
محمد فتيلينه
قديما، في الطفولة الباكرة، كنت كلما زرت الجدة أو العمة أو الخالة، إلا وصادفت إحداهن تتابع بشغف وانتباه، بل بـ«سلطنة»، القصائد المغنّاة على أمواج الأثير، بصوت أم كلثوم أو فيروز أو عبد الوهاب أو أحمد وهبي. غير أن الذي بقي عالقا في ذهني، على نحو خاص، كلمات أغنية «يا جارة الوادي» بصوت نور الهدى (واسمها الحقيقي ألكسندرا نقولا بدران)، وهي تطرب المستمع العربي عبر الإذاعات العربية أو BBC، بينما تردد تلك الجدة أو العمة أو الخالة بعض أبيات القصيدة مع اللحن.
وكثيرا ما راودني السؤال: لماذا كانت المرأة تطرب لمثل تلك الأغاني الكلاسيكية الفصيحة، وهي لا تعرف القراءة والكتابة؟ بل الأغرب من ذلك أنها كانت تحفظها، وتحفظ غيرها، وربما ردّدت أبياتا كاملة من قصائد لم ترها مكتوبة في حياتها؟
هل كان ذلك نوعا من «التلقين الأثيري»؟ أم أن قرب اللهجات المحلية من الفصحى جعل استقبالها يسيرا؟ أم أن سحر الصوت والموسيقى والكلمات لعب دوره؟ أم أن الأمر، في النهاية، يعود إلى قدرة أجيال بعينها على التلقي والحفظ والتذوق الفني، قبل أن تتغير علاقة الأجيال اللاحقة بالصوت والكلمة؟ ربما كان كل ذلك مجتمعا. لكن تبدو المسألة أعمق من مجرد الحنين إلى زمن مضى. فالأغنية العربية، في جانب كبير منها، كانت مدرسة سمعية غير معلنة. لم يكن المستمع يحتاج إلى أن يعرف القراءة كي يتعلم شيئا من اللغة، ولم يحتج إلى شهادة كي يتذوق الشعر، لأن الشعر كان يصل إليه من طريق آخر: من الأذن.
اقتحمت القصيدة المغناة الفضاء والزمان، فدخلت البيت، وجلست إلى جوار الأسرة، ورافقت المرأة وهي تطبخ، والرجل وهو يصلح شيئا في فناء الدار، والطفل وهو يلعب. وكانت الإذاعة آنذاك نافذة واسعة على عالم لا تراه العين. صوت يأتي من مكان بعيد، لكنه يصبح جزءا من الحياة اليومية، ليفتح أفقا للخيال. ولذلك لم تكن «يا جارة الوادي» مجرد أغنية، بل كانت، بالنسبة إلى جيل كامل، قصيدة تُحفظ من دون كتاب. كان كاتبها أحمد شوقي يصل إلى الناس مغنّى، وإبراهيم ناجي يصلهم بصوت أم كلثوم، والشعر العربي القديم والحديث يجد طريقه إلى أناس، ربما لم تطأ أقدامهم مدرسة. وحين تتكرر الأبيات عشرات المرات، سريعا تمسي مألوفة، ثم محفوظة، ثم تستوطن الذاكرة. وهنا تكمن إحدى عجائب الثقافة الشفوية، لأن الإنسان لا يحتاج دائما إلى فهم الكلمة كي يحفظها، بل يحتاج إلى أن يسمعها بما يكفي كي يألفها.
كانت المرأة الأمية تعرف أن «يا جارة الوادي» قصيدة جميلة، قبل أن تعرف أنها من شعر أحمد شوقي، وربما لم تكن تعرف معنى كل مفردة فيها. لكنها كانت تعرف إيقاعها، ومخارج حروفها، ومواضع ارتفاع الصوت وانخفاضه، وتحفظ منها ما يلامس وجدانها. وهذا، بالمناسبة، ليس أمرا خاصا بالعرب، فالثقافات البشرية كلها عرفت، قبل انتشار الكتابة، أن الشعر يُحفظ بالأذن قبل العين.
كانت الإذاعة جامعة مفتوحة:
يبدو لنا اليوم غريبا أن نتحدث عن الإذاعة بوصفها مؤسسة ثقافية، لا مجرد وسيلة ترفيه، لكن الأمر كان كذلك بالفعل. كان الراديو يحتل مكانا مختلفا في البيت. لم يكن واحدا من عشرات الأجهزة التي تتنافس على انتباه الإنسان. كان الجهاز الوحيد تقريبا الذي يأتي منه العالم. من خلاله تعرّف الناس إلى الأخبار، والموسيقى، والشعر، والخطابة، والمسرح، والبرامج الثقافية، واللغات واللهجات، وأصوات الفنانين والشعراء والمذيعين. ولذلك كان المستمع القديم يصغي. فالاستماع آنذاك لم يكن بالضرورة نشاطا هامشيا أثناء تصفح الهاتف أو قيادة السيارة أو العمل. كان فعلا قائما بذاته. كان هناك متسع للاستماع، وكانت القصيدة تحتاج إلى ذلك الوقت.
من الأذن إلى الذاكرة:
ولعل هذا يفسر جانبا من قدرة ذلك الجيل على الحفظ، فاليافع الذي يسمع أغنية عشرين مرة، لا يحتاج إلى بذل جهد كبير لحفظها. والمرأة التي تسمع القصيدة نفسها كل أسبوع، ثم كل شهر، ثم تعود إليها الأغنية في مناسبات مختلفة، تصبح القصيدة مع الوقت جزءا من ذاكرتها. لقد كانت الذاكرة السمعية تعمل بكفاءة مذهلة. ولم تكن الأغنية وحدها هي التي تحفظ. كان المستمع يحفظ أسماء الفنانين، والمطربين، والملحنين، ومطلع القصائد، وبعض تفاصيل حياة أصحابها. وكان بإمكان رجل لم يقرأ كتابا واحدا في الشعر أن يعرف عشرات الأبيات، لأن الشعر لم يصل إليه من الورق، وإنما وصل إليه محمولا على الموسيقى. ولعل هذه واحدة من الوظائف الثقافية العميقة للأغنية العربية الكلاسيكية، التي لا ننتبه إليها كثيرا. لقد جعلت الشعر متاحا لغير القارئ، وهذه في حد ذاتها مهمة حضارية، الفصحى لم تكن بعيدة كما نتصور. ثم إن الفصحى التي كانت تصل عبر الأغنية لم تكن فصحى مدرسية جافة.
كانت فصحى مغنّاة وهذا فرق كبير:
حين تدخل الكلمة في سياق عاطفي، وتُمنح لحنا وصوتا وإيقاعا، فإنها لا تصبح غريبة. لأنها تجعل المستمع قادرا على التقاطها من السياق، حتى إن لم يعرف تعريفها في المعجم. ربما كان قرب اللهجات العربية من الفصحى عاملا مساعدا أيضا. فالكثير من المفردات والتراكيب الفصيحة لم تكن غريبة تماما على السامع الجزائري، حتى إن اختلف نطقه اليومي عنها. لذا، فالصوت الجميل يستطيع أن يجعل الكلمة الغريبة سهلة، والكلمة القديمة جديدة، والعبارة الغريبة مألوفة. وهنا كانت أم كلثوم، وفيروز، وعبد الوهاب، وأحمد وهبي وغيرهم، أكثر من مطربين. كانوا وسطاء بين الشعر والجمهور.
ترى ماذا خسرنا حين تراجع حضور القصيدة:
لا أظن أن المشكلة في الموسيقى الحديثة نفسها. فكل عصر يخلق موسيقاه، وكل جيل يبحث عن صوته الخاص، ومن الظلم أن نقيس كل إنتاج جديد بمعايير إنتاج الأمس.
تبدأ المشكلة عندما تصبح الموسيقى منفصلة تماما عن الحاجة إلى الكلمة. لقد انتقلنا تدريجيا من زمن كانت فيه الأغنية تحتاج إلى قصيدة، إلى زمن يمكن أن تكفي فيه جملة قصيرة قابلة للتكرار. ومن زمن كان المستمع ينتظر الأغنية ويصغي إليها، إلى زمن تتنافس فيه آلاف الأغاني على ثوانٍ قليلة من انتباهه. ومن زمن كانت فيه الأغنية تستغرق عشر دقائق أو أكثر، إلى زمن صارت فيه الأغنية مطالبة بأن تخطف المستمع خلال ثوانٍ. ومن هنا تغيّر الذوق، لم يعد الإيقاع خادما للكلمة دائما؛ صار في كثير من الإنتاج المعاصر هو البطل. ولا أقول إن هذا كله نتيجة «الغزو الغربي» وحده، فالتغير أعقد من ذلك. هناك العولمة، وتطور تقنيات التسجيل، والتلفزيون، ثم الإنترنت ومنصات التواصل، واقتصاد الانتباه، وتغير أنماط الحياة، وتراجع القراءة، وتحوّل الموسيقى إلى صناعة عالمية. لكن زحف التأثير الغربي أصبح واضحا في الموسيقى العربية الحديثة، سواء في الإيقاعات، أو الآلات، أو أنماط الإنتاج، أو بنية الأغنية، أو طريقة تقديم الفنان وصناعة النجومية، وهكذا انتقلنا من أغنية تُسمع إلى أغنية تُستهلك. لذا فإن الفرق بين الفعلين كبير.
هل تراجع الذوق:
ربما الأدق أن نقول إن الذائقة تغيّرت، لا أنها انهارت بالكامل. لكن هناك حقيقة لا ينبغي إنكارها، وهي تراجع حضور اللغة والشعر في الحياة اليومية. فجيل الأمس كان يمكن أن يحفظ قصيدة كاملة لأنه سمعها مغنّاة. أما جيل اليوم فقد يحفظ مقطعا موسيقيا كاملا، ويعرف إيقاعه، ويعيده عشرات المرات، من دون أن يكون للكلمات الوزن نفسه في التجربة.
وهنا تظهر المفارقة.
لقد أصبحت الموسيقى أكثر حضورا، بينما أصبحت الكلمة أقل حضورا. صرنا نسمع أكثر، لكننا ربما نصغي أقل. نستهلك أغاني أكثر، لكننا نحفظ منها أقل. لدينا أعداد هائلة من التسجيلات في هواتفنا، لكن ذاكرتنا الشخصية ربما تحمل من الأغاني والقصائد أقل مما كانت تحمله ذاكرة جداتنا. بينما في السابق، كانت الجدة لا تملك مكتبة، ولا هاتفا، ولا تطبيقا للموسيقى، لكنها كانت تملك الذاكرة، وكان الراديو كتابها المسموع. ولعل السؤال الذي طرحته في البداية عن تلك المرأة التي لا تقرأ ولا تكتب، ثم تحفظ شوقي وناجي وغيرهما، يقودنا في النهاية إلى حقيقة بسيطة: الثقافة لا تدخل الإنسان من العين وحدها. قد تدخل من الأذن. وقد تدخل من اللحن. وقد تدخل من صوت امرأة تجلس في ركن من بيت قديم، وتردد مع نور الهدى:
يا جارة الوادي طربتُ وعادني ما يشبه الأحلام من ذكراكِ…
ثم تسكت.
وربما لم تكن تعرف يومها أن ما تحفظه ليس مجرد أغنية، بل جزءا من ذاكرة عربية كاملة كانت، شيئا فشيئا، تتعلم الشعر وهي تظن أنها تستمع إلى الموسيقى.
كلمات قصيدة ياجارة الوادي:
يا جارة الوادى
كلمات الشاعر: احمد شوقي
الحان الموسيقار : محمد عبد الوهاب
غناء: محمد عبد الوهاب – نور الهدى – فيروز
يا جارة الوادى طربت و عادنى ما يشبه الأحلام من ذكراك
مثلت فى الذكرى هواك و فى الكرى و الذكريات صدت سنين الحاك
ولقد مررت على الرياض بربوة غناء كنت حيالها ألقاك
لم أدرى ما طيب العناق على الهوى حتي ترفق ساعدى فطواك
و تأودت أعطاف بانك فى يدى و احمر من خفريهما خداك
و دخلت فى ليلين فرعك و الدجى و لثمت كالصبح المنور فاك
و تعطلت لغة الكلام و خاطبت عينى فى لغة الهوى عيناك
لا أمس من عمر الزمان و لا غد جمع الزمان فكان يوم رضاك


