كتب الدكتور: عصام عسيري.مقالة عن الخط العربي: بين قداسة النص وجماليات الحضارة.إحتفالا باليوم العالمي للغة العربية.

الخط العربي: بين قداسة النص وجماليات الحضارة

د. عصام عسيري

يسعدني أن أضع بين أيدي القرّاء هذا المقال المنشور ضمن عددٍ خاص احتفاءً باليوم العالمي للغة العربية، الصادر عن جامعة جدة، والذي ضمّ كتابات نخبة من منسوبيها من أعضاء هيئة التدريس والطلاب من مختلف التخصصات. لقد جمعتنا لغتنا العربية، كما جمعتنا جامعتنا، في احتفاءٍ بالهوية والمعرفة والجمال.

يحظى القرآن الكريم بفضلٍ عظيم على العرب ولغتهم، فضلٍ باقٍ ما بقي الزمان؛ إذ ارتبطت العربية منذ اللحظة الأولى بالوحي الإلهي، واختصها الله بأن تكون لغة كتابه الخالد، ولسان نبيّه محمد ﷺ، الذي بعثه هدىً ورحمةً للعالمين. ومن هذا الارتباط العميق بين النص المقدس واللغة، وُلد الخط العربي بوصفه فناً روحياً وجمالياً، لا مجرد وسيلة للكتابة والتدوين.

في عهوده الأولى، ولا سيما في منطقة الحجاز مهبط الوحي، نسخ الخطاط المسلم القرآن الكريم بخطوطه الأولى، المكي والمدني المعروفين بيبسهما وليونتهما. ولم يكن النسخ فعلاً تقنياً محضاً، بل ممارسة تعبدية عميقة؛ إذ كان الخطاط يستشعر قوى روحية تجعله يقدّس ما يكتب، ويُنزّه الحرف، ويُجمل ويجوِّد الصورة، محتسباً الأجر عند الله. فهذه المصاحف التي تخرج إلى الأمصار، تتداولها القرى والقبائل والأمم، تحفظ القرآن وتتلوه، وإذا كان للحرف الواحد عشر حسنات، فكم لمن يكتبه، وينقله، ويعلّمه؟

تحمّل الخطاط المسلم هذه المهمة الجمالية والروحية الكبرى، فكان الخط في قلب فن الأمة وروح تراثها الكتابي. ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وتطوّر العمران والفكر، بدأ فن الخط العربي يشهد تحولات نوعية، خاصة في العصر الأموي، حيث ظهرت قواعده وضوابطه من حيث شكل الحرف، والإعجام، والنقط، وبناء الكلمات، والعلاقات البصرية بين الحروف. وبلغ هذا الفن ذروة كماله ونضجه في نهاية العصر العباسي، حين أحصى المؤرخون ما يزيد على ثمانين نوعاً من الخطوط العربية، وهو ما يعدّه مؤرخو الفن والحضارة والآثار ترفاً فنياً لم تعرفه أمة من الأمم من قبل، وإنجازاً إنسانياً لا تزال آثاره حيّة حتى يومنا هذا.

إن هذا الثراء الفني الذي أنجزه الخطاط العربي يعكس روح التطور والرغبة في التجدد الكامنة في اللغة العربية وثقافتها، ويكشف قدرتها الفائقة على التفاعل مع الشعوب المجاورة، تأثراً وتأثيراً. فقد اندمج الخط العربي مع ثقافات متعددة، واستوعب عناصر بصرية مختلفة، وأثر في آداب تلك الأمم وفنونها وشعرها، بالتوازي مع ازدهار فنون النسخ والزخرفة والتذهيب والتجليد، لتتشكل منظومة جمالية متكاملة حول الكتاب.

ومن الحجاز انطلقت الخطوط العربية الأصيلة نحو العراق وبلاد فارس والشرق، وإلى الشام ثم الأناضول، ومن مصر إلى شمال أفريقيا حتى أقصاها غرباً. وظهرت أنماطا تركية وفارسية وهندية، استخدمت الحرف العربي في لغاتها المحلية، متأثرة بثقافاتها وتراثها البصري. وتنوّعت تسميات الخطوط بين ما يُنسب إلى طبيعة القلم وسُمكه كخط الثلث، أو إلى اسم الخطاط المبدع كالخط الغزلاني، أو إلى الموطن الذي برع فيه كالكوفي والفارسي.

وتتشارك جميع أنواع الخط العربي في جماليات أخّاذة للعين والروح، تتجلى فيها المرونة، والتشكيل، والتركيب، والتصرّف، والتدرّج، والاستطالة، والتدوير، وغيرها من الخصائص التي أسرت الأجيال شرقاً وغرباً. وهكذا ظل الخط العربي، ولا يزال، شاهداً حياً على عبقرية اللغة العربية، وعلى قدرتها الفريدة على الجمع بين القداسة والجمال، وبين النص والحضارة.

أخر المقالات

منكم وإليكم