كتب الصحفي: محمد فتيلينه.حين تتحوّل الكائنات الورقية إلى ذاكرة حيّة.بالشخصية المفهومية..لان الرواية تجربة تُعاش،وليست فقط حكاية تُروى.

!
الشخصية المفهومية: حين تتحوّل الكائنات الورقية إلى ذاكرة حيّة
 
ليست الرواية حكاية تُروى بقدر ما هي تجربة تُعاش. وما يجعل هذه التجربة قابلة للاستمرار، بعد إغلاق الكتاب بسنوات، ليس الحدث ولا الحبكة وحدهما، بل تلك الكائنات الغامضة التي تتحرك داخل النص، وتخرج منه لتستقر في أذهان القراء. هنا، بالضبط، تولد الشخصية المفهومية: شخصية لا تؤدّي دورا سرديا فحسب، بل تنهض بوظيفة فكرية، رمزية، ووجودية. شخصية لا نستهلكها بالقراءة، بل تستهلكنا هي بالأسئلة.
في منتصف القرن العشرين، زمن التحوّلات الكبرى، حيث كانت بعض المجتمعات قد خرجت من سيطرة الاستعمار، أو تأزّمت مصائرها داخل الحداثة، أو بدأت تبحث عن تعريف لعلاقة أفرادها بالسلطة والمرأة والمعرفة، برزت شخصيات روائية تجاوزت إطارها الفني، وغدت علامات ثقافية فارقة. لم تكن تلك الشخوص الروائية متشابهة في تكوينها النفسي، أو الاجتماعي، لكنها اشتركت في قدرتها على تمثيل مأزق إنساني عام داخل جسد فردي خاص.
سي السيد: السلطة حين تجسدت في الحواري والأزقة
من تراه يجهل سي السيد في ثلاثية «بين القصرين» بطل نجيب محفوظ؟ لا يُشد القارئ لشخصية رجل بقدر ما يقرأ نظاما اجتماعيا. سي السيد ليس طاغية استثنائيا، بل أب عادي في مجتمع عادي، وهنا تكمن خطورته. سلطته لا تُمارَس بالصراخ فقط، بل بالروتين، بالعرف، وبالتقاليد التي لا تُناقش. هنا، تتجلّى الشخصية المفهومية في هذا الازدواج: صرامة داخل البيت، والتهتك خارجه. كأن محفوظ يقول، إن السلطة الأبوية لا تعيش إلا بهذا الانشطار الأخلاقي. لذلك ظلّ سي السيد حيا في الذاكرة، لأنه لم يكن فردا يُدان، بل بنية يُتواطأ معها. القارئ لا يكرهه تماما، ولا يبرّره، بل يتعرّف عليه، وربما على جزءٍ منه في داخله.
مصطفى سعيد: سؤال ما بعد الاستعمار
في «موسم الهجرة إلى الشمال»، عاد البطل مصطفى سعيد إلى السودان بعد أن عاش في «بلاد تموت من البرد حيتانها»، ليتعرف عليه القارئ شخصية مفهومية هلامية، ليس بطلا ولا ضحية، بل أشبه بسؤالٕ متحرّك. عبقري، مثقف، جذّاب، لكنه محمّل بتاريخ لا يهدأ. لم تكن شخصيته سيرة ذاتية، بل محاكمة رمزية لعلاقة الجنوب بالشمال، وللوهم الذي يقول، إن المعرفة وحدها تكفي للتحرّر. لا تكمن قوة مصطفى سعيد في ذكائه، بل في غموضه. إنه لا يمنح القارئ مفاتيحه كاملة. يتحدّث ثم يصمت، يعترف ثم يراوغ، كأن الرواية نفسها ترفض أن تقدّم حكما نهائيا. وهنا تبلغ الشخصية المفهومية ذروتها: حين لا تُغلق، بل تظلّ مفتوحة على احتمالات القراءة، لذلك يعود القرّاء إلى الرواية، لا ليعرفوا ماذا حدث، بل ليعيدوا التفكير فيمن هو مصطفى سعيد حقا.
خوسيه أركاديو بوينديا: حين يتحوّل الغرائبي إلى لعنة
في «مئة عام من العزلة»، لا يقف خوسيه أركاديو بوينديا كشخصية مركزية فحسب، بل كـمؤسِّس لزمنٍ كامل. هو الأب، الحالم، المجنون، والعالم البدائي الذي يريد تفسير الكون، فينتهي أسيرا لأوهامه. الشخصية المفهومية هنا لا تعمل على مستوى الفرد، بل على مستوى السلالة والتاريخ. بوينديا هو الإنسان اللاتيني وهو يحاول أن يفهم العالم بأدوات ناقصة، فيقع في التكرار. لذلك لا يُنسى، لأنه لا يمثّل نفسه، بل يمثّل دورة التاريخ حين تفشل في التعلّم من ذاتها. المفهوم يتجسّد في الفعل: البحث الدائم، والعجز الدائم عن الوصول.
الشيخ كيان: حين يتحوّل الخطاب إلى سلطة
في «عرس بغل» للطاهر وطار، يبرز الشيخ كيان كشخصية إشكالية بامتياز. ليس مجرد شيخ، ولا مجرد رمز ديني، بل بنية خطابية تتحرك داخل مجتمع مأزوم. من خلاله، تُطرح أسئلة السلطة والشرعية، ومن يملك حق الكلام باسم الجماعة.
الشيخ كيان شخصية مفهومية، لأنها لا تُقرأ نفسيا فقط، بل سياسيا وثقافيا. إنه مثال على كيف يمكن للغة أن تتحوّل إلى أداة هيمنة، وكيف يمكن للقداسة أن تُستثمر لإدارة الخوف، ولذلك ظلّ حاضرا في الذاكرة الجزائرية، لأنه لم يكن شخصية زمنها فقط، بل نبوءة مبكرة.
مدام بوفاري: شهوة المعنى قبل شهوة الجسد
«مدام بوفاري» ليست امرأة خائنة فقط، بل امرأة مخدوعة بالخيال. قرأت الروايات الرومانسية، فظنّت أن الحياة وعدٌ دائم بالدهشة. وحين اصطدمت بالواقع، لم تستطع التفاوض معه، فاختارت الهروب. قوة هذه الشخصية تكمن في أنها تفضح التناقض بين ما نرغب فيه وما نعيشه. لذلك لم تبقَ إيما بوفاري في القرن التاسع عشر، بل عادت في كل زمن، بأسماء مختلفة، وأشكال جديدة. إنها شخصية مفهومية لأنها تمثّل فشل الحلم حين يُنتزع من شروطه الاجتماعية. القارئ لا يحاكمها بسهولة، لأنه يعرف أن جزءا من خيباتها يسكنه.
لماذا بقيت هذه الشخصيات عالقة في الذاكرة؟
لأنها لم تُكتب على عجل. لأنها لم تُصمَّم لإرضاء القارئ، بل لإزعاجه. الشخصية المفهومية لا تسعى إلى التعاطف السهل، بل إلى التورّط. تجعل القارئ شريكا في السؤال، لا مستهلكا للمتعة. كما أن هذه الشخصيات وُلدت في زمن كان الروائي فيه يملك صبرا على البناء، وعلى التراكم، وعلى تعقيد النفس البشرية. لم تكن الرواية خاضعة لمنطق السرعة، ولا لسوق الجوائز، ولا لسلطة «القابلية للتحويل» إلى منتج.
هل تخلى الروائيون الجدد عن الشخصية المفهومية؟
السؤال في ظاهره اتهامي، وفي عمقه ملتبس. لأن التخلي فعلٌ واعٍ، بينما ما نعاينه في كثير من الروايات الجديدة أقرب إلى تحوّل في شروط الكتابة، لا إلى قرار جمالي صريح بإقصاء الشخصية المفهومية. فالشخصية، بوصفها مركزا للمعنى، لم تختفِ تماما، لكنها فقدت امتياز السيادة الذي كانت تحوزه في الرواية الكلاسيكية والحديثة معا. ربما لم يتخلّوا عنها، لكنهم يكتبون في زمن أصعب. زمن تشظّي الهوية، وانهيار السرديات الكبرى، وتراجع اليقين. الشخصية اليوم لم تعد قادرة دائما على حمل مفهوم كامل، لأن العالم نفسه فقد مركزه. ومع ذلك، لا تزال الشخصية المفهومية ممكنة، لكن بشروط جديدة: أن تكون أقل ادّعاء، أكثر هشاشة، وأقرب إلى الصمت.
أول ما ينبغي قوله إن الزمن تغيّر. الروائي القديم كان يكتب داخل عالم له مركز واضح: أب، دولة، استعمار، مدينة، طبقة، أيديولوجيا. لذلك كان قادرا على صهر هذه البنية في شخصية واحدة، تحمل التناقض كله، وتتحمّل عبء الدلالة. أما الروائي الجديد، فيكتب داخل عالم مفكك، بلا مركز. السلطة لم تعد وجها واحدا، بل شبكة. الهوية لم تعد سردية متماسكة، بل شظايا. والذات نفسها صارت موضع شك. في مثل هذا السياق، تصبح الشخصية المفهومية عبئا أكثر منها حلا. فكيف يمكن لشخصية واحدة أن تختزل عالما لم يعد يؤمن بالاختزال؟ هنا يبدأ التحوّل: لا غياب للشخصية، بل تفكيك لوظيفتها.
ثمّة سبب ثانٍ أكثر حساسية: هيمنة الشكل على الجوهر. كثير من الروايات المعاصرة تُفتن بالبنية، باللعب الزمني، بتداخل الأصوات، بالتجريب اللغوي. وهذا في حد ذاته مشروع. لكن حين تتحوّل التقنية إلى غاية، تتراجع الشخصية إلى مجرّد أداة تحريك، بلا عمق كافٍ لتوليد مفهوم. الشخصية هنا تمرّ، تُستعمل، ثم تُترك. لا تُمنَح زمنا داخليا، ولا تُختبر أخلاقيا. وهنا لا بد من التمييز بين الشخصية الهشّة والشخصية السطحية. الهشاشة يمكن أن تكون خيارا جماليا عميقا، يعكس قلق العصر. أما السطحية، فهي نتيجة استعجال أو افتقار إلى الرهان. كثير من الروائيين الجدد يكتبون شخصيات لا تعيش بما يكفي داخل النص، لأن النص نفسه يخشى التورّط، ويكتفي بالإيحاء.
السبب الثالث، وربما الأشدّ تأثيرا، هو تغيّر علاقة القارئ بالشخصية. القارئ اليوم أقل صبرا، أكثر تنقّلا، وأقرب إلى الاستهلاك السريع. الرواية لم تعد الوعاء الوحيد للحكاية؛ هناك المسلسل، المنصّة، الفيديو القصير. في هذا السياق، يُغرى الكاتب بتقديم شخصيات «خفيفة»، قابلة للفهم السريع، بدل شخصيات ثقيلة تحتاج إلى معاشرة طويلة. لكن هذا لا يعني أن زمن الشخصية المفهومية انتهى، بل يمكن القول إنه دخل مرحلة كمون. الشخصية المفهومية اليوم لا تأتي صاخبة، ولا مركزية دائما. قد تكون هامشية، صامتة، أو حتى غائبة ظاهريا. لكنها حين تنجح، تنجح لأنها تمثّل مأزقا وجوديا لا لأنّها تدّعي تمثيل عصر كامل. هناك أيضا عامل الخوف. الشخصية المفهومية تتطلّب شجاعة. لأنها تضع الكاتب في مواجهة مباشرة مع السلطة، أو المجتمع، أو المسكوت عنه. كثير من النصوص الجديدة تفضّل السلامة الرمزية، فتكتب شخصيات مائعة، لا تجرح، ولا تُدين، ولا تُحرج. في هذه المنطقة الآمنة، تصعب ولادة شخصية تحمل مفهوما حادا.
رغم كل ذلك، فإن القول بأن الروائيين الجدد عجزوا عن توليد الشخصية المفهومية فيه تبسيط. الأدقّ أن نقول إن الشخصية المفهومية تغيّرت شروط ولادتها. لم تعد تُصنع عبر التراكم الكلاسيكي وحده، بل عبر الالتقاط الذكي لتفاصيل صغيرة، مشروخة، لكنها دالّة. شخصية بلا خطاب كبير، لكنها مشبعة بالقلق. بلا بطولة، لكنها مشحونة بالمعنى.
الشخصية بوصفها موقفا من العالم
الشخصية المفهومية ليست تقنية سردية فحسب، بل موقف أخلاقي وجمالي. هي قرار الكاتب بأن يمنح القارئ كائنا يعيش معه، لا فكرة يستهلكها. لذلك، حين نعشق الرواية، فإننا نعشق تلك اللحظة النادرة التي نشعر فيها بأن شخصية ما فهمتنا أكثر مما فهمنا أنفسنا.
وتلك، في النهاية، هي معجزة الأدب.
كلمات مفتاحية
محمد فتيلينه

************************************
المصادر:
– موقع :الجمعية العراقية للتصوير
– مؤسسة تراثنا   Turathuna – بحمص
– الإتحاد العربي للثقافة
– موقع: الراية
– الإتحاد العربي للثقافة
– مجلة العربي الكويتية الورقية.
– ،.،المصدر: مصراوي،،،،،،،
– موقع الجزيرة .نت
– موقع «الشرق الأوسط»
– موقع تلفزيون سورية
– موقع (اليوم السابع)
– موقع: الرأي ميديا
– موقع صحيفة عكاظ
– موقع : العربية .نت
– موقع الجزيرة .نت
– موقع النهار العربي
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع القدس العربي
– موقع الشرق الاوسط
– مجلة الحرف والكلمة
– الإتحاد العربي للثقافة
– موقع :صحيفة سبق الإلكترونية.
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN
.bbc /arabic
– موقع موزاييك
–  جريدة الدستور
– موقع العربي الجديد
– سكاي نيوز عربية – أبوظبي
– موقع سبق- اليوم السابع
– الإمارات اليوم
– العربية .نت – الرياض
-صحيفة الثورة السورية
– موقع المصرى اليوم
– مواقع تواصل إجتماعي – فيس بوك – ويكبيديا
– مجلة فن التصوير
– إيليت فوتو آرت: https://elitephotoart.net
**********

أخر المقالات

منكم وإليكم