حيّ الطوافرة الأثري في حماة
طراز معماري ضارب في التاريخ وهوية لم تفقد ملامحها
يُعدّ حيّ الطوافرة واحدًا من أعرق الأحياء التاريخية في مدينة حماة، وأكثرها حفاظًا على هويته المعمارية الأصيلة، إذ يعود تاريخه إلى عام 1260 ميلادي، أي إلى الفترة المملوكية، قبل أن يشهد تطورًا عمرانيًا بارزًا في العهد العثماني. وقد خضع الحي لعمليات ترميم خلال السنوات الماضية، حافظت على روحه التاريخية وخصوصيته العمرانية.
ويتميّز حي الطوافرة باحتضانه مجموعة من المعالم الأثرية البارزة التي تشكّل ذاكرة المدينة وتاريخها، من أبرزها نواعير حماة الشهيرة: العثمانية، والمؤيدية، والمأمورية، إلى جانب عدد من المساجد التاريخية، أبرزها جامع نور الدين الزنكي، جامع الخانقان، وجامع المصلى. كما يضم الحي حمام السلطان نور الدين زنكي وحمام العثمانية، وهما شاهدان حيّان على الثقافة الاجتماعية والعمرانية في تلك الحقب.
ويحتضن الحي أيضًا قصر أسعد باشا العظم، أحد أهم القصور الأثرية في المدينة، والذي جرى تحويله لاحقًا إلى متحف للتقاليد الشعبية، فضلًا عن وجود مرافق ثقافية وفنية معاصرة، مثل مطعم اسبازيا ومراسم للفنانين، في تزاوج لافت بين التراث والحياة الحديثة.
ويضم حي الطوافرة عددًا كبيرًا من البيوت العربية القديمة التي تجسّد الفن المعماري الحموي بأدق تفاصيله، من الليوان، والحرملك، والسلملك، والعلّية، والسيباط، وهو قنطرة حجرية تعلوها غرفة ذات نافذة تطل على الزقاق، ومن أبرز هذه البيوت بيت آل طيفور ومبنى العاديات.
وقد صُمّمت بيوت الحي بشكل متلاصق، في انعكاس واضح لروح الألفة والحميمية بين الجيران، كما أسهم هذا التخطيط في تعزيز العزل الحراري، وتوفير مساحات ظل عميقة تحافظ على برودة البيوت صيفًا ودفئها شتاءً، إلى جانب ما تمنحه من سكون وهدوء لسكان الحي.
وتسجّل ذاكرة الحي موقفًا وطنيًا لافتًا لأهالي الطوافرة خلال دخول قوات الاستعمار الفرنسي إلى مدينة حماة، إذ سعى الأهالي إلى حماية قصر العظم من المصادرة وتحويله إلى ثكنة عسكرية، كما جرى في بيت عنبر بدمشق، فبادروا إلى تحويله إلى مدرسة حملت اسم دار العلم والتربية، ما أسهم في إنقاذه من العبث والحفاظ عليه كمعلم حضاري.
ويعود البناء الأساسي لحي الطوافرة إلى الفترة العثمانية، حيث شُيّدت معظم أبنيته خلال القرن السابع عشر، وقد سُجّلت شريحة الحي بموجب قرارات وزارية على أنها شريحة أثرية، تُخضع لأحكام المديرية العامة للآثار والمتاحف، مع الالتزام الصارم بشروط الحماية والترميم.
أما تسمية الحي، فتعود إلى عائلة حموية قديمة هي آل طيفور، التي استوطنت المنطقة، ويمتد الحي جغرافيًا من قهوة المأمورية جنوبًا، إلى جامع النوري شمالًا، ومن شارع أبي الفداء غربًا، وصولًا إلى نهر العاصي شرقًا.
ويمتاز حي الطوافرة بأزقته الضيقة التي تتخللها أسبطة أثرية على شكل عقود حجرية، وبواجهاته المشيّدة من الحجر الكلسي الأبيض الغشيم والمطعّم بـالحجر البازلتي الأسود، وأرضياته المصنوعة من الحجر البازلتي، والتي خضعت لعمليات ترميم بإشراف مديرية المدينة القديمة ودائرة آثار حماة.
ويظل حي الطوافرة كنزًا أثريًا حيًا، وتراثًا معماريًا نادرًا، تفوح من أزقته وبيوته رائحة التاريخ وعبق الأصالة، شاهدًا على عمق حضارة حماة، وعلى قدرة المكان على الحفاظ على روحه رغم تعاقب القرون.
………………………..
المصدر : #سوريات_Souriat


