كتبت : خديجة مروان الحسن.مقالة بعنوان:حركية الصورة الشعرية وخباياها عند الشاعر: علي كنعان.

صدر العدد الجديد من جريدة الأسبوع الأدبي العدد ١٩١٩ .

حركية الصورة الشعرية وخباياها عند الشاعر علي كنعان

خديجة مروان الحسن

“القصيدة رحلة مخيفة، وجهد مؤلم لتركيز الخيال.والكلمات، وسيلة صعبة الاستعمال، والشاعر ينفق في بعض الأحيان أياماً وهو يحاول أن يقول شيئا بوضوح”.هذا ما يقوله الشاعر علي كنعان* في لقاءٍ معه عبر أثير إحدى القنوات.كما يؤكد أنّ الخيال تمرين تمارسه الذاكرة فينتج صوراً مرئية،وبلاغة في التعبير.

عندما نقرأ نصّاً للأديب والشاعر علي كنعان نجد أنّه يمثّل درجة عالية من التفرّد والتميّز والصدق وقوّة الذاكرة، بل هو خلاصة جيل كامل وجد نفسه في مواجهة متغيّرات سياسيّة وفكريّة واجتماعيّة عنيفة،جعلته يندفع إلى تحصيل الثقافة بقوة وحماس.قسوة الحياة وجفاف المناخ في قريته شبه الصحراوية التي نشأ فيها،والأفكار والمشاعر الشخصية والأسرية الفريدة تنعكس على صفحات كتابه (الحنظل والرحيق),وتتجلّى الحوادث المؤثرة على اختلاف أبطالها وفصولها وأجوائها، ولاسيما في الموسم السنوي المتجدد خلال ليالي الشتاء الطويلة وسهراتها الممتعة،حول كومة الحطب المتقدة وسط البيت، وصولاً إلى عتبة جديدة من عتبات الحياة وهي مرحلة الجامعة,ودراسة الأدب الانكليزي التي فتحت أمامه أبواب الأدب العالمي، والمسرح، والرواية،والأساطير:إغريقية ورومانية وشرقية.
نضج الذكرى في ذهنه،مع فن مزجها في هيكل القصيدة، ماهو إلا أمر أشبه بالعبقرية التي يمكن أن يكتسبها إنسان موهوب واسع الإطلاع، عن طريق الجهد المستمر في القراءة، والحفظ ،والرغبة الملحّة في الوصول إلى أسمى درجات الشعرية بامتلاكه أدواته الخاصة،فقد مزج صور الخيال برؤى ولمحات من الواقع المرير وألوان من الواقعية والرمزية الشفيفة.
كان للطفولة الأثر الأكبر في تأسيس شخصية الشاعر كنعان الشعرية والاجتماعية لذا فإنّ سيرته الذاتية وذاكرته الأولى،هي أغنى مرحلة من مراحل العمر التي أثّرت في تشكيل نصّه التأسيسي والبناء عليه والانطلاق لإثراء الشغف الشعري في البحث والتأمل وتوسعة الاطلاع وتراكم المحفوظات. يقول الشاعر في كتابه الحنظل والرحيق:” الشعر لغة الروح ونسيجها الرمزي الشفيف والمؤلّف من خيوط حميمة متشابكة،خاصّةوعامّة،وألوان شتى من الأحلام والمواجع ومكتسبات القراءة في الكتب والواقع،إضافة إلى نفحات من أنداء المخزون التراثي من تاريخ وأساطير. ويقول أيضاً: الشعر نتاج طفولة وجودية دائمة،مهما تقدّم الإنسان في مدارج العمر،واتّسعت آفاق وعيه وثقافته، وتشابكت علاقاته،واغتنت تجربته”ص31
يمثّل كنعان نموذجاً للأديب المكتنز ثقافة ووعياً،المندفع نحو المشاركة في الحياة وهو يسعى إلى صياغتها برؤيته الجديدة ذات المدى الإجتماعي الواسع الذي ليس له حدود, فالأدب في رأيه ليس صناعة جماليّة منطوية على نفسها ولا ترفاً،بل هو أن تسمع وترى كلّ مايحدث وسيحدث من خلال تأملات عميقة وذكية يستنبطها عقل الأديب والشاعر المجيد.
حين يقول:
مَلكٌ من زجاج
وقلاع خزف
في بيوت الدجاج
كلُّ حقِّ تنادي به…
حسبوه ترف
فاحترسْ أن تبيتَ وراء السياج
واقتصد بالعلف!
تتأجّج في نصوصه ثقافات متعدّدة تدخل كلّها بعضها مع بعض في حوار ومحاكاة وتعارض،ولكنّ ثمّة مكان تجتمع فيه هذه التعدّدية بلغة إنسانية سامية وحركية ناتجة عن حركة الحياة وقطار الأفكار الذي يراوده.ففي ديوانه (أحاديث العشيات) بعد رحيل سامي عطفة* يقول:
بهدوء جليل كصمت البحار
عاش أوجاعه بيننا
وكبا فجأة كانطفاء الفتيل
جبلاً من نبوغ ومكرمة واصطبار
مثقلاً بهموم الدعاة الكبار
ولكنه لم يتمتم بـ (آخ)
فكيف قسا قلبه وارتضى بالرحيل
تاركاً،خلفه ثلة من فراخ؟! ص53
يخرج الشاعر بطاقتِه الشعرية من الصمت إلى التوهّج ليضيء فضاء الخنوع والظلام، يخرج من المعنى العادي للكلمة إلى معنىً أكثر شمولا وعمقاً. فالحركة الشعرية لديه تصاعدية تؤكّد على تماهي الشاعر مع الواقع والمستقبل والتناغم بين ذاته والآخر، حيث تتحوّل قصيدته إلى ملحمة تدمج الكون مع متناقضات الحياة في بوتقة واحدة،ومهما استغرق في صوره فإنه لايبتعد عن الواقع،كما تترك نصوصه في عقل القارئ مادّة للتأمّل.يقول في قصيدته (زمن العنكبوت):
“عبثاً دماء المسجد الأقصى تنادينا
عبثاً تحرّك نارها فينا
يا ليتنا موتى
ليصوغ أطفالُ الفدى أشلاءَنا
ورداً وأحجارا
ياليتنا موتى..
(واللّي استحوا ماتوا!)”.ص37
اجتمعت في قصائد الشاعر علي كنعان مجموعة من الخصائص المميزة التي جعلت شعره ينطوي على أكثر من وجه ومن أبرز هذه الخصائص
-إنه نصّ حداثوي من حيث التنظيم والبناء
-يملك الشاعر مهارة عالية في تعرية الأوضاع السياسية والاجتماعية،كانتشار الحروب والفقر والغربة والتشرّد وذلّ الحاجة التي حلّت بأكثر العرب، بطريقة فنية رائعة،فكان شعره ظاهرة اختلفت عن كل شعراء هذا الاتجاه وهذا مايعطي الشاعر كنعان سمة التميز والهيمنة بامتلاكه القدرة على رؤية النموذج من خلال الواقع.
في قصيدته (أغنيات لأعراس الجنوب)يقول:
“أين نمضي؟
وكيف نعيش ونعشق؟
ولا موت يحنو علينا..ولا مقبرة
سترضى بستر جرائرنا في التراب
أمة…. صيتها في السحاب
ونحن،بنيها اليتامى،
شظايا لقى لم نغادر بطون الحفر
وطيور الجحيم التي فقّست في ضفاف الخزر
تستبيح ينابيعنا
وتسمم أجواءنا
وتسد البحار
ولا من ملاك يطير بنا خارج المجزرة”. ص 75
يستعمل الشاعر مفردات لغوية جديدة بأسلوب جديد وقوي وتراكيب منسقة تحدد مدى الانفعالات اليومية الآتية،تعجّ بالصور وتموج بالحركة معبراً من خلالها عن هواجس ومواقف متراكمة في عقله الباطن.
نسبة كبيرة من الآلام حملها الشاعر في قالب موزون،ليخفف من أعبائها على نفسه،وبعبارات جزلة تصف تلك الانفعالات العميقة كتب.

ففي قصيدته أغنيات لأعراس الجنوب يقول:
“هارباً من دبق العيش البهيميّ
ومن قيء التكايا
وخفافيش القبور
حاملاً ملء حنين الروح
أشجان المنافي
والتياعات العصور
مدنفاً ألقي بأوجاعي وأحلامي
على أكتاف صور”. ص76
-كما استعان الشاعر بالشعر الملحمي، والشعر المسرحي، واستعمل الأساطير،فأحدث تأثيرات تصويرية، وجمالية، وخصوصا عندما يؤدي غايته، ويوصل القارئ إلى مايريد أن يوصله إليه.
-شذّب القصيدة، وأحلَّ المفردة الأكثر دقة، محل الاستعمال العشوائي للمفردات،واستعمل المجاز،والانزيحات،والخاتمة المناسبة، التي تتجلى بالقدرة العالية على الإبداع.حقق كنعان للقصيدة الكمال، الذي يُرضي ذاته الطامحة، ويشعرها بالراحة بعد عناء الكتابة،ومكابداتها.وهذا ينمّ عن فكر مكتمل الأدوات، وقدرة على التصرف بها.
يؤمن علي كنعان بأدبه،ذلك الإيمان الروحي الشديد الذي يقوّي معنوياته، وهناك أدلة كثيرة في حياته تؤيد ذلك نجدها في كتابه(السيف والمرآة-رحلة في جزر الواق واق) حيث يكتب لنا عن تجربته في اليابان عندما عمل هناك مدرساً للغة العربية لعدة سنوات في جامعة طوكيو. وفي كتاب (الحنظل والرحيق) يدوّن قوة ذاكرته، وذكرياته الناضجة التي ما أنْ تُثار حتى تعود به إلى الماضي،وتكفّ عن كونها مجرّد ذكريات، بل تصبح موجودة دائماَ،كما أنَّ قصيدته الواثقة من مضمونها،المتعمّدة،المسبوكة والمصقولة والخاضعة للتخطيط المدرك تؤكد هذا الإيمان.
*علي كنعان- شاعر ومترجم سوري، ولد في حمص 1936, له تسع مجموعات شعرية منشورة جميعها في مجلدين بعنوان:الأعمال الشعرية-2010, إضافة إلى مجموعة غيوم الخشخاش الصادرة عام 2016. وهو المؤلف لثلاثين كتابا, منها كتاب «رحلة في جزر الواق واق – السيف والمرآة»،ورحلة إلى بكين:«في مدار التنين»، وكتاب «أعلام الرواية اليابانية»,كما صدر له العديد من الترجمات.
* الأديب والناقد السوري سامي عطفة (1930-1992).
__________________

********************
– المصادر:
– موقع: جريدة الأسبوع الأدبي
المكتب الإعلامي – مؤسسة غبشة
الفجيرة، دولة الإمارات العربية المتحدة
– مجلة الحرف والكلمة
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع: دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم