كتبت عبير اسبر عن التشكيلي المصري مصطفى رحمة وعلاقته مع السينما.

مع الرسام والفنان التشكيلي المصري مصطفى رحمة وشهادته عن علاقته بالسينما🩷

ما الذي منحته السينما لمن لا يشتغلون فيها؟

سؤال ظل يرافقني منذ أن قرأته في كتاب عن جيل دولوز أترجمه هذه الأيام: ما الذي وجده الفيلسوف في قاعة العرض ولم يجده في الفلسفة؟ بدا لي السؤال أوسع من صاحبه، فالسينما لم تدخل حياة الفلاسفة وحدهم. دخلت حياة الشعراء والروائيين والمشتغلين بالتشكيل والموسيقى والمسرح والعمارة والطبخ وعلوم الدين، ودخلتها من باب اللاوعي غالبًا، من غير أدلجة، أو إكراه، ومن دون أن ينتبه أصحابها إلى أنها كانت تعيد ترتيب نظرتهم إلى العالم وإلى الزمن وإلى الأمكنة وإلى الحكاية، وإلى ما يفعلونه هم أنفسهم كل يوم.

من هنا فتحت هذه المساحة الأسبوعية، ودعوت إليها من لا يشتغلون بالسينما ليكتبوا عنها. لا نقدًا للأفلام، بل سيرة لعلاقة قديمة نادرًا ما سُئل عنها أصحابها. طلبت شيئين اثنين: أن يعود كاتب المقال إلى اللحظة التي ربطته بالسينما وأن يسمّي الفيلم إن استطاع، وأن ينسى قليلًا فضيلة التواضع فيقول ما يريده من عمله كقيمة عليا، وكيف يريد لوجوده أن ينعكس على العالم لو كان العالم مثاليًا.

وهكذا كان. سألتُ الرسام والفنان التشكيلي مصطفى رحمة: ما الذي تريده من الفن التشكيلي؟ فسارع إلى القول كما فعل مُلهِمه، هنري ماتيس:

“ما أحلم به هو فن من التوازن والنقاء والصفاء، خالٍ من المواضيع المزعجة أو المحبطة، لذا أبذل قصارى جهدي في ابتكار فن يمكن للجميع فهمه. أريد لفني أن يكون مهدئًا وذا تأثير لطيف على العقل، أريده أن يكون شيئًا يشبه الكرسي الجيد الذي يوفر الراحة بعد أن تلقي عليه جسدك المتعب”.

وإن أبحرتَ قليلًا في عالم ألوانه وأحجام شخصياته المرحة، ولو غصتَ في صوريته الأخاذة وبدأتَ بسؤال أكثر إغراقًا في الوجدان فقلتَ: ما الذي أضافته السينما إلى وعيك، وما الذي اكتشفته حول العالم ولم تكن لتكتشفه لولا السينما، لأجابك بالمقال التالي.

أنا والسينما: كيف تشكّل وعيي بها

مصطفى رحمة

أنا مدينٌ للكتاب أولًا؛ فقد فتح لي أبواب الخيال والفكر، ومهّد طريقي إلى الفن التشكيلي، فالقراءة والرسم توأمان لا ينفصلان. ولطالما بدأتُ أعمالي بسلسلة من “الإسكتشات” أختار منها ما يروقني لأحققه على “الكانفاس”، وأنا على يقين أنني أفقد شيئًا من طزاجة الفكرة الأولى، لكنني أظل أبحث عن لحظة توازن بين الدهشة الأولى والنضج الفني.

والسينما كذلك؛ شكّلت — من غير شك — حدثًا عظيمًا في الثقافة المعاصرة، فأثّرت وما زالت تؤثّر في إدراكاتي الحسية ووجداني ووعيي، وغيّرت علاقتي بالعالم. فهي تملك قدرات هائلة على تأطير الأجساد، ونسج الحكايات، وكشف الوقائع، وصناعة الصورة، وتشخيص الوضعيات الإنسانية بطرق غير مسبوقة في تاريخ الممارسات الفنية. ناهيك عن الميلودراما التي تقدّمها بحسّ فني عالٍ إذا برع كاتب السيناريو في تحويل القصة إلى حوار رائع، بكلمات تُقرأ وكأننا أمام نص روائي؛ ولهذا أفدتُ منها كثيرًا.

ولأنها شملت الفنون كافة — ومن ضمنها الفن التشكيلي بجميع فروعه — أطلقوا عليها “الفن السابع”. ولأن الفن كالحياة لا يكتمل إلا بالوعي، فإن العمل الفني عملية حيّة تتغير في كل لحظة، مع كل نفس يلتقطه الفنان وكل ضربة فرشاة. فالفن، كالحياة، دراما يشارك فيها الإنسان بقدر ما يخلقها. والفن في جوهره وحيٌ وإلهامٌ وحدس، متصل بالروح أكثر من اتصاله بالعقل، ولهذا كان دائمًا قريبًا من المقدّس، كأن له محرابًا خفيًا يُعبد فيه الجمال.

ولذلك أرى أن قيمة الفن لا تكمن في الأدوات أو الألوان أو الخامات، بل في العلاقات التي تربط الفنان بالمتلقي، وفي الوعي بالخيال، والحسّ بالجمال. والأمر نفسه في الإخراج؛ فليس كل من وقف خلف الكاميرا مخرجًا، وكم ممن وقفوا خلفها جاؤوا بآلاف الأفلام الهزيلة!

البعد الفلسفي والإدراك السينمائي

وهنا أنقل من كتاب لديّ: ففي محاضرة أُلقيت يوم 13 آذار/مارس 1945 في معهد الدراسات السينمائية المتقدمة، ينطلق موريس مرلو-بونتي من نتائج “علم نفس الشكل” (الجشطلت) ليطبّقها على الإدراك السينمائي، فيقول: “إذا اعتبرنا الفيلم موضوعًا يجب إدراكه، أمكننا أن نطبّق على تصوّر الفيلم كل ما قيل للتوّ عن الإدراك بعامة. ولنقل أولًا إن الفيلم ليس مجرد مجموعة من الصور، بل هو شكل زمني”.

والحال أن خصوصية هذه الأشكال (Gestalten) أن أدنى تعديل جزئي يغيّر الكل؛ فنحن نشهد تكوينًا جديدًا بكادرات وزوايا مختلفة، تمامًا كما يولد لحن جديد من تغيير بسيط في نوتة موسيقية، وهذا ما تصنعه السينما.

فالثقافة الرفيعة، والموسيقى الكلاسيكية، وقراءة الكتب الجيدة، كلها تصنع الفنان الحقيقي وتغذّي العمل الفني. والمتلقي الواعي بدوره يسهم في رفع القيمة الجمالية والمادية للعمل السينمائي أو التشكيلي أو الموسيقي، لأنه حين يفهم الفن يمنحه الحياة.

الفلسفة والسينما: التمازج الإبداعي

هذه الاعتبارات الفلسفية تستدعي طرح إشكالية العلاقة بين السينما والفلسفة:

بأي معنى تصحّ العلاقة بين الفلسفة والسينما؟

وكيف تكون ممكنة؟

وبلغة أوضح: كيف نبرّر حضور الفلسفي حضورًا عميقًا داخل الإبداع الفني والسينمائي؟ وكيف تكون السينما استجابة لمقصد فلسفي؟
هذه الإشكالية أساسية ومبرّرة من وجهة نظر فلسفية وإنشائية، إذ تجسّد التمازج والتزاوج بين الفلسفي والفني في أشكال مختلفة، وخاصة ضمن ما يعبّر عنه صانع الفيلم. عندها يتحول المخرج نفسه إلى فيلسوف وفنان، وهم قلّة قليلة ممن ينطبق عليهم هذا القول، أمثال:

من اليابان: أكيرا كوروساوا.

من إيطاليا: بيير باولو بازوليني، وفيديريكو فيليني، وسيرجيو ليوني، وفيتوريو دي سيكا، وبرناردو برتولوتشي.

من فرنسا: فرانسوا تروفو، وجان رينوار، ولوك بيسون، وجان-لوك غودار.

من أميركا: مارتن سكورسيزي، وكوينتن تارانتينو، والعظيم فرانسيس فورد كوبولا.

من إنجلترا: كريستوفر نولان، وألفريد هيتشكوك، وريدلي سكوت.

وفي عالمنا العربي مخرجون كبار صنعوا أفلامًا دخلت التاريخ ولن تخرج منه.
إن بعض الأفلام لا تنتهي مع ظهور شارة النهاية، بل تبدأ عندها؛ فهي تدفع المشاهد إلى إعادة التفكير فيما رأى، لا فيما حدث فحسب. وهذا هو الفارق بين فيلم يُشاهَد وفيلم يُقرأ كما يُقرأ كتاب في الفلسفة؛ فالأول يمرّ عابرًا، أما الثاني فيترك في النفس أثر السؤال، ويجعلنا نعود إليه لا بحثًا عن الحكاية، بل عن المعنى الذي ظلّ يتخفّى خلفها.

عن السينما في مصر

استمتعتُ بأفلام لم تبرح ذاكرتي حتى اللحظة، مثل “لورنس العرب” و”سيدتي الجميلة” و”كاليغولا” و”وداعًا مستر تشيبس” و”رجل وامرأة” وغيرها كثير. وكان جمهور سينما التحرير متميزًا وقتها بجدّيته ورقيّه في التعامل مع السينما.

كنتُ قد قرأتُ قليلًا فتكوّنت لديّ ذائقة أشاهد بها سينما جادة لم تفارقني حتى اللحظة، في الوقت الذي كانت تُعرض فيه بقية دور العرض فيلمًا عربيًا وآخر أجنبيًا، وأحيانًا ثلاثة أفلام في “بروجرام” واحد!

وفي زيارة إلى مدينتي المنصورة اكتشفتُ اختفاء دور العرض كلها بعد بيعها لشرائح اجتماعية تؤثر الدين على الدنيا وتكره دور السينما بكل أشكالها.

السينما، كيفما تكون

تأثرتُ بها في بداية حياتي، ولأن لها من الأهمية ما جعلني أرتقي بالتشكيل، صنعتُ لوحات فيها بعض الأثر من سينما شاهدتها. فالسينما والتشكيل كلاهما بالغ الأهمية في بناء الإنسان الذي قد يغيّر الواقع؛ والفيلم الجيد يعمل أساسًا على لملمة روح الإنسان وعقله الممزق أحيانًا، وعلى تحريك داخله بما يجعله يتأمل ويتذكر ويتخيل، ويناقش ليفهم ويرتقي معرفيًا، وقد يكتشف قدرته هو على الإبداع فيبدع ويسهم في بناء ما يشتغل عليه.

كيف تحوّلنا من روّاد للفيلم العربي إلى باعة جائلين في الحقل السينمائي؟ من أين جاء “اللمبي”؟ وأين اختفت “فؤادة”؟ (فؤادة اسم الشخصية التي أدّتها القديرة شادية في فيلم “شيء من الخوف”، وقد صُنع في زمن عبد الناصر).

السينما لا تخترع أبطالها من الخيال، بل تعكس الواقع وتستلهم أبطالها منه. وفي زمن الانكسار والضعف والخذلان يكون اختيار الأبطال من المشوّهين خُلُقًا وخِلقةً.

معايير السوق الرديئة تحكم الصناعة، وينسحب المبدعون ليقبعوا صامتين في ظلام النسيان. وكل ذلك نتيجة غياب الوعي، وغياب رؤية واضحة لدى الدولة، حكومةً وشعبًا، لحقيقتنا التي يجب أن تُقدَّم على الشاشة، ولقيمنا التي علينا أن ندافع عنها، ولتعريف الشرف الرفيع الذي يُراق على جوانبه الدم.

كانت السينما في بدايتها خفيفة في أغلبها، مصنوعة للتسلية ولقضاء وقت ممتع لأسرٍ كانت تجد فيها سلواها ووسيلتها إلى الترفيه. وكانت دور السينما كثيرة حتى إنها وُجدت في الأحياء الشعبية، وكان ارتيادها سهلًا لسهولة التنقل ولعشق المشاهدين لها، وكان أغلب الجمهور ينتمي إلى الطبقة الوسطى المحترمة.

وكان يحدث أن يأتي مخرج ومنتج بفيلم “خارج السرب”؛ فقد كان لدينا مخرجون صنعوا وقتها أفلامًا عن الواقعية الاشتراكية، تناولوا فيها ما ينوء به المجتمع بسبب غياب العدالة الاجتماعية التي لم تتحقق حتى اللحظة، ولانفراد الأسرة العلوية بأغلب مخصصات الدولة.

ولأن تاريخ مصر يشهد عليهم، فقد كانت لهم رؤية وأهداف، وأهواء وهفوات، لكنهم تركوا تراثًا وإرثًا لا يزال يثير فضول البعض حتى اللحظة، تمامًا كفِرية الجنيهات الذهبية التي لنا عند الإنجليز!

تقدّمت السينما بخطى حثيثة بعد قيام الثورة؛ وقدّم بعض المخرجين أفلامًا أرادوا بها مغازلة الثوار، فجاء أثرها وتأثيرها باهتًا، وصار عدد منها مدعاة للسخرية.

فكلما جاءت ذكرى ثورة يوليو من كل عام عُرض التلفزيون فيلم “ردّ قلبي”، فلا يسع الناس إلا أن يتناولوا الضابط علي وإنجي بالسخرية، لإدراكهم استحالة زواج ابن البواب من ابنة الباشا، وهو أمر غير منطقي في نظرهم، مما سبّب ضجر المشاهدين، وخاصة كارهي الثورة.

ولكن هذه الواقعة كانت فرصة لأنتبه إلى تراجع الإنتاج السينمائي لصالح التلفزيوني، وفرصة لأصوّب نظري إلى السينما المصرية قبل سنة من مغادرتي القاهرة، ولأعتبر أن ما أفكر فيه وأتصوّره عن السينما المصرية ينتمي إلى عصر آفل. وليست القطيعة معه صارمة ولا سريعة، فالسينما ما زالت حاضرة في التلفزيون لأن عددًا من المخرجين انتقلوا إليه، ولأن أولئك المخرجين، وغيرهم ممن لم يخوضوا سوى تجربة تلفزيونية، يغرفون من السينما أيضًا.

لم تعد السينما على تلك العلاقة الحميمة بالحياة كما كانت، إنما التلفزيون ومسلسلاته التي لا تنضب!

كانت لدينا نهضة سينمائية نفخر بها، أنتجت مصر خلالها أفلامًا لا حصر لها، ولم تترك تلك النهضة شيئًا إلا كان لها فيه حظ من نجاح حققته السينما والأغنية معًا. وكان لديّ يقين باستمرار نهضتنا عقودًا قادمة… لكن توقّعي خاب!

عن الكاتب

وُلد مصطفى رحمة في المنصورة عام 1952، وعلّم نفسه الرسم من غير دراسة أكاديمية. رسم الكاريكاتير في صحيفة “الاتحاد” الإماراتية وفي “صباح الخير” القاهرية، وشارك في تأسيس مجلة “ماجد” للأطفال التي صدر عددها الأول عام 1979، وبقي فيها أكثر من ثلاثين عامًا وابتكر فيها شخصية “كسلان جدًا”. ثم انتقل إلى مصر وتفرّغ للتصوير التشكيلي، فأقام معارض عدة منها “هوانم زمان” و”جمهور الست” و”أساطير”. نال جوائز عدة، منها جائزة القطاع الثقافي في الشارقة 1994، وجائزة المجمع الثقافي في أبوظبي 1996، وجائزة الكتاب في دار الأوبرا المصرية 2004، ويقتني معهد العالم العربي في باريس عددًا من أعماله.
Mostafa Rahma

#عبير داغر اسبر#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم