فيلم رسائل صفراء” للمخرج التركي الألماني إلكر تشاتاك وفوز باهت بالدب الذهبي لمهرجان برلين السينمائي.

على غير المتوقع، لم يحمل فوز فيلم “رسائل صفراء” للمخرج التركي الألماني إلكر تشاتاك ذاك الألق المتوقع، ولا البهرج الكافي من مهرجان “بريستيجي الأداء”، بحوامل فنية وثقافية كمهرجان برلين السينمائي. فالدب الذهبي لم يستطع أن يمنح “رسائل صفراء” إلا بعضًا من الشك؛ الشك تجاه هذا الفوز، وهو هنا ليس قلقًا مؤامراتيًا تخوينيًا، ولا شكًا أخلاقيًا في نوايا المخرج ورسالة فيلمه، بل ربما يأتي الشك هنا من وضوح تلك الرسائل ومن يقينيتها، ومن سهولة الانحياز للحق فيها، وتلك الدلالات “الكسولة” التي تتبّع كمشاهد طريق الحق والصواب الذي رُصِف وعُبِّد لك، بلا تعب كثير، وبلا أسئلة مؤرقة.

فالحق بيّن، والضلال كذلك. لكن، على عكس الحياة، وربما أن عظمة الفنون لا تأتي من أن تحمل رسائل الأدب والأفلام أسئلة تمنعك من النقاش، وتحرمك فضيلة ممارسة سوء الفهم، ومن ثم الوقوع بغواية التأويل، وكذلك بأن توفّر عليك ممارسة تلك الرياضات العقلية المنهكة، تلك التي لطالما تعذّبك بسؤال الحق والباطل، والخطأ والصواب.

هذا ما حصل في فيلم “رسائل صفراء”، فالفيلم لم يستطع، رغم كل هذا الإنتاج الضخم، والتمثيل المبهر، والتنقلات الجغرافية بين مدن لا يدّعي أنها هي المدن ذاتها، برغم كل العناء، لم يستطع أن يسلّمنا مفاتيح إشكال معقّد، شائك الأسئلة، كما فعل هو ذاته في فيلمه البديع “غرفة المعلمين” (The Teachers’ Lounge) (2023)، برغم تقشّف كل ما في ذاك الفيلم من محدودية في التحرك واختناق في الجغرافيا، باعتبار أن غنى العمل أتى من صعوبة ما يطرحه أمامك من تعقيد أخلاقي كمشاهد وكإنسان بضمير حي، لكنه ضمير قد يخطئ أيضًا.

المفارقة أن هذا الغموض المقصود، الذي يترك فراغات كافية كي يُسقط عليها المشاهد أزمات بلده السياسية الخاصة، جعل الفيلم أكثر جبنًا لا أكثر شجاعة
إحالات بيروقراطية “عصمليّة”

تدور أحداث “رسائل صفراء” حول دريا وعزيز، زوجين فنانين بارزين في أنقرة، تنهار حياتهما إثر حادثة تقع ليلة العرض الأول لمسرحيتهما الجديدة. فجأة يجدان نفسيهما في مرمى الدولة، يفقدان وظيفتيهما وبيتهما، ويضطران إلى الانتقال إلى إسطنبول مع ابنتهما المراهقة للعيش مؤقتًا عند والدة الزوج، الذي يضطر إلى البحث عن عمل مؤقت “متواضع” متمسكًا بقناعاته، فيما تسعى الزوجة إلى استقلالية مادية تصنعها بنفسها. يتّسع الشرخ بينهما حتى تأتي اللحظة التي يقفان فيها أمام انهيار زواجهما، مجبرين على الاختيار بين قيمهما ومستقبلهما المشترك. فيما تتوالى “الرسائل الصفراء” لتطال كل معارض، وهي تحيل إلى الأوراق الرسمية التي ترسلها المحكمة كإخطارات بالفصل من العمل. هكذا، إذًا، أتى انتقاد تركيا في برلين كفعل سهل، ومكافأته لا تكلّف شيئًا ولا تُحرج أحدًا، لا في ألمانيا ولا في الغرب كله. فالسمعة التركية في ما يخص حريات التعبير والصحافة والفن ليست محل جدل، وإدانتها لا تتطلب شجاعة، بل تتطلب فقط بعض الإتقان في صياغة البديهيات.

إنتاج لم تنقصه الضخامة

على صعيد الإنتاج، جاء الفيلم ثمرة لسنوات من التحضير والدعم الأوروبي المتراكم، مشروعًا مشتركًا بين ألمانيا وفرنسا وتركيا، حمل معه كل ثقل هذا التحالف الإنتاجي في اختيار المواقع والممثلين والطاقم التقني. وقد احتشد التصوير في هامبورغ وبرلين لإعادة بناء أنقرة وإسطنبول داخل ألمانيا، بما في ذلك مشهد ضخم صُوِّر على خشبة القاعة الرئيسية في Berliner Ensemble بحضور مئات الكومبارس، في تجسيد مسرحي لعالم الزوجين الفنيين قبل أن يتداعى.

تبديل المدن: الحيلة البريختية

يُعلن الفيلم منذ لقطاته الأولى عبر بطاقات نصية: “برلين بوصفها أنقرة” و”هامبورغ بوصفها إسطنبول”، في إيماءة بريختية صريحة تكسر الوهم الرابع وتجعل المشاهد واعيًا على الدوام بأنه أمام تمثيل لمدن ليست المدن، وبإحالة ليست ذكية كما ينبغي، مفادها أن بإمكان أي دولة أوروبية الآن أن تحل مكان أنقرة أو إسطنبول، كون حرية التعبير باتت ترزح تحت سقف منخفض يطبق على صدر الحقائق. أما عن تبريره لذلك الخيار “البريختي”، فيروي تشاتاك أن الفكرة جاءت من منتجه الذي يشاركه الكتابة: “أخبرته أنني أشعر وكأنني سائح في سيناريو كتبته بنفسي. فقال لي: أنت تتمتع بامتياز العيش في ألمانيا ولا تريد صنع فيلم عن أناس في تركيا. لماذا لا نُرسل الفيلم إلى المنفى، حيث يعيش كثير من زملائنا الأتراك أصلًا؟”. ويصف تشاتاك هذه الفكرة بأنها كانت “عبقرية”، لأن ما يحدث هناك ليس شأنًا محليًا خالصًا.

هل نجحت الحيلة؟

هنا تحديدًا يكمن المأزق الجوهري الذي لا ينفك أن تشعر به في كل لحظة: فقدان الأصالة، وإعطاء مساحة للمشاهد كي يحتار معك في إيجاد الأجوبة، بدل أن تسلّمه إجاباتك جاهزة. الفيلم يُقدّم ألمانيا كفضاء للنشاط السياسي الآمن، وهذا في حد ذاته إشكالي؛ إذ إن الفيلم غامض جدًا في سياسته، يُلمح إلى مناهضة الإرهاب والحرب ويقدّم فنانين أكرادًا، لكن دون أي تحديد فعلي للسياق التركي تجاههم. المفارقة أن هذا الغموض المقصود، الذي يترك فراغات كافية كي يُسقط عليها المشاهد أزمات بلده السياسية الخاصة، جعل الفيلم أكثر جبنًا لا أكثر شجاعة. فهو يمنحك وهمًا باتّباعه فضائل المعارضة والاحتجاج السياسي، مع الحفاظ على مسافة آمنة من الحقيقة المزعزِعة.

ما بين فيلم جيد وآخر عظيم

الآن، وقد مضى أشهر على تلك الليلة البرلينية، وخفتت ضجة الجوائز وهدأت معارك مواقع التواصل، يمكننا أن نقرأ “رسائل صفراء” بعيدًا عن ذلك السياق المحتقن الذي وُلد فيه فوزه. والحكم الأهدأ، الذي تمنحه المسافة الزمنية، هو هذا: “رسائل صفراء” فيلم جيد، وسيبقى كذلك. فيه أداء استثنائي، وفيه رؤية بصرية متماسكة، وفيه قلب نابض بغضب حقيقي منذ لحظة صنعه. لكنه لن يستطيع أن يكون فيلمًا عظيمًا، لأن العظمة في السينما لا تُمنح لمن يقول الحقيقة فقط، بل لمن يجعل كل ما في الوصول إلى الحقيقة مؤلمًا، ذاك الألم الذي لا تتوقع أن يصيبك في أمان بيتك ومدينتك ووطنك مهما بَعُدَت الجغرافيا عن موطن صانع الحكاية ذاته. الفيلم العظيم لا يضعك في خانة المتفرج المتعاطف، بل يسرق منك يقينك ويتركك وحيدًا أمام أسئلة لا تريد طرحها على نفسك.

#عبير داغر اسبر..#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم