أبنية الحمامات -٤
نداء دندشي نداء دندشي ( باحثة أثرية)
- الحمام الصغير
أقدم حمامات المدينة، في جناحيه الدافئ والحار، وأكثرها فقرا بالزخرفة والعناصر المعمارية التي اشتهرت فيها هذه الأبنية بشكل عام. ولا يمكننا الجزم بتاريخ محدد له، لكن الأستاذ ماجد الموصلي أرجعه إلى العصر الأيوبـي، ومن جهتي لا يمكنني تأكيد الأمر لفقدان لوحة التأسيس، فطراز عمارة الأجنحة الداخلية تشير إلى قدمه، كسماكة الجدران الفاصلة بين الأجنحة وعدم انتظام عمارتها، إضافة إلى ضيق ممراته المؤدية للداخل وخلوه من الزخرفة يقدمان دليلاً على الفقر المدقع – وهي الآفة التي عانت منها المدينة وأثرت على تواصلها مع المدن الأخرى – والأهم هو انخفاض مستوى أرضيته كثيرا عن مستوى الطريق المجاور بحيث ينـزل إليه بدرج من تسع درجات، فيما بنيت بقية الحمامات على مستوى الطرقات المحاذية لها، هذا ما يتعلق بالأجنحة الداخلية، أما القسم البارد فهو بناء عثماني صريح يتسم بالسعة وارتفاع القبة، وقد ذكر في مخطوط “محمد المكي” الانتهاء من عمارته عام 1104 للهجرة/1692 ميلادي.
الوصف
يدخل إليه عبر باب صغير يفضي إلى درج ينتهي بعتبة على يمينه غرفة واسعة استخدمت لحفظ حاجيات الزبائن، ثم درج آخر صغير يؤدي إلى القسم البارد.
القسم البارد
يتألف من قاعة واسعة تحيط بها أربع أقواس مفتوحة على مساطب بمستوى الأرض فرشت بالأرائك، وقد رفعت مسطبة الضلع الغربـي درجتين بحيث تشرف على كامل الصالة، وكانت معدة كمجلس للعريس أو العروس.
القسم الفاتر
يتقدمه مكان تبديل الملابس، والجزء المخصص للمراحيض، ثم قاعة واسعة يتقدمها قوس واسع غير منتظم، ثم مقصورتي استحمام.
القسم الحار
يفصله عما سبقه ممر قصير يؤدي إلى قاعة صغيرة جداً زودت بمقصورتين صغيرتين جدا. (الشكل رقم 2)
ملاحظة
ذكر أسفل الصورة المعروضة بداية البحث أنها للحمام الصغير، بينما تعود لحمام الباشا، وتم عرضها لتقديم فكرة عن القسم البارد لهذه الأبنية، فالفكرة الإنشائية واحدة، والاختلاف يكون بمساحة البناء، وتفاصيل الزخرفة الخاصة بكل منها. أخذت الصورة عن الإنترنت.
- حمام العصياتي
يتميز حمام العصياتي بتخطيط معماري متقن وجميل، وغنى بالعناصر الفنية المترفة، مع مراعاة متانة البناء وطاقة استيعابه للزبائن.
تشير دراسة مخطط الحمام، والعناصر الفنية التي يزخر فيها البناء للوهلة الأولى إلى عمارة العصر المملوكي المترفة، كالقباب الصدفية الشكل والأقواس المخموسة، والتزيين بالمقرنصات، ناهيك عن الضخامة والإغراق في الزخرفة، لكن لدى العودة إلى مصادر تاريخ المدينة خلال العصر المملوكي لا نجد أي ذكر لهذا البناء خلال تلك الفترة، رغم ورود اسم العائلة في أكثر من مصدر، أيضاً لدى تتبع مجريات الأمور في المدينة من خلال يوميات “محمد المكي” الذي ذكر تفاصيل الأحداث خلال الفترة الممتدة بين عامي “1100، و1132 للهجرة”، ومنها الكثير مما له علاقة مباشرة بحمامات المدينة، كالزواج، وتبديل أدوات الاستحمام – إعادة صب النحاسيات – وغيرها من النشاطات. ولم يأت على ذكر حمام العصياتي، وهذا أمر لا يمكن تجاهله في مدينة صغيرة كحمص خاصة أنه من أكبر الحمامات في المدينة وأجملها على الإطلاق، ولا بد له أن شهد الكثير من الأحداث الهامة في الفترة التي كتبت فيها المذكرات، ما يرجح أن يكون بني في العصر العثماني ولكن وفق طراز العمارة المملوكية. وهذا ينفي ما ذكره الباحث ماجد الموصلي عن عمارة الحمام في العصر المملوكي ثم تجديده في العصر العثماني.
دليل آخر على ما ذكرته سابقاً وهو حجر التأسيس، فأمام المدخل الرئيس للبناء لوحة حجرية سطرت عليها الأبيات التالية:
بذا الحمام تنشرح الصدور
بداخله النعمة والحبور
زخارفه تقر بها عين
كذلك ماؤه العذب الطهور
على يد مصطفى الشام تجلا
عروسا تزهو لها خدور
جزاؤك يا ابن مدور في بناه
بأعلى جنة المأوى قصور
بما ساده للناس نفعا
بتاريخ زهر انتشا السرور
1261هـ
في الزاوية السفلى، وبخط صغير كلمة “جدد” وهذا فتح باب الخلاف.
لدى تحليل الأبيات نلاحظ:
ورود اسم شخصيتين لهما علاقة ببناء الحمام، “مصطفى الشام” وابن “مدور” الأخيرة عائلة معروفة في حمص، ما يتعلق بالاسم الأول فهناك احتمالين الأول قد يقصد به “الشامي” فان صح فهي عائلة من حمص، لكن المصادر التاريخية لم تأت على ذكرها كعائلة لها جذورها القديمة. أما إن قصد منها النسبة إلى دمشق الشام، فيعني هذا وجود شراكة بين ابن مدور ورجل من دمشق اسمه مصطفى. من جهتي أرجح التفسير الثاني كونه يبرر ترف البناء الكبير وهو أمر غير معتاد في مدينة عانت الكثير من الضيق الاقتصادي خلال الحكم العثماني، وتبدو أبنيتها العائدة لتلك الفترة بمعظمها فقيرة وبسيطة، باستثناء الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وما يليه، وهي فترة تلى تاريخ بناء الحمام.
تؤكد الأبيات على إتمام بناء الحمام في عام 1262هـ وليس تجديده فالشاعر يتغنى كثيرا بأسلوب البناء والزخارف المترفة التي زين فيها ما يشير على أن البناء محدث، ولم يكن قائما من قبل ثم جدد، فالشاعر فتن بما رآه قبل أن يكتب أبياته. أيضاً أشار وبوضوح إلى الفائدة الكبيرة التي كسبها الحي من إقامة منشأة كهذه فيه أصبحت الحاجة إليها كبيرة، هذا إن لم تعم الفائدة المدينة الصغيرة بمساحتها بأكملها. ونلاحظ التمني للباني بدخول الجنة، أما كلمة “جدد” التي وردت في الزاوية فتشير إلى بعض الإصلاحات اللاحقة التي جرت عليه، ليس إلاَ.
إن بناء الحمام على الطراز المملوكي أمر لم يخرج عن مسار السبل التي سلكتها العمارة عبر تاريخها، بل كان أمر شائع في لغتها، وتكرر على طول الدولة الإسلامية وعرضها، فبناء الأبنية وفق طرز عصر سابق كان رائجا جدا، بل ومرحب فيه من قبل الناس.
وصف البناء
يدخل إليه عبر بوابة حديدية محدثة تفضي إلى غرفة من الاسمنت المسلح. فهذا الجزء من البناء هدم لدى توسعة الزقاق المجاور وتحويله إلى شارع يسمح بمرور السيارات الحديثة، ثم نقلت حجر التأسيس لمكانها أعلى الباب الجديد، ومن هذا القسم ندخل مباشرة إلى أول أجنحة الحمام.
القسم البارد
أكبر الأقسام، يتألف من قاعة مربعة تحيطها أربع أواوين واجهة كل منها قوسا مدببة، تليها مسطبة مرتفعة فرشت بالأرائك الخشبية المنجدة بالجلد وترتفع عن مستوى القاعة بثلاث درجات، وسط القاعة بحرة ماء عذب، القبة سامقة الارتفاع زينت رقبتها باثني عشر نافذة أعلاها قوسا مدببة، كما زودت القبة بأربع نوافذ لمنح المكان مزيدا من الإنارة، والقبة مثقوبة في وسطها ومسقوفة بقبة صغيرة ترتكز على سويرات حجرية، زينت الأرضية برخام مجزع (الشكل رقم 4).
قسم تبديل الملابس
غرفة مستطيلة الشكل زين الجدار المواجه لباب الدخول بزخرفة مكونة من قوس مشرعة يتناوب فيها الحجر الكلسي مع البازلت يؤطرها باب مسمط، سقفت بقبة بيضية بنيت من الآجر غمست فيها قمريات ملونة للإنارة، كالعادة يقسم إلى جناح المنافع الصحية، وهذا وزوّد حديثاً بحمام ساونا معاصر، وأيضاً مغسلة من البورسلان، ثم مكان التبديل حيث الطاولات الخشبية المخصصة لوضع الملابس أثناء عملية تبديلها.
القسم الفاتر
قاعة متقنة العمارة مستطيلة سقفت بقبة بيضيه ترتكز على حنيات ركنية على الزوايا، غمست فيها قمريات زجاجية ملونة، زودت القاعة بثلاث مآخذ للمياه وثلاث مقاصير خاصة.
القسم الحار
قاعة واسعة مستطيلة سقفت بعقد بني من الآجر غمست فيه قمريات الإنارة، وعلى الزوايا حنيات ركنية يتقدمها إيوان ومسطبة بمحاذات بيت النار يفصل مكان التعرق والتدليك عن أماكن الاستحمام التي ازدحمت فيها القاعة، ولهذا الجناح أربع مقاصير خاصة.
قسم تبديل الملابس
ويدخل إليه عبر باب أعلاه قوسا صدفية، ويتألف من قاعة مستطيلة سقفت بعقد طولي ينتهي بقوس مدبب يفضي إلى ممر طويل منكسر، على يمين القسم الأول باب يؤدي إلى المرافق الصحية “المراحيض” بينما يؤدي الثاني إلى الجناح الثاني من الحمام. زود هذا الجناح بباب جانبـي يوصله بالخارج عبر ممر طويل قبب بعقد طولي، يذكر أنه خصص لأصحاب الحمام يدخلون إليه دون الحاجة للمرور بالمحاسب، كما أنه كان يفتح أحياناً لدخول السيدات من الأقارب. ولهذا المدخل وظيفة إنشائية تمنع تسريب الحرارة نحو القسم البارد.
القسم الفاتر
ويتألف من قاعة سقفت بقبتين بيضاويتي الشكل يفصلهما قوسا مدببة، في القسم الأول عقد على جانبيه أيوانين أغلقا فيما بعد بجدار حديث يصل إلى منتصف الإيوان، واستخدما كمكان استحمام خاص، وكان الفقراء يستخدمون هذا المكان بشكل جماعي ما يوفر عليهم بعض النفقات. القسم الآخر زود بمقصورتين خاصتين، زينت الأولى بقبة أعلى السقف يحيطها من الأسفل شريط من المقرنصات (الشكل رقم 3). الثانية سقفت بقبة جميلة مضلعة ترتكز على حنيات ركنية صدفية الشكل يتلاءم والقبة في الصالة.
القسم الحار
قاعة مثمنة الأضلاع سقفت بقبة نصف كروية أضيئت بقمريات موزعة على شكل زخرفة من نجوم مثمنة متتالية داخل بعضها، ولهذا القسم أربع أواوين متقابلة، وأربع مقاصير. الإيوان الأول هو مدخل الجناح، واجهته عقد مدبب على جانبيه محرابين غائرين أعلاهما قوسا مروحية خماسية الفصوص، في الجهة المقابلة إيوان زين طرفاه بزخرفة تماثل المحرابين لكنها ليست غائرة، يلي الإيوان بيت النار ويلاحظ عدم وجود مصطبة للتدليك على غرار بقية الحمامات في المدينة، بل كان المستحم يستلقي على الأرض مباشرة، هذا ويخلو هذا القسم من المقاصير أو مآخذ المياه.
الإيوانان الآخران سُقف كل منهما بقبة صدفية وزُود كل منهما بمقصورتين، وقد زينت المقاصير جميعها بالقباب وغرست فيها قمريات الإنارة، وتفنن المعماري في زخرفة القباب فهي إما زينت بالمقرنصات أو بقباب صدفية أحيطت بشريط من الأقواس المدببة
الحمام العثماني..
- نداء دندشس – كتاب حمص لما اكتملت


