
خزيمة علواني
رسام ترك حصانه واقفاً وألوانه تقاوم المأساة
…
لم يكن خزيمة علواني فناناً عابراً في المشهد التشكيلي السوري، ولا اسماً يُذكر في سياق الاستعراض أو التعداد، بل كان حالةً فنية وفكرية كاملة، تشكّلت ببطء، ونضجت على تخوم القلق، وعاشت عمرها كله في منطقة الاشتباك بين الجمال والمأساة، بين التراث والحداثة، وبين اللوحة بوصفها متعة بصرية واللوحة بوصفها موقفاً أخلاقياً من العالم.
برحيله، في الحادي عشر من ديسمبر الجاري، عن عمر ناهز الحادية والتسعين، لم يفقد الفن السوري فناناً فقط، بل خسر صوتاً بصرياً كان يَرى أبعد مما يُرى، ويقول أكثر مما يُقال.
الرحلة نحو الوعي
وُلد خزيمة علواني في مدينة حماة عام 1934، في زمنٍ كانت فيه المدينة تعيش إيقاعها الخاص بين نواعير العاصي، والبيوت الحجرية، والأسواق القديمة، والذاكرة الجمعية الثقيلة بتاريخٍ طويل من الحضارات والصراعات. لم تكن حماة مجرد مكان ولادة، بل كانت أول مخزن بصري ووجداني للفنان، حيث تشكّل وعيه الأول على ثنائية الماء والحجر، الدوران والثبات، وهو ما سيعود لاحقاً في أعماله على شكل حركة داخلية دائمة، حتى في أكثر اللوحات سكوناً.
بدأ مشواره الفني مبكراً، مدفوعاً بموهبة واضحة، لكن ما ميّز علواني منذ بداياته هو رفضه الاكتفاء بالموهبة وحدها. كان يدرك، منذ سنواته الأولى، أن الفن لا يُصنع بالعفوية وحدها، وأن اللوحة التي لا تقوم على معرفة عميقة، واحتكاك حقيقي بالعالم، ستظل ناقصة مهما بدت جميلة. لذلك، شدّ الرحال إلى روما، المدينة التي كانت في ستينيات القرن الماضي مختبراً حياً للفنون الحديثة، ومتحفاً مفتوحاً لتاريخ الفن الغربي.
في روما، درس التصوير الزيتي والديكور المسرحي، وحصل عام 1961 على دبلوم في الرسم والتصوير الزيتي من أكاديمية الفنون الجميلة، ثم تابع دراسته ليحصل عام 1964 على دبلوم في هندسة الديكور المسرحي والتلفزيوني والسينمائي. لم يكتفِ بذلك، بل جمع دبلومات متعددة في الخزف والسيراميك، والنحت، وفن الإعلان والزخرفة، والرسم الهندسي من مدرسة سان جاكومو للفنون التطبيقية. هذا التنوّع الأكاديمي لم يكن ترفاً معرفياً، بل كان بحثاً واعياً عن لغة تشكيلية شاملة، ترى اللوحة بوصفها فضاءً معمارياً، وحركة مسرحية، وبنية ضوئية، لا مجرد سطح ملوّن.
هناك، في أوروبا، احتكّ علواني مباشرة بالتجارب الحداثية الكبرى: السوريالية، التكعيبية، التعبيرية، ووقف طويلاً أمام أعمال بيكاسو وماتيس، واعتبرهما من أساتذته الروحيين. لكنه، على خلاف كثيرين من أبناء جيله، لم يقع في فخ التقليد. كان واعياً لمفارقة عميقة سترافقه لاحقاً: أنه اكتشف جزءاً كبيراً من تراثه الحضاري الشرقي وهو يتأمله معروضاً في متاحف أوروبا. تلك الصدمة المعرفية أعادت توجيه بوصلته الفنية، ودفعت به إلى طرح سؤال الهوية بوصفه سؤالاً مركزياً في تجربته.
عاد خزيمة علواني إلى دمشق محمّلاً بخبرة تقنية وفكرية واسعة، ودخل عالم التلفزيون العربي السوري والمسرح القومي مصمماً للديكور والإضاءة. في تلك المرحلة، أسهم في تطوير المشهد البصري للأعمال الدرامية والمسرحية، واضعاً خبرته المعمارية والضوئية في خدمة الصورة، ومؤمناً بأن الفضاء المسرحي لا يقل أهمية عن النص أو الأداء.
ومع تراكم التجربة، انتقل إلى التعليم الأكاديمي في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، حيث عمل أستاذاً لسنوات طويلة. لم يكن التعليم بالنسبة له وظيفة، بل امتداداً لرسالته الفنية. ترك أثراً واضحاً في أجيال من الفنانين، لا عبر تلقين التقنيات فحسب، بل عبر زرع القلق الإبداعي، والدفع نحو السؤال، والتمرّد على السائد. كان يعلّم طلابه أن اللوحة التي لا تخلق جدلاً مع المتلقي، لا علاقة لها لا بالتراث والواقع.
التشكيل بوصفه موقفاً
في منتصف السبعينيات، تابع بحثه العلمي في باريس، وحصل عام 1977 على شهادة الدكتوراه من مدرسة الفنون الجميلة (البوزار). باريس لم تكن محطة علمية فقط، بل كانت فضاءً فكرياً صاخباً، احتكّ فيه علواني بالنقاشات الثقافية والسياسية، وتبلورت لديه قناعة راسخة بأن الفن لا يمكن فصله عن قضايا الإنسان والعدالة والهوية. كان يرى أن الفنان، حتى لو لم يقصد السياسة، يجد نفسه معنياً بها، لأن الفن في جوهره موقف من الحياة.
انعكست هذه القناعة بوضوح في أعماله التشكيلية. اشتبك علواني في لوحاته مع المأساة الإنسانية، ومع قضايا الأمة العربية، وفي مقدمتها فلسطين. أعاد استلهام لوحة «غرنيكا» لبيكاسو بطريقته الخاصة، لا بوصفها أيقونة فنية فحسب، بل بوصفها نموذجاً للتعبير عن الفاجعة. في لوحات اليرموك، وصبرا وشاتيلا، لم يكن يرسم الحدث، بل يرسم أثره النفسي والوجودي.
ومن بين كل الرموز التي اشتغل عليها، برز الحصان العربي الجريح بوصفه الثيمة الأكثر حضوراً وعمقاً في تجربته. الحصان عند علواني لم يكن عنصراً زخرفياً أو استعارة جمالية، بل رمزاً مركزياً للعروبة، للكرامة، وللروح الثائرة التي تتلقى الطعنات لكنها لا تسقط. كان يرسم الحصان مثخناً بالجراح، مخترقاً بالسهام، لكنه واقف، أو في لحظة نهوض، كأن الألم ذاته صار وقوداً للأمل. الألوان في هذه اللوحات لم تكن اعتباطية؛ كان يختارها وفق الحالة النفسية، والمرحلة التاريخية، والتجربة الشخصية التي يعيشها.
إلى جانب الحصان، حضرت في أعماله رموز أخرى: الحمامة الجريحة، الطيور الجارحة، الحرائق، الطبيعة الصامتة، والشخصيات الإنسانية الهجينة، التي يتداخل فيها البشري بالحيواني في أجواء أسطورية سريالية. لم يرسم الحمامة بوصفها رمز سلام مجرداً، كما فعل بيكاسو، بل بوصفها كائناً مرتبطاً بالثقافة العربية والموروث الديني، رمزاً هشاً ومعذّباً، لا أيقونة مثالية.
استقى علواني لوحاته من مصادر حضارية متعددة: بابلية، آشورية، مصرية، ومن التراث العربي الإسلامي، مستخدماً الأختام الأسطوانية، واللبوة الجريحة، والعناصر الرمزية القديمة، في محاولة واعية لتأصيل الفن الحديث في جذوره الحضارية. كان يرى أن عودة الفنان العربي إلى تراثه ليست نكوصًا، بل فعل مقاومة ثقافية في وجه الغزو والذوبان.
بسبب هذا الاشتباك الدائم مع السائد، ومع السلطة الجمالية المريحة، أُطلق عليه لقب «الفنان المشاغب». كان يتعمّد كسر المتوقع، لا بدافع الاستفزاز، بل بدافع التحريض الفكري. كان يؤمن بأن الاستمتاع ضروري، وأن إثارة الخيال جوهر العمل الفني، لكن ذلك لا يكفي. الفن العظيم، في رأيه، هو الذي يحمل موقفاً ودراما إنسانية خلف التقنية واللون.
رحلة القلق الإبداعي
شارك خزيمة علواني في عدد كبير من المعارض الفردية والجماعية داخل سورية وخارجها، وصولاً إلى بينالي البندقية، وأنجز ست عشرة لوحة جدارية في سورية وبلجيكا. اقتنت أعماله وزارة الثقافة السورية، والمتحف الوطني بدمشق، ومتحف دمر، ووزارة الداخلية في بلجيكا، إضافة إلى مجموعات خاصة. كما كان من الأعضاء المؤسسين لنقابة الفنون الجميلة، وأسّس مقهى الفنانين في معرض دمشق الدولي، بوصفه فضاءً للحوار والاحتكاك الثقافي.
رغم هذا الحضور الواسع، ظل علواني بعيداً عن الاستعراض. عاش الفن بوصفه رحلة قلق، لا مهنة مريحة. كان يعيش قلق الهوية، وصراع الحداثة مع الأصالة، ويرى أن هذا الصراع قدرٌ لا مهرب منه، بل محرّك أساسي للإبداع.
برحيل خزيمة علواني، يُطوى فصلٌ من مغامرة فنية آمنت بأن اللوحة فعل مقاومة، وبأن الجمال لا ينفصل عن الألم، ولا عن الأمل. رحل الجسد، وبقي الحصان واقفاً في لوحاته، شاهداً على فنانٍ لم يرسم العالم كما هو، بل كما يجب أن يُفهم… ويُسأل.
عبد الكريم البليخ
كاتب وصحافي سوري


