واحدة. هذه الألواح والفخار بما تحمله من أسماء الملكية وطقوس العبادة تدل على وجود شبكة متكاملة من السلطة السياسية والدينية حيث يُعتبر الملوك المؤلهون جزءاً من الطقس الشعائري نفسه ويُستحضرون في طقوس العبادة حتى بعد وفاتهم.
لقد أظهرت النصوص المكتشفة من القرن الثاني عشر قبل الميلاد خصوصاً تلك التي تحمل الرقم /Rs24..257/ وأربع نصوص مكتوب بكتابة آكادية اكتشفت بين عامي 1988 و1994. قوائم ملكية متطابقة تقريباً ما يدل على نظام دقيق لحفظ التراتب السلالي عبر الأجيال وربطه بالطقوس الدينية وهو ما يعكس تقديس الأسلاف والاعتقاد في استمرار نفوذ الملوك المتوفين.
تؤكد هذه الوثائق على أن السلالة الأخيرة بدءاً من الملك عميشتمرو الثاني وحتى الملك الأخير عمورابي اعتمدت في التعاقب على وراثة الأبناء للعرش مع استثناءات محدودة كما في حالة نقيمبا السادس الذي خلف أخاه أرخلبو في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وتكشف المصادر أيضاً عن دور الملكة في النظام الملكي حيث كانت الملكة الحقيقية تحتفظ بلقبها طوال حياتها ولم تُمنح الملكة الجديدة اللقب إلا بعد وفاة الملكة الأم، كما يظهر في حالة الملكة الشهيرة أم الملك الأوغاريتي عميشتمرو الثاني”أخت ملك”.
لقد عكست هذه الوثائق الدور السياسي والدبلوماسي للملوك خصوصاً من خلال الزواج والطلاق المرتبط بالعلاقات التحالفية بين البلاطات الملكية حيث غالباً ما كانت الملكات من أصول أجنبية لتقوية التحالفات.
وفي المقابل كان للملك السيادة المطلقة على أراضي مملكته وإدارتها بينما كانت السلطة الدينية والإلهية تجسّد في دعم إيل للسلالة الملكية كما ورد في أسطورة “كرت”:
“هلكت أسرة الملك
في حلمه هبط إيل
في رؤياه أب البشر اقترب..
وهو يسأل كرت
كي يدمع عليه لطل إيل الممتاز؟”
هكذا كانت السلطة الملكية في أوغاريت تندمج مع الطقس الديني ليصبح الملك حضوره دائماً محسوساً في كل شؤون الدولة، ممثلاً للاله بعل على الأرض بينما يضمن إيل استمرار السلالة وشرعيتها عبر الزمن. تكشف هذه المعطيات عن مملكة متوازنة حيث
السياسة
الدين
والطقوس
تتلاقى لتصنع حضارة متماسكة تحافظ على هويتها حتى في وجه الدمار القادم.
أوغاريت إذن ليست مجرد مدينة أثرية بل مرآة لحضارة تعلّم الإنسان كيف يوائم بين العرش والسيادة بين الطقوس والسلطة وبين الحياة اليومية والقداسة لتظل أسماء ملوكها محفورة في الطين والذاكرة على حد سواء.

عاشق أوغاريت..غسّان القيّم.
.𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎

أخر المقالات

منكم وإليكم