“لا كلُّ مَن عمّر سكنً.. ولا كلُّ مَن موَّن أكلً..”
بين أن تضع حجرًا فوق حجر وأن تبني روحًا تستحق أن تسكن مسافةٌ لا تُقاس بالأمتار بل بالمحبة.
فالبيوت ليست تلك التي تُرى من الشارع بل تلك التي تُرى حين تنطفئ الأضواء ويعود كلُّ واحدٍ منا إلى هشاشته. هناك فقط يسقط طلاء الجدران وتتكلم الحقيقة. فإما أن يكون البيت وطنًا وإما أن يكون مجرد عنوانٍ على بطاقة الهوية.
كثيرون أتقنوا فنَّ البناء لكنهم لم يتعلموا كيف يرممون قلبًا انكسر بكلمة. وكثيرون ملؤوا المخازن بما يكفي لأعوام لكنهم تركوا أرواح من معهم تتضور جوعًا إلى الاحتواء.
الجوع ليس دائمًا أن تخلو المعدة بل أن يخلو العمر من شخصٍ يطمئنك بأنك لست وحدك. والفقر ليس أن تعجز عن شراء الخبز بل أن تعجز عن شراء لحظة دفءٍ صادقة لأن الدفء لا يُباع ولا تصنعه الأسواق.
ثمة رجالٌ ظنوا أن الرجولة فاتورةٌ تُدفع آخر الشهر وأن المسؤولية تنتهي عند باب متجرٍ مليءٍ بالمؤونة. ولم يدركوا أن أعظم ما يحتاجه أهل البيت لا يُحمل في أكياس ولا يُرصُّ على الرفوف. يحتاجون وجهًا إذا دخل دخل معه السلام. وصوتًا إذا تحدّث أزهر في القلوب يقينٌ بأن الحياة مهما اشتدت ما زالت رحيمة.
فالطفل لا يكبر وهو يتذكر عدد الأطباق على المائدة بل يتذكر اليد التي مسحت خوفه. والزوجة لا يربطها بالمكان اتساعه بل مقدار الأمان الذي شعرت به وهي تتكئ على قلبٍ لا يخذلها. وحتى الشيخوخة حين تزور البيوت لا تبحث عن الأثاث الفاخر بل عن الأرواح التي ما زالت تعرف كيف تقول: “نحن معًا.”
لهذا لا كلُّ من عمّر سكنً قد شيّد بيتًا ولا كلُّ من موَّن أكلً قد أدّى رسالته. فالعمران الحقيقي أن تعمر الإنسان قبل الجدران وأن تملأ القلوب قبل المخازن وأن تجعل من وجودك نعمةً لا عبئًا وسكينةً لا سلطة.
وفي نهاية العمر لن يسألنا الزمن كم غرفةً امتلكنا ولا كم امتلأت مخازننا. سيترك لنا سؤالًا واحدًا يرنُّ في أعماق الذاكرة:
كم قلبًا كان يشعر بأنه في بيته.. لأنك كنت فيه؟
د.غسان القيم


