كتب الناقد الليبي: صلاح الدين راشد.عن الفنان: بشير بشير ..تشكيلي سوري ينتزع من الخط العربي قدسيته ليؤسس حوارا بين الفرد والجماعة.

بشير بشير ينتزع من الخط العربي قدسيته ليؤسس حوارا بين الفرد والجماعة
صلاح الدين راشد
الجمعة 2025/11/21
انشرWhatsAppTwitterFacebook

سيمفونية من القصاصات الدالة
تتجاوز أعمال الفنان السوري بشير بشير حدود اللوحة والسطح، لتغدو سجلا بصريا عميقا للوجود الإنساني في تجلياته الأكثر كثافة وتشظيا. إنها ليست مجرد تراكيب لونية وخطوط، إنما نصوص بصرية مكثفة تنبض بذاكرة مثقلة وتطلعات متوترة.

يكشف بشير عن وعي فنيّ يمزج ببراعة بين الروحانية الكامنة في الخط العربي – الذي ينتزع منه قدسيته التقليدية ليمنحه دفقا حيويا معاصرا – وبين السرد البشري المتناثر على رقعة الوجود. في هذا المزج، تلوح ظلال من التجربة الوجدانية لدى شاكر حسن آل سعيد الذي جعل من الحرف العربي كيانا روحيا وذاكرة مفتوحة، كما تحضر لمسة قريبة من روح بول كلي الذي تعامل مع الخط واللون ككائنين ناطقين يحملان أسرار الإنسان في صمته الداخلي.

الحرف لغة روحية

​في لوحات بشير بشير، يغدو التكوين أشبه بمعمار روحاني، بناء من الحالات الوجدانية المتراكمة. نرى الكولاج المقسم لا ليفصل العناصر، وإنما ليوحدها في سيمفونية من القصاصات الدالة. هذه التجزئة المتقصدة للساحة البصرية هي انعكاس لتفتت الذات ومحاولتها المضنية لترميم أجزائها المبعثرة.

في هذا التكوين المتشظي، يمكن أن نتلمس روح ضياء العزاوي في نزوعه نحو استعادة الإنسان المقهور داخل ذاكرة جماعية مكلومة، كما يمكن أن نجد صدى لتجربة بيكاسو في كسر البنية الشكلية لتصوير الألم الإنساني دون مباشرة أو استعراض. تظهر الأشكال الآدمية، عارية من تفاصيلها الزمانية والمكانية، ككيانات مُجردة، منهكة ومحتضنة في آنٍ واحد، مُذابة في تدفق اللون العفوي، ما يجعلها أكثر قربا إلى الرمز البدئي للآدمي المقهور والحي.

​الخط العربي، بأشكاله المتكسرة والمتدفقة، ليس زخرفة، إنه روح اللغة المنقوشة، صرخة صامتة أو ترنيمة داخلية. في بعض الأعمال يتحول إلى هيكل عظمي للعمل، خطوط سوداء عريضة ومتحررة ترقص فوق رقعة شطرنج من الألوان المشرقة والمتباينة، تشبه رموزا سحرية أو كفّا يخط القدر، وكأن الفنان يستعير قوة الحرف ليعبر عن اللا منتهى من المعاني غير القابلة للتحديد اللفظي.

في هذا الاستخدام للحرف كلغة روحية، نلمس قرابة بين بشير وتجربة محمد المليحي في المغرب وسامي برهان في سوريا، حيث يصبح الحرف كائنا حيا يختلط بالجسد وبالأرض، ليحمل بصمة الوجع والأمل، تماما كما في أعمال جوان ميرو التي تترجم البساطة إلى رمز للحرية والطفولة الكونية.

النثر البصري

​الدراما اللونية هي النبض الجوهري الذي يحرك هذه الأعمال. فالألوان ليست مجرد تعبئة، إنما هي طاقة خام. لذلك نجد تداخلا عنيفا بين الألوان الترابية الدافئة، التي ترمز إلى الجذور والأصل، وبين الأزرق السماوي والأصفر المشع، اللذين يمثلان الهروب والتجرد والأفق المفتوح.

PreviousNext
هذا التناغم المتوتر يخلق شعورا بالاغتراب والتوحد في آن. التلطيخ والفرشاة العريضة تمنح التكوين حسّا قويا بالوجود المادي للرسام واللوحة، وكأننا نشهد عملية التشكيل في لحظتها البدئية. هنا تقترب التجربة من حسية فان غوخ المشتعلة بالانفعال الوجداني، ومن التجريب اللوني لدى مارك روثكو الذي جعل من اللون فضاء للتأمل والتطهر.

​إن أعمال بشير بشير هي حوار متواصل بين الفردانية والجماعية. ففي قلب الكتل الملونة، تظهر تجمعات بشرية صغيرة، همسات من الحشود، أفراد يتكاتفون أو يتنافرون داخل سياق أكبر، يذكرنا بالإنسان كجزء لا يتجزأ من جداريه المجتمع والذاكرة المشتركة.

هنا يمكن أن نتذكر لوحات جياكوميتي التي اختزلت الإنسان في هيئة نحيلة لكنها شامخة، أو أعمال محمود سعيد التي التقطت نبض الجسد الشعبي في وهجه الإنساني العميق. هذه اللوحات هي إطلالة على كينونة بشرية تبحث عن ملاذ روحي ومرساة في عالم مضطرب، حيث الفن هو الشهادة الوحيدة الباقية على أن الروح لا تزال تقاوم، ترسم وتكتب مصيرها بجمال قاس وعميق.

​هذا هو النثر البصري لبشير بشير، نثرٌ كثيف ومتدفق، يروي حكاية الإنسان الأزلية، ويؤكد أن الفن حين يخرج من رحم المعاناة، يغدو شهادة على أن الجمال ليس ترفا، بل خلاصا إنسانيا عميقا من جحيم العدم.

انشرWhatsAppTwitterFacebook

صلاح الدين راشد
كاتب ليبي

أخر المقالات

منكم وإليكم