كتب الدكتور: عصام عسيري..مقالة بعنوان:عاهات غير مستديمة.. بعد زيارة مرسم أحد الرواد و النقاد والفنانين المخضرمين التشكيليين السعودية.

عاهات غير مستديمة
جلستُ في مرسم فنان صديق قديم الذي يشبه متحفًا صغيرًا للزمن الجميل؛ رائحة الأكريلك تملأ المكان، اسكتشات ولوحات نصف منجزة تتكئ على الجدران كجنود متقاعدين رفضوا تسليم أسلحتهم. كان الفنان الصديق يحدّق في لوحة بيضاء، كأنه يفاوضها على هدنة.
قلت له مازحًا: هل ما زالت اللوحة تخاف منك كما كانت تخاف من أساتذة الأمس؟
ابتسم وقال: كانت تخاف من صدقنا… لا من أسمائنا.
أمجاد الجادّين… حين كان الفن عرقًا لا إعلانًا
حدثني عن زمنٍ كان فيه الفنان يقرأ قبل أن يرسم، ويتأمل قبل أن يوقّع، ويهاب قبل أن يعرض ويبيع. زمن كانت فيه المعارض تُقام بشقّ الأنفس، لا بشقّ “الفلتر”.
قال: كنّا نعلّق أعمالنا بمسامير حقيقية، لا بعلاقات عامة.
وكنّا ننتظر النقد كما ينتظر الطالب نتيجته، لا نحاربه كما تُحارب الجراثيم.
ذكّرني بروّادٍ عالميين مثل بابلو بيكاسو الذي غيّر شكل الرؤية الفنية، وقبله فنسنت فان جوخ الذي مات فقيرًا ليعيش خالدًا، وبتمرد مارسيل دوشامب الذي أربك مفهوم العمل الفني لا ليفرغه، بل ليعيد مساءلته، أضفت إليه قصصًا لعظمائنا التشكيليين السعوديين والعرب.
ثم تنهد وقال: هؤلاء كانوا يختلفون في الأسلوب، لكنهم اتفقوا في الجدية. أما اليوم فبعضهم يختلف في كل شيء… إلا في الاستسهال.
عاهات فنية… حين يصبح “اللاشيء” إنجازًا
سألته: وما هذه “العاهات” التي تتحدث عنها بسوء وتتذمّر منها دائمًا؟
قال وهو يضع نظارته جانبًا: هي ليست عاهات جسدية، بل ذهنية فنية وأخلاقية.
ثم بدأ يعدّدها كطبيب يشخّص أمراض موسمٍ وبائي:
1. متلازمة الفكرة الفارغة:
فنان يقف أمام لوحة بيضاء، يرشّ عليها لونين، ثم يكتب بيانًا فلسفيًا من ثلاث صفحات عن “تفكيك الصمت البصري في جدلية اللاوعي المتشظي”.
تسأله: ماذا تعني؟
فيجيبك: إذا لم تفهم… فأنت لست من جمهوري.
2. فيروس العلاقات العامة:
بعضهم يتقن المصافحة أكثر من إتقان الفرشاة.
يسألني صديقي ساخرًا:
هل رأيت فنانًا يوقّع على اللوحة قبل أن يجفّ لونها؟
ثم يضحك: اليوم يوقّعون قبل أن يرسموا أصلًا، ويضعوا العنوان بعد الانتهاء من العمل!
3. احتراف الضجيج:
قال: في زمننا كان الصمت يرافق الإبداع. اليوم يرافقه ميكروفون وكاميرا.
الفنان الحقيقي يشتغل في العتمة، أما “فنان الضجيج” فيشتغل على الإضاءة والزحمة.
الأخلاق… حين يصبح الفن ستارًا
ثم خفّ صوته، وقال:
أخطر ما في الأمر ليس ضعف المستوى، بل ضعف الضمير.
حدّثني عن سرقات فنية تُجمّل بعبارة “استلهام”، وعن إقصاء يتحوّل إلى “تنسيق”، وعن شللٍ صغيرة تُسوّق الرديء وتقصي الجادّين، وعن دجالين جهلة يدعوا النقد والتنظير، ومستوردين يحملوا استراتيجيات التغيير للتقليد كملفات للتطوير.
قال:
بعضهم يستخدم الفن ليتسلّق، لا ليصعد، ومنهم يرفع شعار “المعاصرة” ليغطي خواءه.
ثم أردف ساخرًا:
لو عاد ليوناردو دا فينشي اليوم، لطلبوا منه بيانًا تنظيريًا قبل قبول الموناليزا في المعرض!
بين الجدّ والهزل سألته:
هل نحن فعلًا في انحدار؟:
أجابني بحكمة من عاش الأجيال كلها:
لا… في كل زمن هناك الجادّون، وهناك من يتطفّلون على الجدية. الفرق أن الضجيج صار أعلى، فظنّ البعض أن الرداءة هي القاعدة.
ثم وقف أمام لوحة قديمة له، ومسح عنها الغبار، وقال:
الفن لا يموت. الذي يموت هو الادّعاء. اللوحة الصادقة تبقى، ولو حوربت، أما اللوحة التي وُلدت من “النية التسويقية” فمصيرها المخزن.

في النهاية، ضحكة مُرة..
خرجت من مرسمه وأنا أفكر:
ربما المشكلة ليست في “العاهات” وحدها، بل في القابلية الجماعية لتصديقها.
نحن نعيش زمنًا يمكن أن تتحوّل فيه بقعة طلاء إلى “حدث ثقافي”، إذا أحسن صاحبها اختيار زاوية التصوير.
لكن مع كثرة العاهات في مشهد العبث، ما زال هناك فنانون يعملون بصمت، يقرأون، يتعبون، يخطئون، ويتعلمون. هؤلاء لا يحتاجون إلى صراخ… لأن أعمالهم تتكلم.
قال لي في الختام:
دعهم يملؤون الساحة بالضجيج؛ الفن الحقيقي لا يحتاج مكبرات صوت وتعليقات فارغة مع كاميرات غشيمة وكذابة… الفن يحتاج قلبًا صادقًا وعقلًا ناضجًا ويدًا تعرف ماذا تفعل.
د. عصام عسيري
*************************
– المصادر:
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم