كتب: د. عصام عسيري..الفنُ أصلٌ استثماريٌ..الجزء الأول: لماذا ينافس العمل الفني الأسهم والذهب..

الفنُ أصلٌ استثماريٌ

الجزء الأول: لماذا ينافس العمل الفني الأسهم والذهب؟

د. عصام عسيري

لعل أكثر ما يثير الدهشة في الاقتصاد العالمي المعاصر أن لوحة مرسومة قبل خمسين أو مائة عام قد تحقق عائدًا ماليًا يفوق استثمارات تقليدية كثيرة، وأن قطعة فنية صغيرة قد تنتقل من مقتني لآخر بملايين الدولارات، في الوقت الذي تتراجع فيه أسهم شركات عملاقة أو تتذبذب أسعار السلع والأسهم والعملات. هذه المفارقة دفعت الاقتصاديين منذ سبعينيات القرن الماضي إلى التساؤل: هل الفن مجرد سلعة ثقافية، أم أنه أصل استثماري يمكن أن يحتل مكانًا داخل المحافظ المالية؟

الإجابة اليوم لم تعد مجرد فرضية، بل أصبحت مجالًا علميًا يُعرف باقتصاد الفن. فالمؤسسات المالية العالمية لم تعد تنظر إلى الأعمال الفنية بوصفها مقتنيات للزينة، وإنما باعتبارها أحد الأصول البديلة، وهي فئة تضم أيضًا العقارات الفاخرة، والمقتنيات النادرة، وبعض التحف ذات القيمة التاريخية. وتمتاز هذه الأصول بأنها لا تتحرك دائمًا مع حركة أسواق الأسهم والعقار، وهو ما يمنح المستثمر وسيلة لتنويع المصادر وتخفيف المخاطر.

ويؤكد الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل هاري ماركويتز أن تنويع الأصول هو أساس الاستثمار الرشيد، إذ لا ينبغي أن تعتمد الثروة على أصل واحد فقط. ومن هنا وجد كثير من مديري الثروات أن إدراج الأعمال الفنية ضمن المحافظ طويلة الأجل قد يسهم في تخفيف أثر تقلبات الأسواق المالية، مع إدراك أن الفن أقل سيولة وأكثر اعتمادًا على الخبرة والذوق.

ولعل عبارة المستثمر العالمي وارن بافيت: (السعر هو ما تدفعه، أما القيمة فهي ما تحصل عليه) تلخص فلسفة اقتناء الأعمال الفنية الجيدة. فاللوحة الأصيلة ليست رقمًا في مزاد فحسب، بل قيم جمالية وإبداعية، إنسانية وثقافية وتاريخية تتراكم بمرور السنين.

وقد أسهمت تقارير Art Basel & UBS في ترسيخ هذا المفهوم، إذ أظهرت أن نسبة متزايدة من أصحاب الثروات حول العالم تخصص جزءًا من محافظها للأعمال الفنية، ليس للمكانة الاجتماعية فقط، بل باعتبارها مخزنًا للقيمة على المدى الطويل، فهي الأغلى في المساحة والوزن. كما أن مؤشر Mei Moses Art Index، الذي يتابع أسعار الأعمال المباعة أكثر من مرة في المزادات، أصبح مرجعًا يستخدمه الباحثون لدراسة أداء سوق الفن مقارنة ببعض فئات الأصول الأخرى، مع التنبيه إلى أن النتائج تختلف باختلاف الأسواق والفترات الزمنية، وأن أداء الفن ليس مضمونًا إلا لمن يتخصص فيه مدة طويلة ولديه أداوات تسويق جيدة.

غير أن سوق الفن يختلف جوهريًا عن سوق الأسهم. فالمستثمر في البورصة يستطيع بيع أسهمه خلال ثوانٍ، بينما قد يحتاج بيع لوحة فنية إلى أشهر، وربما سنوات، حتى يجد المشتري المناسب. كما أن تقييم العمل الفني لا يعتمد على الأرقام المالية وحدها، بل على جودة الإنجاز، وندرة العمل، وسيرة الفنان الشهرة أو السمعة، والتوثيق، والمعارض، والمقتنيات المتحفية، والنقد المتخصص وعوامل أخرى لها اعتبارات بين المتداولين.

ومن هنا يمكن القول إن الفنان، من الناحية الاقتصادية، يشبه شركة مدرجة في البورصة. فكما يدرس المستثمر القوائم المالية للشركات، يدرس جامع الأعمال الفنية السيرة المهنية للفنان، جودة إنتاجه، عدد معارضه، وحضوره الثقافي، واستمرارية إنتاجه. وكل ذلك يشكل ما يمكن تسميته بالقيمة السوقية الثقافية.

ويشير الاقتصادي وليام بومول إلى أن الفنون تتمتع بطبيعة اقتصادية خاصة، لأنها تجمع بين المنفعة الثقافية والقيمة المالية في آن واحد. أما الباحثة رايتشل باونال، المتخصصة في اقتصاد الفن، فتؤكد أن الاستثمار في الفن يحتاج إلى رؤية طويلة الأجل ومعرفة بالسوق أكثر من اعتماده على المضاربات السريعة، لذا يُفضّل التعامل مع القالريهات الجيدة.

وفي المملكة العربية السعودية، ومع ازدهار الاقتصاد الإبداعي ضمن برامج رؤية 2030، تتزايد أهمية بناء سوق فنية احترافية تقوم على التوثيق والشفافية والخبرة، لأن قوة السوق لا تقاس فقط بحجم المبيعات، بل بثقة العاملين والمستثمرين والمقتنين والفنانين على حد سواء.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يمكن للفن أن يكون استثمارًا؟، بل أصبح: كيف نبني سوقًا فنية تجعل الاستثمار في الفن أكثر وعيًا وأقل مخاطرة؟.

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الجزء الثاني إن شاء الله.

أخر المقالات

منكم وإليكم