كتب الدكتور: عصام عسيري.البيئة لغة للفنان..و ليست البيئة بالنسبة إلى الفنان مجرد منظر طبيعي يراه أمامه.

البيئة لغة للفنان

د. عصام عسيري

ليست البيئة بالنسبة إلى الفنان مجرد منظر طبيعي يراه أمامه، ولا صحراءً أو بحرًا أو جبلًا أو بيتًا قديمًا يصلح أن يكون موضوعًا للوحة، فالبيئة في معناها الأعمق، هي المكان الذي تتشكل داخله الذاكرة والحواس واللغة البصرية والوعي بالهوية.

فالفنان لا يرسم المكان كما تراه العين فقط، بل كما عاشه وشعر به وتذكره وأعاد اكتشافه في داخله. وقد تتحول البيئة من موضوع خارجي إلى مصدرًا للإبداع ولغة تشكيلية كاملة لونًا وخطًا وكتلةً وإيقاعًا وملمسًا وفراغًا ورمزًا.

ولهذا يمكن القول إن لكل فنان تشكيلي بيئةً تسكنه، حتى عندما يغادرها؛ فالصحراء قد تظل في خطوطه، والبحر في ألوانه، والجبل في كتلته، والمدينة في هندسته، والقرية في ذاكرته، والنخيل والأشجار في رموزه، والبيت القديم في بنائه التشكيلي.

البيئة لا تُرى فقط، بل تُعاش:
من الخطأ اختزال تأثير البيئة في رسم المناظر الطبيعية. فالبيئة عمومًا شديدة التنوع: من الصحراء وامتداداتها الرملية، إلى الجبال والهضاب والأودية والجداول والأنهار، ومن السواحل والشواطئ البحرية، إلى الواحات والقرى والحواضر التاريخية.

لكنها لا تتوقف عند الجغرافيا؛ فهي تشمل أيضًا العمارة، والحرف، والزخارف، والأزياء، والموروث الشعبي، والخط العربي، والنباتات، والحيوانات، والعادات، والذاكرة الاجتماعية. وهنا تبرز أهمية مقولة الفنان بول كلي: الفن لا يعيد إنتاج المرئي، بل يجعل المرئي ظاهرًا. وهو مبدأ يمكن أن يساعدنا على فهم التجربة الفنية؛ فالفنان لا يكرر البيئة، وإنما يكشف ما فيها من قيم جمالية كامنة.

قد يرى الإنسان العادي كثيبًا رمليًا في صحارى ونفود نجد، بينما يرى الفنان محمد السليم خط الأفق وتدرجات الضوء وإيقاع التكرار والعلاقة بين السماء والأرض وحركة الريح. وقد يرى بيتًا حجريًا أو طينيًا قديمًا، بينما يرى الفنان سعود القحطاني هندسة الذاكرة. وقد يرى النخلة بوصفها شجرة، بينما تراها نوال مصلي دوائر على محاور رأسية، وإيقاعًا، ورمزًا للخير والحياة.

محمد السليم: حين تحولت الصحراء إلى لغة تشكيلية
ربما يمثل السليم واحدة من أكثر الحالات وضوحًا في تاريخ الفن التي تحولت فيها البيئة من مادة أو موضوع إلى منهج في التفكير التشكيلي. فقد عاش السليم الصحراء السعودية العربية بوصفها فضاءً بصريًا وفلسفيًا، ولم يتعامل معها كمشهد طبيعي ينبغي نقله على سطح اللوحة. ومن هنا جاءت تجربته المعروفة بالآفاقية؛ حيث أصبح الأفق عنصرًا بنائيًا وفلسفيًا في العمل.

لم يعد خط الأفق مجرد فاصل بين السماء والأرض، بل تحول إلى رمز للامتداد واللانهاية، وإلى أساس لتكوينات لونية تختزل الصحراء في جوهرها البصري. وتشير القراءات الفنية لتجربته إلى تأثر أعماله بأفق نجد والكثبان الصحراوية وضوء الجزيرة العربية وألوانها، مع ابتعاده عن النقل الواقعي نحو بناء تجريدي خاص.

وهنا تكمن أهمية تجربة السليم، لم يرسم الصحراء، بل حاول أن يجعل الصحراء تفكر وتخاطب من خلال اللوحة. وهذه نقلة جوهرية في علاقة الفنان ببيئته؛ لأن الاستلهام الحقيقي لا يعني أن نضع كثيبًا في اللوحة، بل أن نكتشف القانون الجمالي الذي يحكم الكثيب. فالامتداد يمكن أن يتحول إلى خط، والرمال إلى مساحات، والضوء إلى لون، والصمت الصحراوي إلى فراغ، والأفق إلى فلسفة.

عبد الجبار اليحيا: الإنسان داخل بيئته
تقدم تجربة الفنان اليحيا نموذجًا آخر للعلاقة بين الفنان والبيئة. فالبيئة لديه لم تكن طبيعةً فقط، بل كانت حياةً بشريةً واجتماعية. ظهرت في أعماله الأزقة والبيوت والإنسان والحيوان والنخلة والحياة المحلية، ثم تطورت تجربته مع التحولات الاجتماعية والعمرانية التي شهدتها المملكة. وهنا تتحول البيئة إلى ذاكرة، فالبيت القديم ليس جدارًا فقط؛ إنه ذاكرة عائلة، والزقاق ليس فراغًا عمرانيًا؛ إنه مكان للقاء، والنخلة ليست نباتًا؛ إنها جزء من اقتصاد وذاكرة وثقافة.
ولهذا فإن استحضار البيئة في الفن السعودي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه حنينًا إلى الماضي فقط، بل بوصفه إعادة قراءة للمكان من منظور الإنسان الذي عاش فيه.

طه الصبان: جدة والبحر والضوء
في تجربة الصبان نجد بيئة مختلفة تمامًا، فمدينة جدة ليست الصحراء القاحلة أو الجبال المرتفعة، إنها مدينة البحر والضوء والرطوبة والحركة والميناء والناس والأسواق والحارات القديمة، وهذه الخصائص يمكن أن تتحول في التجربة الفنية إلى حساسية مختلفة في اللون والسطح والإيقاع.

ارتبطت تجربة الصبان بجدة والبحر والطبيعة الساحلية، وظهر في أعماله حضور قوي للتجريد واللون والحركة، وهنا نكتشف أن البحر لا يحتاج إلى أن يظهر في اللوحة حتى يكون حاضرًا. قد يظهر البحر في سيولة الخط، وانعكاس اللون، وحركة السطح، وتعدد درجات الأزرق، والانفتاح على الفراغ. وهذا هو الفرق بين الفنان الذي يستلهم البيئة والفنان الذي ينسخها.

عبدالحليم رضوي وصفية بن زقر: المكان بوصفه ذاكرة

في التجارب السعودية المتعددة نجد حضورًا واضحًا للمكان المحلي، ليس باعتباره منظرًا، بل باعتباره ذاكرة ثقافية، فجدة، والسوق، والبيت، والشارع، والإنسان، والملابس، والنباتات، كلها يمكن أن تتحول إلى مفردات تستعيد زمنًا يتغير بسرعة.
وهنا يلعب الفنان دورًا قريبًا من دور المؤرخ، ولكن بأدوات مختلفة، المؤرخ يوثق بالكلمة والوثيقة، أما الفنان فيوثق باللون والشكل والإحساس.
ومن هنا تصبح اللوحة أحيانًا وثيقة بصرية عن مرحلة اجتماعية لا يمكن استعادتها بالطريقة نفسها من خلال الوثائق الرسمية.

عسير الخلابة: حين تصبح الجبال والزخرفة لغةً بصرية
تمثل منطقة عسير نموذجًا شديد الخصوصية في علاقة البيئة بالفن السعودي، فالجبال والمدرجات والضباب والقرى الحجرية والألوان الشعبية والزخارف الجدارية صنعت بيئة بصرية غنية للغاية.
وقد وجد الفنانون في التراث العمراني والزراعي والقَط العسيري، مثلًا، نظامًا بصريًا قائمًا بذاته: التكرار، والتناظر، والتقسيم، والإيقاع، والتجاور اللوني.

والأهم أن استلهام هذا التراث لا ينبغي أن يتوقف عند نقل أشكال المناظر والزخارف، فنجد إبداعات جمالية راقية في تجارب عبدالله حمّاس، عبدالله الشلتي، مفرح عسيري، فايع وإبراهيم الألمعي، محمد شراحيلي، محمد آل شايع وبقية مبدعي الفن في الجنوب الذين استطاعوا أن يستخلصوا من بيئتهم: فلسفة التكرار، إيقاع الخطوط، العلاقات الهندسية، التوازن بين الألوان، بناء المساحات، التكوين الشبكي، العلاقة بين الشكل والفراغ، وتحولت البيئة في تجاربهم من زينة جاهزة إلى نظام تشكيلي قابل لإعادة الابتكار، وهذه هي الطريقة التي يمكن للفنان أن يحافظ بها على صلته بالبيئة دون الوقوع في فخ الاستنساخ.

النخلة في الفن السعودي: من الشجرة إلى الرمز
النخيل من أكثر العناصر ارتباطًا بالبيئة العربية،لكن حضورها في أعمال الفنان السعودي مهند شونو لا ينبغي أن يقتصر على تصويرها الواقعي؛ فالنخلة يمكن أن تصبح: خطًا رأسيًا،كتلةً، إيقاعًا، ظلًا، رمزًا للخصوبة، ذاكرةً للواحات والمزارع، وعلامةً على العلاقة بين الإنسان والأرض.

ومن هنا يمكن للفنان أن يستلهم النخيل دون أن يرسمها حرفيًا، حيث استخرجوا من جذعها الخط، ومن سعفها التفرع، ومن تكرارها الإيقاع، ومن علاقتها بالأرض والسماء فكرة التوازن بين الجذور والامتداد، وهذه القدرة على تحويل عناصر البيئة إلى بنية تشكيلية هي إحدى علامات النضج الفني.

النحت السعودي: حين تصبح الأرض جزءًا من العمل
تأخذ البيئة أهمية خاصة في النحت؛ لأن النحات لا يتعامل مع الصورة فقط، بل مع المادة والكتلة والفراغ والموقع. الحجر المحلي ليس مادة محايدة، إنه يحمل لون الأرض وملمسها وتاريخها الجيولوجي.

ولهذا اكتسب استخدام الحجر المحلي أهمية كبيرة في تجارب النحت المعاصر في المملكة، خصوصًا في ملتقى طويق الدولي للنحت، حيث أصبح النحاتون يعملون في فضاء مفتوح ويحولون الحجر إلى أعمال ترتبط بالموقع والمدينة والبيئة.

وهنا تتغير علاقة العمل بالمكان، فالتمثال داخل المتحف يمكن نقله، أما العمل المصمم للمكان العام فيصبح جزءًا من المشهد. الموقع يدخل في معنى العمل، والسماء تصبح سقفه، والشمس جزءًا من إضاءته، والظل عنصرًا متغيرًا في تكوينه، وهذا يقرب النحت المعاصر من مفهوم فن الموقع الذي لا يمكن فصل العمل فيه عن المكان الذي نشأ فيه.

زهرة الغامدي: الأرض والذاكرة
تمثل الفنانة السعودية زهرة الغامدي نموذجًا بالغ الأهمية في تحويل البيئة والذاكرة إلى مادة فنية معاصرة؛ ففي تجربتها تبرز مواد مثل الطين والأرض والصخور والاقمشة والجلود وغيرها من العناصر التي ترتبط بذاكرة المكان، ولا سيما بيئة السعودية. لكن أهمية تجربتها لا تكمن في استخدام مواد محلية فحسب، بل في تحويل المادة إلى ذاكرة مجسدة، فالطين ليس طينًا فقط، إنه بيت وأرض وجدار، وذكريات وطفولة، وذاكرة اجتماعية.

وعندما تتكرر هذه المادة في تركيب فني واسع، تتحول إلى فضاء يستدعي المكان دون أن يقدمه بوصفه صورة فوتوغرافية. وهنا نرى كيف استطاع الفنان السعودي أن ينقل البيئة من مستوى المشهد إلى مستوى التجربة الحسية.

ظهرت في الفن السعودي المعاصر مرحلة جديدة لا تكتفي باستلهام الطبيعة، بل تطرح سؤال العلاقة بين الإنسان والبيئة، و طبيعة العلاقة بين الإنسان والعالم غير البشري، وبالمستقبل البيئي لشبه الجزيرة العربية، وهنا يتحول الفنان من مراقب للطبيعة إلى شريك في النقاش حول مستقبلها.

وهنا يمكن للفنان أن يجد في بيئته مصادر حداثة لا تقل قيمة عن المصادر التي يبحث عنها في الكتب والمدارس الغربية، لكن المطلوب ليس العودة إلى البيئة للبحث عن شكل جاهز، وإنما العودة إليها للبحث عن فكرة جمالية.

البيئة ليست قدرًا على الفنان:
ومع كل هذا، يجب ألا نقع في خطأ آخر، وهو الاعتقاد بأن الفنان مطالب دائمًا برسم بيئة الصحراء أو النخلة أو البحر أو الشارع والمدينة، فالفنان ليس أسير بيئته، إنه يحاورها، وقد يعيش الفنان في جدة ولا يرسم البحر، وقد يعيش في الرياض ويبحث عن التجريد الخالص، وقد ينحدر من عسير ويستخدم الهندسة الحديثة، وقد يستلهم القَط العسيري دون أن تظهر زخارفه حرفيًا، وقد يستخدم الحجر السعودي لينحت فكرة عالمية، فالهوية الفنية لا تُقاس بعدد الرموز المحلية في العمل.

البيئة كمصدر للإبداع لا كمخزن للصور:
أمام الفنان اليوم تحدٍ مهم: هل يستعمل البيئة كمخزن للصور، أم كمصدر للأفكار؟ والفرق كبير، إذا أخذ صورة الخيل ورسمها، فقد نقل موضوعًا، أما إذا درس حركة الحصان وحولها إلى إيقاع خطي، فقد استخلص فكرة، إذا رسم الكثبان، فقد نقل منظرًا، أما إذا استخرج منها مفهوم الامتداد والانسياب، فقد صنع لغة، إذا نقل زخرفة السدو، فقد أعاد إنتاج التراث، أما إذا استخلص منها نظام التكرار والهندسة، فقد ابتكر انطلاقًا من التراث.وهنا تحديدًا يبدأ الإبداع.

نحو فلسفة للبيئة في الفن:
ربما نحتاج اليوم إلى أن ننتقل من الحديث عن الفن المستلهم من المكان إلى البحث في فلسفة البيئة في الفن التشكيلي. فالسؤال ليس: ماذا رسم الفنانون السعوديون من بيئتهم؟ بل: كيف غيّرت البيئة طريقة تفكيرهم في اللون والخط والكتلة والفراغ والزمن والذاكرة؟ تجارب كثيرة، وعلى اختلافها، تكشف أن البيئة السعودية ليست موضوعًا واحدًا، بل منظومة واسعة من الأفكار والإمكانات؛ بحكم الاتساع الجغرافي والتنوع الثقافي.

في النهاية، الفنان ابن بيئته ومكتشف للمكان، فيهي لا تمنح الفنان موضوعاته فقط؛ إنها تمنحه، إذا أحسن الإصغاء إليها وتأملها، ينشئ قاموسه البصري الأول، تمنحه الصحراء الأفق، والجبال الكتلة، والبحر الحركة، والنخلة الإيقاع، والطين الملمس، والعمارة الظل والفراغ، والقَط والسدو الهندسة والتكرار، والنقوش الصخرية ذاكرة التاريخ، والضوء اللون. لكن الفنان الحقيقي لا يكتفي باستقبال هذه العناصر فقط، بل يعيد تركيبها، ويختزلها، ويجردها، ويحوّلها، ويشكّلها ويمنحها معنى جديدًا.

وهنا تتحول البيئة من جغرافيا مادية إلى جماليات معنوية، ومن جماليات إلى هوية، ومن هوية إلى رؤية فنية، ولعل هذا هو الدرس الأهم للفنان التشكيلي الجديد: لا تبحث دائمًا عن هويتك بعيدًا عنك؛ فقد تكون مختبئة في المكان الذي اعتدت أن تراه كل يوم ولم تعد تراه، فالفنان المبدع لا يكتفي بأن يكون ابن البيئة، بل يصبح مع الزمن، مكتشفًا لما لم يكتشفه الآخرون فيها، وتكون البيئة مصدرًا للإبداع، لا مجرد موضوع له.

الصور من أعمال عدة فنانين سعوديين من مختلف الأجيال والمناطق.

أخر المقالات

منكم وإليكم