قصة:صدى في القفص.الفقرة”51″من (صدى القصة القصيرة).لأننا نعلم أن الطائر الذي سيخرج..سيكون نحن.

  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    💥يتجدد اللقاء الأدبي وأمسية إبداعية بحضوركم الراقي…
    💥أهلا بكم في “الفقرة “51” من (صدى القصة القصيرة) يوم الجمعة 28 نوفمبر تشرين الثاني 2025..
    وفيها نختار قصة من منشورات “فن القصة القصيرة” ونضعها تحت عيون القرَّاء لإبداء الرأي فيها والكل مدعو “قُرَّاء وأدباء ونقاد وأعضاء” لتناول القصة كما بدت لهم.
    💥بعد ثلاثة أيام تنتهي التعليقات بإذن الله ويدخل كاتب النص يجيب على الآراء ويَشكر كل من تناول نصه.
    💥القراءة غذاء الروح.. فهيا نكسر حاجز الصمت ونتجوّل بواحة الأدب مستمتعين… نرجو التفاعل والتعليق فكل الآراء ستكون مفيدة إيجابا أو سلبا للكاتب ولجميع الأدباء.🌷

سنختار كل أسبوع نصاً أدبياً ونص اليوم هو:

قصة قصيرة:

صدى في القفص

لم أكن أعرف جاري إلا كما تُعرف الظلال: بمرورها الصامت على الحائط.
كان يمشي كل صباحٍ وكأنه يخاف أن يوقظ الحياة من نومها، يعود مساءً بخطواتٍ مترنّحة، كمن عاد من معركةٍ خاسرة مع ذاته.
لم يترك في الممر سوى رائحة عطرٍ باهتة، وثرثرةٍ خفيفة تأتي من شقّ الباب… لم تكن تلك الثرثرة صوت بشر، بل طائرٍ يتكلم.

وذات مساء، جاءني يحمل قفصًا صغيرًا وفيه ببغاء بلون الغابات التي لم يعد يزورها أحد. قال بصوتٍ خافت:
ـ سأغيب أيامًا… فهل تعتني به؟
كانت نظرته مزيجًا من الخجل والرجاء، كمن يسلّم للقدر آخر ما تبقّى له من دفء.

وافقت. لا أدري لماذا. ربما لأن شيئًا في عينيه يشبه ما في داخلي: فراغٌ له ملامح إنسان.

في الليلة الأولى، صمت البيت طويلًا، ثم انشقّ الصمت عن صوتٍ رقيقٍ ينادي:
ـ سامي… سامي…
كان الببغاء ينادي الجار كما ينادي طفلٌ أباه في المنام.
لكن الغريب أنه نطق الاسم بنبرةٍ فيها شيءٌ من صوتي.

في اليوم التالي، اقتربت من القفص وسألته بخفوت:
ـ هل تفتقده؟
ردّ بصوتٍ أقرب إلى تنهيدةٍ بشرية:
ـ لا أحد يفتقد أحدًا… نحن نفتقد أنفسنا فيهم.

تراجعت. لم أدرِ أهو صدى صوتي، أم صدى وعيٍ لا أعرف مصدره.
كان الطائر يتحدث وكأنه يذكّرني بما نسيته منذ زمن: أن الأشياء التي نحبّها، لا تختفي حين ترحل، بل تهاجر إلى داخلنا وتستيقظ بأصواتٍ أخرى.

عاد الجار بعد أسبوعٍ من الغياب. بدا كمن خرج من نفقٍ طويلٍ لا يؤدي إلى النور.
فتح القفص ببطءٍ، فصرخ الببغاء بفرحٍ طفوليٍّ حزين:
ـ سامي! سامي! تأخرتَ كثيرًا…

ابتسم الرجل واغرورقت عيناه، ثم التفت إليّ قائلًا:
ـ غريب، لم أنادِ نفسي باسمي منذ شهور… كيف تعلّمه؟
قلت له:
ـ ربما كنتَ تهمس به وأنت تحلم.
هزّ رأسه وقال:
ـ أو ربما كان يعرفه قبل أن أخلقه.

ضحكته تلك لم تكن ضحكةَ بشرٍ، بل نغمةَ وداعٍ خفيّ.

بعد أيام، لم أعد أراه.
طرقْتُ بابه، فوجدت القفص مفتوحًا، والطائر غير موجود.
على الطاولة ورقةٌ مكتوبة بخطٍّ متردّد:

“كلّنا ببغاوات في قفص الذاكرة. نكرّر ما لم يُسمَع، ونبحث عمن يصدق أن الصدى حياة.”

نظرت حولي فلم أجد أثرًا له، إلا ظلّه العالق على الجدار، كأنه ترك نصفه الأخير في الضوء.

ومنذ تلك الليلة، صار الببغاء يزورني في الحلم. أحيانًا يكون في القفص، وأحيانًا في صدري.
يناديني باسمي، ثم يقول بصوتٍ يشبه الجمع بيني وبينه وبالجار الغائب:
ـ أنتم لستم ثلاثة… أنتم صدى واحد في أجسادٍ مختلفة.

الآن، كلما سمعت صوت طائرٍ في الفجر، أرتبك.
أخشى أن يكون ذلك الوعي الجمعي الذي يذكّرنا بما فقدناه جميعًا: تلك الأصوات التي أُسكتت تحت ضجيج العالم.
ربما لم يكن الببغاء طيرًا، بل مرآةً لغرف الذاكرة التي نسكنها دون أن نعلم، يردّد ما دفنّاه فينا من خيباتٍ وأمنياتٍ وأسماء.

في النهاية، لم يكن الجار وحده من ربّى ببغاء…
بل نحن، جميعًا، نربّي صدى أصواتنا في أقفاصٍ صغيرةٍ داخل أرواحنا،
نخاف أن نفتحها، لأننا نعلم أن الطائر الذي سيخرج…
سيكون نحن.


تحياتي للجميع🌹

أخر المقالات

منكم وإليكم