
رفعُ قبعةٍ مستحقّ للفيلم المصري “القصص” للمخرج والمؤلف أبو بكر شوقي، فوسط صخب الأحداث واشتدادها، نجح العمل ببراعة في نبش الوجدان الإنساني وإعادة تحريك أعمق مشاعره في أقل من ساعتين.
لقد أعادنا الفيلم إلى زمنٍ ننعته بالجميل رغم قسوته العاتية، حيث كان الصمود هو الخيار الوحيد لخوض معارك الحياة. نسج الكاتب غزل التاريخ بالحروب والفن والسياسة داخل توليفة شائكة، امتدت عبر قصة حب رقيقة تنمو بالصبر والورق بين شاب مصري وفتاة نمساوية جمعتهما المراسلة وفصلت بينهما الجغرافيا.
لم يكن الفيلم يروي تاريخًا مدوّنًا في الكتب، بل كان يتتبع شظايا الأحداث الكبرى وهي تسقط على أسقف البسطاء داخل بيوتهم؛ كيف اختبرت الأرواح مرارة نكسة 1967، وزهو نصر أكتوبر 1973، وتقلبات عصر الانفتاح، وصولاً إلى صدمة اغتيال السادات.
وفي قلب هذا العبء التاريخي، يتنفس الأبطال عبر تفاصيل حميمة دافئة: صرير المذياع في عتمة الليل، الشغف البكر بكرة القدم والوفاء لـ “الزمالك”، أنغام البيانو الذي يرمم ما أفسدته الحرب، والكلمات المكتوبة باليد التي تعبر المحيطات لتثبت أن الحب هو الحصن الأخير ضد التحديات.
والجدير بالذكر أن الفيلم حظي باهتمام نقدي وجماهيري واسع في المهرجانات السينمائية ودور العرض، حيث فاز بجائزة التانيت الذهبية في مهرجان قرطاج السينمائي، وتأهل للتمثيل الرسمي لمصر في مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم دولي.
إن فيلم “القصص” ليس مجرد حكاية سينمائية، بل هو مرآة تدعونا لنتأمل كيف تنمو الزهور الصغيرة في شقوق الجدران الآيلة للانهيار، وكيف تظل حكاياتنا العادية هي التاريخ الحقيقي الذي يستحق أن يُروى.
رفقة علم الدين
فيلم القصص


