كتب الدكتور عصام عسيري عن الفنان الموسوعي

الفنان الموسوعي، من تراكم المعرفة إلى صناعة الرؤية

د. عصام عسيري

ليس الفنان الموسوعي هو الذي يعرف أسماء الفنانين والمدارس والتيارات الفنية والفكرية، ولا الذي يستطيع أن يملأ مكتبته بكتب تاريخ الفن والجمال والفلسفة. فالثقافة الواسعة الحقيقية لا تقاس بعدد الكتب التي قرأها الفنان، وإنما بقدرته على تحويل المعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى موقف، والموقف إلى لغة بصرية خاصة.

هناك فرق كبير بين فنان واسع المعرفة، وفنان واسع الرؤية، فالأول يعرف الكثير عن الفن، أما الثاني فقد أصبح ما يعرفه جزءًا من تكوينه الداخلي؛ فتراه ينظر إلى الأشياء بعين مختلفة، ويقرأ ما وراء الظاهر، ويربط بين ما يبدو متباعدًا، ويستخرج من التفاصيل الصغيرة أسئلة كبرى، وهنا تبدأ قيمة الفنان الموسوعي.

ليست المشكلة في أن يرى الفنان، بل في كيف يرى، العين لا ترى الأشياء بالطريقة نفسها عند الجميع. قد يرى شخصٌ شجرة، بينما يرى الفنان في تفرعاتها إيقاعًا وخطوطًا ومساحات وفراغات. وقد يرى الآخر جدارًا قديمًا، بينما يرى الفنان طبقات الزمن وآثار الضوء والملمس والذاكرة. وقد تمر أمام الجميع زخرفة شعبية، بينما يتوقف الفنان عند هندستها وتكرارها وتوازنها وعلاقتها بالمكان.
الفنان الحقيقي لا يكتفي بأن يرى الشيء؛ بل يسأل: لماذا أراه بهذه الطريقة؟ وما الذي يمكن أن أراه فيه ولا يراه الآخرون؟ وهذا هو معنى الرؤية الثاقبة.

وقد جعل رودولف أرنهايم من الإدراك البصري مجالًا مركزيًا لفهم الفن؛ ففي كتابه الشهير Art and Visual Perception درس كيف تنظم العين المادة البصرية من خلال الشكل والتوازن واللون والضوء والحركة والديناميكية والتعبير. وهذا يقودنا إلى حقيقة مهمة: العين الفنية ليست عضوًا بيولوجيًا فقط، وإنما أداة معرفية تتدرب بالخبرة والمشاهدة والتأمل.

الفنان لا يقرأ ليجمع المعلومات:
حين يقرأ الفنان تاريخ الفن، لا ينبغي أن يكون هدفه حفظ التواريخ والأسماء وشكل الأعمال الفنية. ايضاً، ليس المهم أن يعرف متى ظهرت التكعيبية، وإنما أن يسأل: لماذا احتاج الفنانون إلى التكعيبية؟
وليس المهم أن يعرف أن السريالية ارتبطت باللاوعي، وإنما أن يسأل: ماذا يحدث للصورة عندما تتحرر من رقابة العقل الواعي؟
وليس المهم أن يعرف ماليفيتش والسوبرماتية، وإنما أن يسأل: ماذا يحدث عندما يصبح الشكل الخالص موضوعًا للتجربة الفنية؟
بهذه الطريقة يتحول تاريخ الفن من متحف للماضي إلى مختبر للأفكار.
ولهذا تظل كتب مثل The Story of Art لإرنست غومبرتش مهمة للفنان؛ لأنها تقدم مدخلًا واسعًا إلى تاريخ الفن وتجعله قادرًا على رؤية التحولات الفنية باعتبارها سلسلة من الأسئلة والمشكلات، لا مجرد تعاقب زمني للأسماء والتجارب.

من اللوحة إلى العالم:
الفنان الذي يقرأ الفن فقط قد يصبح جيدًا في الحديث عن الفن، لكنه ليس بالضرورة قادرًا على إنتاج فن عميق. الفنان الموسوعي يقرأ الفن وخارجه، يقرأ الفلسفة لكي يتعلم السؤال، ويقرأ الشعر لكي يكتشف قوة الاختزال، ويقرأ الرواية لكي يفهم الإنسان، ويقرأ التاريخ لكي يفهم الذاكرة، ويقرأ علم النفس لكي يقترب من دواخل الإنسان، ويقرأ الأنثروبولوجيا لكي يفهم الرمز والعادات والمعتقدات، ويقرأ العمارة لكي يتعلم كيف يعمل الفراغ، ويتابع السينما لكي يفهم الزمن والحركة والسرد البصري، ويقرأ العلوم لكي يرى النظام والفوضى والنمو والتحول، ثم يعود إلى المرسم.

بهذا تبدأ المعرفة في التحول إلى مادة فنية، فالفنان ليس مطالبًا بأن يصبح فيلسوفًا أو عالم اجتماع أو عالمًا فيزيائيًا، لكنه يحتاج إلى فضول معرفي يجعله قادرًا على استعارة الأسئلة من هذه المجالات وإعادة صياغتها بصريًا.

المعرفة التي لا تغير العين ليست معرفة فنية:
يمكن أن يقرأ الفنان عشرات الكتب ثم يبقى كما كان، ويمكن لفنان آخر أن يقرأ كتابًا واحدًا فتتغير طريقته في النظر إلى العالم.
المقياس إذن ليس: كم قرأت؟ بل: ماذا غيّر ما قرأته فيك؟
هل أصبحت ترى اللون بطريقة مختلفة؟
هل تغير مفهومك عن الشكل؟
هل أصبحت أكثر قدرة على الاختزال؟
هل بدأت تشك في المسلمات التي كنت تعتبرها حقائق؟
هل أصبحت أكثر قدرة على قراءة عملك نقديًا؟
إذا لم يحدث شيء من ذلك، فقد حصلت على معلومات، لكنك لم تحصل بعد على معرفة فنية حية.
وهنا تكمن أهمية القراءة بالنسبة للفنان: إنها لا تضيف طبقات إلى ذاكرته فقط، بل تعيد ترتيب العلاقة بين العين والعقل والمخيلة.

الفنان واللون، من معرفة اللون إلى رؤيته:
حتى اللون يحتاج إلى ثقافة، فالفنان المبتدئ قد يسأل: ما اللون المناسب للأزرق؟ أما الفنان الناضج فيسأل: ماذا يفعل الأزرق هنا؟ هل يخلق عمقًا؟ هل يهدئ السطح؟ هل يصنع توترًا؟ هل يقرب الشكل أم يبعده؟ هل يتغير بسبب اللون المجاور؟

إن كتاب جوزيف ألبرز Interaction of Color مهم لهذا السبب تحديدًا؛ فهو لا يتعامل مع اللون باعتباره قيمة ثابتة فحسب، وإنما يركز على علاقاته وإدراكه وتأثير السياق في رؤيته. وبهذا ينتقل الفنان من استعمال اللون إلى التفكير باللون.

التراث ليس مخزنًا للأشكال:
وهنا أرى قضية أكثر أهمية بالنسبة للفنان المحترف والناشئ على حد سواء. هناك فرق بين أن يستعمل الفنان التراث، وأن يفكر من خلال التراث. قد يأخذ الفنان وحدة زخرفية من التراث البصري ويضعها على لوحة معاصرة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه استوعب ذاك الزمن.

الاستيعاب يبدأ عندما يكتشف الفنان: الإيقاع، والتكرار، والهندسة، والتناظر، واللون، والعلاقة بين الشكل والفراغ، والصلة بين الزخرفة والعمارة والإنسان، والصلة بين الرمز والذاكرة الجمعية. عندها يتحول التراث من شكل مستعار إلى منظومة تفكير بصري، وينسحب ذلك أيضا على بقية مصادر الإلهام والإبداع والعبقرية عند الفنان كيف يحوّل الطبيعة والبيئة، والوجدان والخيال وعالم الأحلام إلى نُظُم بصرية ورؤى فلسفية. وهذه نقطة جوهرية في بناء الهوية الفنية المعاصرة، فالفنان الذي يجهل العالم قد يتحول إلى أسير محليته، والفنان الذي يجهل جذوره قد يتحول إلى نسخة من تجارب الآخرين، أما الفنان الموسوعي فيستطيع أن يفعل شيئًا أكثر نضجًا: أن ينفتح على العالم دون أن يفقد ذاكرته.

الرؤية الثاقبة تحتاج إلى الشك:
الفنان الذي يصدق كل ما يراه لن يتطور، الفنان بحاجة إلى قدر من الشك: أن يشك في الصورة الجاهزة، وفي القاعدة الجاهزة، وفي تعريف الفن، وفي نجاحه الشخصي، وفي إعجاب الآخرين به، وفي أسلوبه الذي اعتاد عليه. حتى الأسلوب نفسه يمكن أن يتحول إلى سجن إذا توقف الفنان عن مساءلته، ولهذا فإن الفنان الحقيقي لا يحمي تجربته من النقد، بل يجعل النقد جزءًا من تجربته. إنه يعود إلى أعماله القديمة لا ليتذكر نجاحاته، وإنما ليكتشف أين كان مخطئًا، وأين كان مقلدًا، وأين كان صادقًا مع نفسه.

من الفنان الذي يعرف إلى الفنان الذي يكتشف:
الفنان المبتدئ يبحث غالبًا عن الإجابة: كيف أرسم؟ ثم ينتقل إلى: ماذا أرسم؟ ثم، مع النضج، يصل إلى السؤال الأصعب: لماذا أرسم؟
لكن الفنان الموسوعي يذهب أبعد من ذلك: ما الذي أستطيع أن أراه ولا أستطيع التعبير عنه إلا بالفن؟

بهذا تبدأ التجربة الخاصة، فالفنان لا يعود يبحث عن موضوع جديد فحسب، بل يبحث عن زاوية نظر جديدة إلى الموضوع. قد يرسم عشرة فنانين البحر، لكن كل واحد منهم يستطيع أن يرى بحرًا مختلفًا. وقد يرسم الجميع الإنسان، لكن الفنان الحقيقي لا يبحث عن وجه لم يُرسم من قبل بقدر ما يبحث عن رؤية لم تُقل بالطريقة نفسها.

الفنان الموسوعي في عصر الذكاء الاصطناعي:
ربما أصبح هذا النوع من الفنانين أكثر أهمية اليوم، ففي عصر تستطيع فيه الآلة إنتاج آلاف الصور خلال دقائق، لم تعد القدرة على إنتاج الصورة وحدها كافية. السؤال أصبح: من يملك الرؤية؟ الآلة تستطيع تركيب الأساليب، لكنها لا تملك بالضرورة تجربة الإنسان وذاكرته وأسئلته وقلقه وموقفه من العالم.
ولهذا فإن المستقبل لن يكون للفنان الذي ينافس الآلة في سرعة إنتاج الصور، وإنما للفنان الذي يمتلك وعيًا قادرًا على توجيه الأدوات وصناعة المعنى، فكلما ازدادت قدرة التقنية، ازدادت أهمية الإنسان الذي يعرف ماذا يريد أن يقول.

الفنان الموسوعي لا ينتهي من التعلم، والفنان الحقيقي يعيش في حالة من التعلم المستمر، كل معرض جيد يكشف له شيئًا، كل كتاب يفتح سؤالًا، كل كتالوج وكل فنان آخر يكشف له احتمالًا، كل تجربة فاشلة تعلمه شيئًا، وكل نجاح قد يكون بداية خطر جديد إذا أقنعه بأنه وصل. ولهذا فإن النضج الفني ليس وصولًا إلى نقطة النهاية، وإنما القدرة على الاستمرار في طرح الأسئلة، وربما كان أعظم ما يمكن أن يتعلمه الفنان هو أن يحافظ على دهشة المبتدئ، مع خبرة المحترف.

ثلاث عيون للفنان:
أتصور الفنان الموسوعي كمن يمتلك ثلاث عيون: عين ترى العالم، وعين ترى العمل الفني، وعين ترى الذات وهي تعمل. العين الأولى تمنحه الموضوع، والثانية تمنحه اللغة، والثالثة تمنحه النقد. وعندما تتكامل هذه العيون، يصبح الفنان أكثر قدرة على بناء تجربته الخاصة؛ فالفنان ليس مجرد يد ماهرة، لأن المهارة وحدها قد تصنع حرفيًا بارعًا، وليس مجرد عقل مثقف، لأن الثقافة وحدها قد تصنع ناقدًا أو باحثًا، وليس مجرد مخيلة واسعة، لأن المخيلة بلا معرفة قد تتوه في الاحتمالات.
الفنان الذي نبحث عنه هو الذي يجمع: مهارة اليد، وذكاء العين، وعمق العقل، واتساع المخيلة، وحساسية الروح، وشجاعة السؤال. وهنا تتشكل الموسوعية الحقيقية،
إنها ليست أن يعرف الفنان كل شيء، فهذا مستحيل؛ وإنما أن يعرف كيف يتعلم، وكيف يرى، وكيف يربط، وكيف يشك، وكيف يحول ما تعلمه إلى تجربة لا تشبه إلا صاحبها.

وفي النهاية، لا تسأل اللوحة فنانها عن عدد الكتب التي قرأها، ولا عن عدد المعارض التي زارها، ولا عن عدد أسماء الفنانين الذين يحفظهم. إنها تسأله سؤالًا واحدًا: ماذا رأيت أنت؟
وهذا السؤال البسيط في ظني، أصعب امتحان يمكن أن يواجهه الفنان.
فمن لا يملك رؤية، يستعير أسلوبًا، ومن لا يملك موقفًا، يستعير فكرة، ومن لا يملك ذاكرة، يستعير هوية.
أما الفنان الموسوعي ذو الرؤية الثاقبة، فإنه يأخذ من العالم كله، ثم يعود إلى مرسمه ليقول: هذا ما رأيته بعيني، وهذه هي رؤيتي.

الصور من جميل إبداعات #الفنانين_العرب #مقتنيات_خاصة#الفن والنقد التشكيلي#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم