كتب الشاعر: فادي ناصر الدين..مقالة بعنوان: “قلعة محكيتنا الأثرية “- مشاركة: يوسف ركة

“قلعة محكيتنا الأثرية “
مقالة الكاتب والشاعر فادي ناصر الدين
في عدد اليوم من ” عكس السير “
Fadi Nassereddine

في قلعة شعرنا المحكيّ التراثيّ الأثريّ العتيق والحديث في آنٍ معاً! تشكيلةٌ واسعة من المفردات الغالبة، وروزنامة زراعيةٌ غنيّةٌ بالحبوب والثمار، بالسهول والهضاب والتلال. قلعةُ شعرنا المحكيّ «سلّةٌ» غذائيّةٌ تراثيّةٌ عارمة. مشتلٌ للقصيدة، وملفى للطيور. سنسبر غورَها ونمضي فيها ومعها على مختلف جغرافيا هذه المحكية، وسندخل متحفَ مفرداتها من باب معجمها التقني، ونحاول مَلءً سلّتنا هذه، بمختلف أنواع الحشائش والبقوليات والقطافات وبالأحجار الكريمة.
في بستان محكيتنا زعترٌ وسماق. ماءٌ وهواءٌ، رملٌ وصخرٌ وغناء، خضارٌ وفاكهة. سُمْسُمُ الحكايات والأساطير، مسبحة الدرويش ورُمّانُ المجانسة. في محكيتنا جوزٌ وتين وأساليبُ حياة ومائدةٌ طويلة، قمحٌ وملحٌ، مقابرُ وأفلاك، فرسانٌ، وبيوتٌ من تراب، قوافٍ تبحث عن معنى تَرْكُنُ إليه. الكأس حاضرةٌ والمرجلةُ وشلعة الماعز والقصبُ الحزين.
سلّةٌ غذائيّةٌ كاملة لمحكيتنا. بقدونسٌ وجرجيرٌ، أرزٌ وسنديانٌ، لؤلؤٌ وياقوتٌ ومرجان. شاعرُ المحكيّة بقّالٌ وعطّارٌ وخبيرُ أعشاب، وحين يمتطي هودج استعاراته، يزهر البابونج ويَحْمَرُّ الزعفران، ويعبق حبقُ المزاهر ومردكوش المعاني، وتَعصُرُ الصلوات عنباً لعسل البدايات. شاعر المحكيَّةِ قصابٌ لكل أنواع الحجارة والصخور الصوانيّة. شاعرُ المحكيّة يقارع صفيرَ الريح وشتلةَ الصبّار، ويثني على السهل، وكثيراً على «الأنبريس والمكدوس» وكرمِ الضيافة، وذهبيّة الكثبان.
في ربوع محكيتنا، تبغٌ ودفلةٌ وطيّون، أنهرٌ، سواقي، وديانٌ، جبال، وتضاريس. الفلوكةُ والميناء وأبوابُ المدينة وعصافيرها. قرنفلةُ الأبجدية وحوافر الريح في سباق الخيل. الملحُ العالق على شفرات زعانف مراكب البحارة والصيادين، والوردُ والزهرُ وأرصفةُ المقاهي والنساءُ العابرات وسكّةُ الترامواي والكعبُ العالي وسيقانُ «المني جيب»، وساحةُ البرج، وبيروت المدينة «بحر بر جو»، والعيون السود.
في غابة محكيتنا، نحلٌ وبلوطٌ وأحراشُ الصنوبر الشاهق، حيث يتسابق الشعراء على تسلّق الصنوبرة الطويلة الممشوقة لقطف أكوازها. في محكيتنا كفرٌ وهلاك، لصوصٌ وقديسون وأنبياء. فلاحون ونبلاء. وفي لحظةٍ تتحول السلة إلى «كَرْكَة»، تسيل في عروقها لهجاتنا المحليّة وإيقاعاتُ أرواح شعرائنا الممزوجة بأوزان الشعر، مُقَطِّرةً مآذنَ وأجراساً وحوافِرَ خيلِ فخر الدين وقمحاً للصالحين، وفي غفلةٍ تَسْتَدِل القوافي إلى حنجرة مولاتنا فيروز، حينها تتحول القصائد إلى نفائس، فينتشي الشعر، وتتحول سلال مواسمنا إلى قلاع ومنافٍ وزرقةِ سماء وغيمٍ كثيف، والى صلواتٍ وحداء.
في محكيتنا، صيفٌ وشتاء، آلهة، عمّالٌ ومزارعون، سنابل قمح، عتقُ خُوابٍ ومفردات، ومناديلُ تلوح من فوق السطوح لترشد قافلةَ الجِّمال إلى درب القصيدة المعبّدة بصوت الحداء الآتي من بعيد. الكزبراء وباذنجان الأرامل وقرنبيط الدلالات وتماثل الملفوف، وأسماءُ القرى وعشبُ الغياب ورذاذُ الضباب وهديلُ الحمام وقرميدُ الأماني وقزّازةُ القنديل وشحتارُ المرايا وهتافاتُ الثائرين ورثاءُ الراحلين، ونبيذُ أرواحنا حين يُعْتَصر الأنين زيتاً وحنين.
في محكيتنا أعشاشُ العصافير المغردة وجبالُ القمامة الشاهقة وترانيم الحساسين ورمحٌ أصاب صاحبه، وشاهدُ قبرٍ مزخرفٍ بقصيدة كُتِبَت بقلم الله، ينعى فيها شاعراً كتب قصيدته الأخيرة على بحرٍ عميق وغرق فيك.

أخر المقالات

منكم وإليكم