اقتصاد المستقبل القائم على الإبداع الثقافي: حين تتحوّل الفنون البصرية إلى ثروة معرفية مستدامة
د. عصام عسيري
لم يعد الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين حكرًا على النفط، الصناعة الثقيلة، أو الأسواق المالية والمعدنية التقليدية، بل أخذ يتشكل تدريجيًا حول مفهوم جديد أكثر عمقًا وإنسانية، هو الاقتصاد الإبداعي؛ اقتصاد تُصبح فيه المعرفة، الثقافة، والخيال البشري موارد إنتاج حقيقية، قادرة على توليد القيمة والثروة المستدامة. وفي قلب هذا التحوّل تقف الفنون التشكيلية أو البصرية عمومًا بوصفها أحد أكثر أشكال الإبداع الثقافي تعبيرًا وتأثيرًا.
لقد أكدت الدراسات الحديثة أن الإبداع لم يعد هامشًا ثقافيًا، بل بات أصلًا اقتصاديًا (Economic Asset) ومقتنيات ثمينة تُبنى عليه سياسات تنموية واستراتيجيات وطنية، كما تشير إلى ذلك تقارير الأمم المتحدة والبحوث الأكاديمية في اقتصاديات الثقافة (UNCTAD, 2010).
أولًا: الإطار النظري للاقتصاد الإبداعي
يُعرّف تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) الاقتصاد الإبداعية بأنها:
«الأنشطة الاقتصادية القائمة على الأصول الإبداعية، والتي تمتلك القدرة على توليد النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتعزيز التماسك الاجتماعي، مع الحفاظ على التنوع الثقافي»
(UNCTAD, Creative Economy Report, 2010).
أما الباحث البريطاني جون هاوكينز (John Howkins)، في كتابه المرجعي The Creative Economy، فيذهب إلى أن الإبداع أصبح عملة اقتصادية مستقلة، وأن الصناعات الثقافية والفنية لم تعد تابعة للاقتصاد، بل أحد محركاته الأساسية (Howkins, 2001).
وفي السياق الأكاديمي الأوروبي، يقدّم كتاب Economics of Art and Culture (Towse, 2019) تحليلًا معمّقًا لكيفية تعامل الاقتصاد الحديث مع الفن، من حيث الإنتاج، التسويق، التسعير، وسلوك المستهلك الفني، مؤكدًا أن العمل الفني لم يعد قيمة جمالية فقط، بل قيمة سوقية ورمزية مركّبة.
ثانيًا: الفنون التشكيلية كرافعة اقتصادية
تحتل الفنون التشكيلية موقعًا مركزيًا داخل الاقتصاد الإبداعي في الدول الراقية لعدة أسباب علمية واقتصادية:
1. القيمة الرمزية العالية:
يشير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى أن رأس المال الرمزي للفن يمكن تحويله إلى رأس مال اقتصادي عند توفر السياق المؤسسي والسوقي المناسب (Bourdieu, 1986).
2. ديناميكية سوق الفن العالمي:
تُظهر تقارير Art Basel & UBS Global Art Market Report أن سوق الفن التشكيلي يحقق سنويًا مليارات الدولارات، ويُعد من أكثر الأسواق مرونة وتأثرًا بالتحولات الثقافية والتكنولوجية، واليوم أعفت حكومة أبو ظبي رسوم الجمارك عن الأعمال الفنية دعمًا لجامعي الفنون والمستثمرين في القطاع.
3. تشابك الفن مع قطاعات أخرى:
الفن التشكيلي لم يعد معزولًا؛ بل يرتبط بالسياحة والترفيه الثقافي، التصميم، العمارة، الإعلام، والمنصات الرقمية، والتعليم ما يجعله قطاعًا مضاعِف الأثر الاقتصادي (Multiplier Effect).
ثالثًا: الاقتصاد الإبداعي والسياسات الثقافية الوطنية
تؤكد دراسات ديفيد ثروسبي (David Throsby) في كتابه The Economics of Cultural Policy أن نجاح الاقتصاد الإبداعي لا يتحقق تلقائيًا، بل يحتاج إلى سياسات ثقافية واعية، تشمل:
دعم الفنانين والمؤسسات الفنية، بناء بنية تحتية للمعارض والمتاحف، تنظيم سوق الفن وحماية الملكية الفكرية، ربط الإبداع بالتعليم والبحث العلمي.
وفي السياق السعودي، تتقاطع هذه الرؤية مع رؤية المملكة 2030 التي تنظر إلى الثقافة والفنون بوصفها قطاعًا اقتصاديًا واعدًا، يساهم في تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد معرفي مستدام، حيث أسست وزارة للثقافة بهئات ترعى الإبداع الفني والأدبي والثقافي، ومعهد مسك للفنون، والمعهد الملكي للفنون، وأكاديميات وجامعة للفنون بالرياض، وبينالي الدرعية وحي جاكس وفن العُلا وطويق والصحراء و… الخ من مشاريع إبداع ثقافي، كما اعتمدت ألوف المتاحف والجمعيات والأندية وتدعم بصندوق تنمية ثقافي أندية ومشاريع عديدة، بهذا أُدرجت الصناعات الإبداعية ضمن محركات التنمية المستقبلية، وكذلك نجد هذا النشاط ينتشر في العالم العربي.
رابعًا: الإبداع الفني والهوية الثقافية كقوة ناعمة
من منظور حضاري، لا يقتصر الاقتصاد الإبداعي على الأرقام، بل يتجاوزها إلى تعزيز الهوية الوطنية وتحويل الثقافة المحلية إلى خطاب عالمي كقوة تواصل ناعمة. فالأعمال الفنية التشكيلية تحمل سرديات المجتمع، ذاكرته، وأسئلته الوجودية، ما يجعلها أداة فعالة في الدبلوماسية الثقافية وبناء الصورة الذهنية للدول.
يشير الباحث ريتشارد فلوريدا (Richard Florida) في كتابه The Rise of the Creative Class إلى أن المدن والدول التي تستثمر في الإبداع والفنون هي الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات والعقول المبدعة (Florida, 2002) كما حصل لباريس في القرن الماضي حينما كانت قبلة للمبدعين.
خامسًا: التحديات النقدية للاقتصاد الإبداعي
رغم التفاؤل، يواجه الاقتصاد الإبداعي تحديات معقدة، أبرزها:
إشكالية تسليع الفن وفقدان عمقه الإنساني، وتعقيد إجراءات استيراد وتصدير وشحن وتشغيل الأعمال الفنية وتطوير العاملين فيها.
غياب معايير عادلة لتقييم الأعمال الفنية، فنرى أسعار أعمال الهواة أعلى من المحترفين، والطلبة أغلى من الأساتذة، وتلعب البروبقاندا الصفراء دور غير طبيعي في تحريك السوق.
هشاشة أوضاع الفنانين والمهتمين اقتصاديًا وغياب صناديق ومحافظ استثمار محوكمة واحترافية، فكثير من صناديق الاستثمار خسرت خسائر فادحة في البورصات والعملات الإلكترونية والمشاريع الوهمية.
ومستقبلا تأثير التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي على مفهوم الأصالة الفنية، علاوة على حالات التزييف والتزوير الحالي.
وتشير دراسات حديثة إلى ضرورة إيجاد توازن دقيق بين القيمة الاقتصادية والقيمة الثقافية، حتى لا يتحوّل الإبداع إلى منتج استهلاكي فاقد للروح (Hesmondhalgh, 2019).
ختامًا، إن اقتصاد المستقبل القائم على الإبداع الثقافي ليس خيارًا تجميليًا، بل ضرورة استراتيجية في عالم يتجه نحو المعرفة والابتكار. والفنون البصرية، بما تحمله من طاقة رمزية وإنسانية، مؤهلةً لتكون أحدى أعمدة هذا الاقتصاد القادم مستقبلًا، إذا ما أُحسن دعمه، تنظيمه، وقراءته خارج القوالب التقليدية، فدعم الفنان هو أول خطوة لتطوير الإبداع.
إن الاستثمار في الفن هو استثمار في الإنسان وبناء الحضارة، وفي قدرته على تخيّل مستقبل أكثر ثراءً، ووعيًا، واستدامة.
***************************
– المصادر:
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية


