محمود شُبر: ذاكرة معجونة بطين بابل وعطر الألوان
د. عصام عسيري
في حلقة استثنائية وعميقة من بودكاست (شي منسي)، أخذنا الإعلامي صلاح منسي في رحلة استثنائية عبر ذاكرة الفنان التشكيلي العراقي الدكتور محمود شُبر. لم يكن اللقاء مجرد استعراض لمسيرة فنان، بل كان وثيقة ثقافية ترصد تحولات المجتمع العراقي، تقاطعات الفن مع الدين، وقسوة الحروب التي شكلت وجدان أجيال كاملة.
منذ الدقائق الأولى، يضعنا شُبر في قلب تكوينه الأول؛ مسقط رأسه في الحلة بمحافظة بابل. تحدث بشغف عن أسد بابل ليس كقطعة أثرية جامدة، بل كجزء من هويته الشخصية والفنية، رافضاً النظريات التي تفصل بين هذا الأثر العظيم وبين بيئته البابلية ومكعباتها الهندسية التي قامت عليها العمارة آنذاك.
نشأ Mahmood Shubbar في بيت عائلة كبير أشبه بمتحف مصغر. كان والده خريج إيطاليا، وأعمامه من خريجي الفنون الجميلة. في ذلك البيت، وتحت ظلال تقاليد العائلة العراقية الأصيلة المتمثلة في السُفرة “الصُماط” الممتدة التي تجمع الأجداد والأحفاد، استنشق شبر رائحة ألوان الزيت والكتان والورنيش لأول مرة. تلك الروائح والنقاشات الفنية التي كانت تدور بين أفراد عائلته، هي التي شكلت وعيه البصري وأسست لعلاقته الأبدية مع اللوحة.
بغداد ومعهد الفنون، مصنع الجمال:
انتقاله إلى بغداد للدراسة في معهد الفنون الجميلة كان محطة فارقة. دخل المعهد متصدراً قائمة المقبولين بعد اختبار رسم فيه تمثال داوود للفنان الإيطالي مايكل أنجلو، لتبدأ مرحلة صقل الموهبة على يد عمالقة الفن العراقي. يصف شبر المعهد في تلك الحقبة بأنه مصنع الفن، مستذكراً التفاصيل الدقيقة؛ من ضبط الأساتذة للإضاءة على وجوه الموديلات، إلى حدائق الأعظمية ونهر دجلة، وتلك الروح التنافسية المحمومة بين طلاب المعهد وطلاب الأكاديمية.
صدمة العسكرة وتراجيديا شهداء يستأجرون التاكسي:
بينما كانت روح شبر تتشكل في أروقة الفن، باغته الواقع العراقي القاسي. فبمجرد تخرجه، انتُزع من بين اللوحات والألوان ليُزج به في معسكرات التدريب، ومنها إلى جبهات الحرب الإيرانية العراقية لست سنوات ونصف.
كان الانتقال من ملمس القماش وفرشاة الرسم إلى برودة البندقية ورائحة البارود زلزالاً نفسياً. في تلك الخنادق، حيث الموت يخطف الرفاق بلا مقدمات، وُلدت واحدة من أكثر أعماله إيلاماً: لوحة (شهداء يستأجرون التاكسي). الفكرة لم تأتِ من خيال سريالي، بل من واقع مرير حيث كانت شوارع بغداد تغص بسيارات الأجرة التي تحمل نعوش الشهداء الملتفة بالعلم العراقي، في مشهد يختزل عبثية الموت ورعبه.
الغياب القسري 15 عاماً في محراب التحريم:
لعل أكثر محطات اللقاء إثارة للشجون هي اعترافه باعتزال الرسم لخمسة عشر عاماً متواصلة. تحت وطأة أجواء الحرب والموت القريب، واللجوء إلى الدين كطوق نجاة، اصطدم شبر بفتاوى تحريم الرسم التشخيصي. خشي من العذاب الأخروي وترك شغفه الأول، ليقضي سنوات طويلة في صراع بين إيمانه العميق وفطرته الفنية.
لم يعد شبر إلى الفن إلا بعد دراسته العليا وتعمقه في الفن الإسلامي، حيث أدرك تنوع الاجتهادات الفقهية، وأن الفن في جوهره هو بحث عن الحقيقة والجمال المطلق، وكلها سبل تلتقي عند الخالق عز وجل. فعاد ليرسم من جديد، مبتدئاً بالتجريد قبل أن يستعيد مساحته التعبيرية بالكامل.
الشوبريالِزم حجر في البركة الراكدة:
لم يتوقف شبر عند حدود اللوحة، بل اقتحم المشهد الثقافي عام 2020 بإصدار بيان فني أسماه الشوبريالزم. أثار هذا البيان ضجة واسعة وهجوماً عليه، لكنه يبرر خطوته بأنها محاولة لكسر الجمود والركود الذي أصاب الفن العراقي منذ عقود. كان يهدف إلى لفت الانتباه إلى ضرورة التجديد وإعطاء مساحة للأجيال الحالية، وعدم البقاء أسرى لتمجيد جيل الرواد فقط.
نقد لاذع للمؤسسة الثقافية:
فتح شُبر النار على طريقة إدارة المؤسسة الثقافية في العراق. وفي قصة ذات دلالة مريرة، روى لقاءه بأحد وزراء الثقافة السابقين؛ حيث لفت انتباه الوزير إلى لوحة رديئة معلقة في مكتبه لا يتجاوز ثمنها 50 دولاراً، بينما يمتلك العراق كنزاً من أعمال جيل الرواد كجواد سليم وفائق حسن تُهمل وتتعرض للتلف بسبب سوء الإدارة وتتسرب عليها المياه في المتاحف.
انتقد شبر بشدة عجز المؤسسات عن تسويق الفن العراقي عالمياً، وافتقارها لآليات التعاون مع دور المزادات العالمية، مطالباً بتفكيك المنظومة الحالية وإعادة بنائها على أسس احترافية تقدر قيمة المبدع العراقي الذي تباع أعماله بملايين الدولارات في الخارج، بينما يعاني التهميش في وطنه.
في الختام الفن كحاجة وجودية، تجلى الجانب الإنساني والفلسفي لمحمود شبر. وجه رسالة حب دافئة ومؤثرة لابنه عبد الله المقبل على الزواج، متجاوزاً نصائح الآباء التقليدية ليؤكد له قوة المحبة الصافية.
وعندما طُرح عليه السؤال الوجودي: هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ أجاب بروح محملة بتجارب السنين، مستلهماً مقولة ديكارت بلسان فنان: (أنا أرسم.. إذن أنا موجود). رغم قسوة الحروب، ومرارة التهجير، وتقلبات الحياة، يبقى الفن هو الخلاص، وهو الأثر الجميل الذي يتركه الإنسان ليثبت أنه عبر من هذا النفق المظلم تاركاً خلفه بقعة من ضوء.
لمشاهدة اللقاء كاملاً والاستمتاع بهذا الحوار الثقافي العميق، على هذا الرابط:
https://youtu.be/DB2FXxTAKPc


