فايز قوصرة بين التوثيق الميداني والتاريخ المكتوب: دراسة في المنهج والرؤية…
تركي المصطفى
أولاً: سيرة حياته ومساره العلمي
- وُلِد فايز بن عبد القادر قوصرة في مدينة إدلب سنة 1945، ونشأ في بيئة محبة للقراءة والاهتمام بالتاريخ والآثار.
- تأثر منذ صغره بجده لأمه المؤرخ الحلبي المعروف محمد راغب الطباخ، صاحب «إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء»، حتى إنه أهدى إليه أحد كتبه عن إدلب وصرّح بأنه أول من طبع عن تاريخ حلب، وهذا يفسر مبكراً انشداده إلى التاريخ المحلي والكتابة التوثيقية.
- تلقى تعليمه المدرسي في إدلب (ابتدائي–إعدادي–ثانوي)، ثم انتقل إلى دمشق ليدرس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وحصل على شهادتين جامعيتين في الآداب والفلسفة، ما أعطى كتابته التاريخية طابعاً لغوياً وتحليلياً واضحاً.
- عاش فترة من حياته في رومانيا، وتزوج من سيدة رومانية، ثم عاد إلى سورية بعد وفاة زوجته، والتحق بالعمل في المركز الثقافي في إدلب، منخرطاً في الحياة الثقافية الرسمية والمحلية معاً.
من حيث التكوين الثقافي، جمع قوصرة بين الحس التاريخي الموروث من البيئة العائلية، وبين التكوين الفلسفي–الأدبي الجامعي، ما يفسر الجمع عنده بين التوثيق والتحليل، وبين الحس بالمكان والحس الإنساني العام.
ثانياً: نشاطه الإعلامي والثقافي والمؤسسي - نشر أول مقال له وهو في السابعة عشرة تقريباً بعنوان «إيمانٌ بالنجاح» سنة 1962 في مجلة «الخمائل» الحمصية، وعمل لاحقاً مراسلاً لها.
- عمل مراسلاً ومحرراً في عدد من الصحف والمجلات، أبرزها: صحيفة «إدلب الخضراء» التي تولى إدارة تحريرها سنة 1986، ومجلة «سنابل» الليبية التي عمل فيها كاتباً ومحرراً منذ 1990.
- يُعد من المؤسسين الأوائل لجمعية العاديات في إدلب، وهي جمعية تعنى بالتراث والآثار، وشكّلت – بحسب وصف بعض المصادر – «حالة حضارية في الحفاظ على الآثار السورية» في المحافظة.
- ركّز جهده على توثيق الآثار والمواقع الأركيولوجية، وعلى كتابة تاريخ إدلب والبلدات المحيطة بها، حتى لُقّب في عدد من المواد الصحفية بـ«مؤرخ إدلب» و«عاشق إدلب»، في إشارة إلى التصاق مشروعه العلمي بالمكان المحلي.
تُظهر هذه الأنشطة أن قوصرة لم يكن مجرد كاتب منفرد، بل فاعلاً ثقافياً يدير تحرير صحف محلية، ويسهم في تأسيس جمعيات تراثية، ويشارك في تشكيل ذاكرة جماعية لأهالي المنطقة.
ثالثاً: مشروعه البحثي ومؤلفاته
تشير المصادر إلى أنه ألّف أكثر من ثلاثين كتاباً، طُبع منها ثلاثة وعشرون حتى السنوات الأخيرة من حياته. ويمكن – استناداً إلى ما توفر – تصنيف مؤلفاته الكبرى في محورين: (1) تاريخ إدلب ومحيطها الأثري، (2) توثيق شخصيات وأحداث محلية–وطنية. فيما يلي أبرز العناوين المتداولة في المصادر:
- كتب في جغرافية إدلب وآثارها
- «الرحالة في محافظة إدلب» (جزءان): صدر عن مطبعة الشرق بحلب عام 1988؛ يوثّق مسارات الرحالة في إدلب، ويمزج بين الوصف الميداني والتاريخ الأثري للمناطق التي زاروها، وهو من أوائل كتبه التي عرّفت القرّاء بتراث المحافظة، وقد أعاد قرّاء معاصرون التنويه به في شهاداتهم الشخصية.
- «حارم.. دمشق الصغرى» (1988): كتاب مكرَّس لمدينة حارم، يوثّق تاريخها ودورها الحضاري، ويبرز وصفها بـ«دمشق الصغرى» من حيث حيويتها التاريخية والاقتصادية ضمن الشمال السوري.
- «قلب لوزة درة الكنائس السورية» (1995): يركّز على كنيسة قلب لوزة في ريف إدلب، وهي من أبرز الكنائس البيزنطية في سورية، ويربط بين المعطيات الأثرية والقراءة التاريخية لعمارة الكنائس السورية الشمالية.
- «من إبيلا إلى إدلب» (2001): يتناول تطوّر المكان من المدينة الأثرية القديمة «إبيلا/إيبلا» إلى إدلب الحديثة، في محاولة لربط تاريخ طويل من الاستيطان والعمران في هذه البقعة من سورية.
- «التاريخ الأثري للأوابد العربية الإسلامية في محافظة إدلب» (2006): صدر عن وزارة الثقافة، ويعد من أهم أعماله التوثيقية؛ إذ يجمع مواقع الآثار العربية–الإسلامية في المحافظة، مع وصف تاريخي ومعماري لها، ما يجعله مرجعاً محلياً أساسياً لدارسي الآثار في الشمال السوري.
- «ولاية الفوعة» (2008): يختص بتاريخ بلدة الفوعة ومحيطها، في سياق تاريخي–محلي مشابه لعدد من كتبه عن بلدات إدلب.
- «إدلب البلدة المنسية» (2019): عمل متأخر منجز في جزأين (يظهر جزء منه متاحاً على «الأرشيف المفتوح») يصرّح فيه المؤلف بأنه يسعى إلى وضع «أسس التأريخ لإدلب التي لم يؤرخ لها كما يجب»، فيجمع بين الوثائق والنقول التاريخية والمشاهدات الميدانية.
- «جولة في متحف إدلب»: كتاب توثيقي يصحب القارئ في جولة داخل متحف إدلب، معرفاً باللقى الأثرية وغنى التراث المادي للمحافظة؛ وصفته إحدى المقالات الصحفية بأنه «رحلة إلى داخل متحف إدلب» للقارئ العام والمتخصص معاً.
- كتب في التاريخ المحلي والوطني
- «حصن شغر بكاس (حطين الثانية)»: يتناول حصن شغر بكاس ودوره في الصراع الصليبي–الإسلامي، ويصفه المؤلف بكونه «حطين الثانية»، في محاولة لإبراز معركة محلية ضمن سياق الذاكرة التاريخية الكبرى.
- «الثورة العربية في الشمال السوري: ثورة إبراهيم هنانو» (2008): صدر عن وزارة الثقافة، ويوثّق الثورة التي قادها إبراهيم هنانو في الشمال السوري ضد الاحتلال الفرنسي، مع تركيز على بُعدها في إدلب ومحيطها، وهو من النصوص المهمة في إعادة كتابة التاريخ الوطني من زاوية محلية.
وتذكر بعض الصفحات الشخصية على «فيسبوك» قائمة أطول نسبياً لأعماله، من بينها عناوين ذات بعد اجتماعي–محلي أو توثيقي أدبي موجّه لأهالي إدلب، لكن ما سبق هو ما ظهر في المصادر الأكثر توثيقاً.
رابعاً: منهجه في الكتابة التاريخية ورؤيته للمكان
من خلال عناوين مؤلفاته والمقتطفات الوصفية عنها يمكن استخلاص عدد من السمات المنهجية: - محورية المكان المحلي: تكاد أعماله جميعاً تدور حول إدلب ومحافظتها؛ قرى، بلدات، آثاراً ومتاحف، ما يجعل مشروعه أقرب إلى «تاريخ محلي شامل» لإدلب ضمن سياق التاريخ السوري العام.
- الجمع بين التوثيق الميداني والمصادر المكتوبة: عنوان مثل «رحلة مؤرخ عشق المكان» في إحدى المواد الصحفية ليس مجازاً فقط؛ فالقوصرة يجمع بين زيارة المواقع الأثرية، وملاحظة عمارتها ووضعها الراهن، وبين الرجوع إلى المصادر التاريخية والنقوش والوثائق المتاحة، خاصة في كتبه عن الأوابد والكنائس والأديرة.
- الكتابة للقارئ العام مع مراعاة الحد الأدنى الأكاديمي: كثير من كتبه صدرت عن مطابع محلية ووزارة الثقافة، بصياغة عربية سلسة ومباشرة، تخاطب القارئ غير المتخصص، لكنها تحافظ على الإحالة إلى التواريخ والأماكن والوثائق، ما يجعلها مواداً يمكن أن يستند إليها الباحثون في الدراسات الجامعية عن المنطقة.
- الوعي بالذاكرة والهوية: اختياره لموضوعات مثل ثورة إبراهيم هنانو، ووصفه لإدلب بـ«البلدة المنسية»، وتوثيقه للآثار الإسلامية والمسيحية معاً، يعكس رؤية تعتبر أن استعادة التاريخ المحلي جزء من حفظ الهوية السورية في الشمال، وليس مجرد شغف شخصي بالماضي.
خامساً: صورته الاجتماعية وسيرة أواخر حياته - تصفه مواد صحفية وإعلامية بأنه «مؤرخ إدلب الذي توفي عاملاً في محل بقالة»، في إشارة مؤلمة إلى التناقض بين القيمة المعرفية لمشروعه وبين ظروفه المعيشية في أواخر حياته.
- يذكر موقع «التاريخ السوري المعاصر» أنه توفي يوم الخميس 23 أيار/مايو 2024 في إدلب، متأثراً بجلطة دماغية أدخلته في غيبوبة لأسابيع.
- بعض الشهادات الشخصية على وسائل التواصل – منها منشورات لقرّاء يذكرون أن «أول كتاب قرأته في سن 16 كان كتابه الرحالة في محافظة إدلب» – تشير إلى أثر مبكر لكتبه على أجيال من أبناء المحافظة، ما يعزز صورة «المؤرخ الشعبي» الذي يخاطب مجتمعه مباشرة.


