
الطفولة وإعادة تشكيل الزمن!
دراسة في جماليات اللون وآليات التذكر في المشروع التشكيلي لتحسين الزيدي
دنيا فهمي، تونس
تحمل تجربة تحسين الزيدي رؤية تتجاوز استحضار الطفولة بوصفها مرحلة عمرية، لتجعل منها أداة تعيد تنظيم الزمن داخل اللوحة. الطفل يحتل مركز المشهد، غير أن حضوره يمتد إلى ما هو أبعد من السيرة الشخصية، فيغدو عين تستعيد العالم بعد أن مرت عليه التجربة، وتعيد ترتيب مفرداته وفق منطق الذاكرة. عند هذه اللحظة تفقد الأشياء تسلسلها الزمني المعتاد، وتدخل في فضاء يتقاطع فيه الماضي مع الحاضر، فتتشكل صورة أقرب إلى فعل التذكر منها إلى تسجيل الواقع.
ويتأسس هذا العالم على منظومة من المفردات التي تتكرر في معظم الأعمال؛ الطائرة، وقطع الليغو، والفراشة، والسيارة، والكرة، والنخلة. ويؤسس تكرارها قاموسا بصريا متماسكا، فتتحول قطعة الليغو إلى استعارة لفعل البناء، وتحمل الطائرة معنى العبور، وتستحضر الفراشة فكرة التحول، بينما يجمع الطفل هذه العلامات داخل بناء واحد، فتغدو الأشياء حاملة للزمن أكثر من ارتباطها بوظيفتها اليومية. وتنبع قوة هذه المفردات من قدرتها على استدعاء الخبرة الإنسانية عبر الإيحاء، دون الوقوع في المباشرة أو السرد الحكائي.
وتتقاطع هذه الرؤية مع بعض خصائص الواقعية السحرية، حيث تحتفظ العناصر بهيئاتها المألوفة، بينما يعيد البناء التشكيلي تنظيم علاقتها بالزمن، فتولد دلالات تتجاوز ظاهر المشهد. ويستحضر هذا البناء جانبا من الهدوء التأملي الذي يميز أعمال
Andrew Wyeth،
حيث تكتسب الأشياء العادية حضورا وجدانيا عميقا؛ ومن زاوية أخرى، تقترب التجربة من بعض الحلول البصرية عند Peter Doig في تحويل المكان إلى فضاء تستقر فيه الذاكرة أكثر مما تستقر فيه الأحداث، مع احتفاظ تحسين الزيدي بلغته الخاصة، المستمدة من البيئة العراقية ومن مفردات الحياة اليومية التي تتحول في أعماله إلى علامات تحمل الزمن، أكثر من حملها للحدث ذاته.
يؤدي اللون دورا محوريا في بناء هذا المشروع. الرماديات تمنح الفضاء سكينة وتأملا، ثم تتقدم الأزرقات والأصفرات والبرتقاليات بإيقاع يوقظ أثر التجربة في الوجدان. وتقترب هذه المعالجة من مفهوم لون الذاكرة، حيث يستحضر الذهن القيمة الشعورية للألوان أكثر من صورتها الواقعية، فتغدو الطبقات اللونية وعاء يحتفظ بأثر الزمن، وتتحول الإضاءة إلى عنصر يربط بين الاستذكار والحضور، ويمنح اللوحة طاقتها التعبيرية.
يكشف البناء التشكيلي عن وعي واضح بالعلاقة بين الكتلة والفراغ، وبين الثبات والحركة. تتوزع العناصر وفق إيقاع يقود العين بين مستويات متعددة، وتحافظ المفردات المتكررة على وحدة المشروع، بينما تمنح التحولات المستمرة في التكوين كل لوحة استقلالها. ويشارك المتلقي في استكمال الدلالة، إذ تنفتح الأعمال على تأويلات متعددة، مصدرها الخبرة الشخصية بقدر ما تستند إلى البناء البصري نفسه.
تكمن القيمة الأعمق لتجربة تحسين الزيدي في استثمار ذاكرة الطفولة وسيلة لإعادة تشكيل الزمن، حيث يتحول اللون إلى وعاء للتذكر، وتصبح الأشياء اليومية مفاتيح لقراءة الإنسان، وتغدو اللوحة فضاء يلتقي فيه الحس الجمالي بالتأمل الفكري. وبهذه الرؤية يرسخ الفنان مشروعا تشكيليا يمتلك هويته الخاصة، ويقدم تجربة تستمد أصالتها من قدرتها على تحويل الذاكرة إلى بنية بصرية نابضة، تمنح المشاهد فرصة لاكتشاف زمنه الشخصي داخل كل عمل.
*****
قراءة نقدية في تجربة الفنان تحسين الزيدي.


