غسان نعنع… تشكيلي سوري.مواليد مدينة حمص عام 1953م. حين تتحول عنده اللوحة إلى ذاكرة إنسانية.

يرى الفنان السوري الكبير غسان نعنع من مواليد حمص ، ان الفكر الإنساني متصل ومنفصل معاً، الزمن والجغرافيا قد يتباعدان بين مبدع وآخر، ولكن الروح الإبداعية تلتقي حتماً حيث لا يمكنها الانعزال طويلاً، من هنا يبرر سبب توجهه للعمل على مؤلف جبران خليل جبران ” يسوع ابن الإنسان “

مسيرة التشكيلي الحمصي

الفنان غسان نعنع، : تجربته من التجارب المهمة في الفن التشكيلي السوري، ولا سيما في المشهد التشكيلي الحمصي. كما أن الصور التي أرفقتها تبدو من مرسمه، وتظهر فيها لوحاته وأدواته وفضاء العمل الذي يحتفظ بطابع معماري تراثي، وهو ما ينسجم إلى حد كبير مع عالمه التشكيلي القائم على الذاكرة والإنسان والمكان.
غسان نعنع… حين تتحول اللوحة إلى ذاكرة إنسانية
غسان نعنع فنان تشكيلي سوري من مواليد مدينة حمص عام 1953، ينتمي إلى جيل مهم من الفنانين السوريين الذين أسهموا في ترسيخ حضور الفن التشكيلي في سورية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
بدأ تكوينه الفني في مركز الفنون التشكيلية بحمص عام 1971، ثم تابع دراسته الأكاديمية في كلية الفنون الجميلة بدمشق، قسم التصوير، وتخرج عام 1978. كما تابع دراسته وتجاربه الفنية في روسيا، في مرسم أناتولي كلالنكوف، وهي تجربة كان لها أثر في توسيع ثقافته البصرية والتقنية.

وعمل نعنع مدرساً لمادة التربية الفنية في المدارس الثانوية والمعاهد الفنية في حمص، كما اقتنيت أعماله من قبل وزارة الثقافة السورية والمتحف الوطني بدمشق، إضافة إلى مجموعات خاصة.

حمص… البيئة الأولى التي صنعت ذاكرته البصرية:
يصعب قراءة تجربة غسان نعنع بعيداً عن مدينة حمص؛ فالمدينة ليست مجرد مكان الميلاد بالنسبة إليه، وإنما جزء من تكوينه البصري والوجداني.
وقد عُرفت حمص خلال العقود الماضية بوجود مجموعة مميزة من الفنانين التشكيليين الذين اشتغلوا معاً، وتبادلوا الخبرات والتجارب، وكان نعنع أحد الأسماء البارزة في هذه البيئة.
وتشير شهادات فنية إلى أن مجموعة من فناني حمص كانت تخرج إلى الطبيعة للرسم المباشر، ومن بينهم غسان نعنع، في تجارب جماعية مثل مشروع «صيف 86»، حيث كانوا يرسمون في المناطق المحيطة بحمص ويعودون إلى مراسمهم لاستكمال أعمالهم.
وهذا الارتباط بالطبيعة والمكان يفسر جانباً من حساسيته تجاه الضوء واللون والذاكرة.
من الواقعية إلى «الواقعية الشاعرية»:
تصف صالة ألف نون أسلوب غسان نعنع بأنه «الواقعية الشاعرية»، وهي تسمية تبدو مناسبة لتجربته التي لا تكتفي بنقل الواقع كما تراه العين، وإنما تحاول الوصول إلى ما وراء الظاهر.

فالشخص في لوحته ليس مجرد جسد أو وجه، والطبيعة ليست مجرد منظر، والمكان ليس مجرد خلفية.
إنها جميعاً تتحول إلى حالة نفسية ووجدانية.
ولهذا تظهر في أعماله شخصيات غامضة أو شبه غائمة، تحيط بها مساحات من الضوء والظل والضبابية، وكأن الفنان لا يريد أن يقدم الشخصية كاملة، بل يريد أن يترك جزءاً منها في منطقة الذاكرة والخيال.
وقد وصف أحد النقاد تجربته بأنها تقوم على شخصيات تظهر وتختفي داخل أجواء لونية ضبابية، في تكوينات تقترب أحياناً من التعبيرية والنزعة الوجودية.

الإنسان هو الموضوع الأول:
من أهم مفاتيح تجربة غسان نعنع الإنسان.
فهو لا يتعامل مع الإنسان بوصفه موضوعاً تشريحياً أو بورتريهاً تقليدياً، وإنما يبحث عن حالته الداخلية.
الحزن، الخوف، الانتظار، الحب، الفقد، التأمل، الموت، الوحدة، الجماعة، والذاكرة…
كلها حالات تتحول في أعماله إلى لغة بصرية.
وقد عبّر الفنان عن فلسفته بقناعة أساسية مفادها أن العمل الفني ينبغي أن ينقل مشاعر إنسانية مثل الحب والحزن والخوف والفرح؛ وإلا تحول إلى مجرد خطوط وأصباغ.

وهنا تكمن أهمية تجربته: فهو لا يرسم الإنسان لكي نعرف كيف يبدو، وإنما لكي نتساءل ماذا يشعر؟
ذاكرة فنية تمتد من رامبرانت إلى جبران
ثقافة نعنع البصرية ليست محصورة في مدرسة فنية واحدة.
فهو استند، وفق ما ورد في حوارات ودراسات تناولت تجربته، إلى مراجع متعددة في تاريخ الفن، منها:
رامبرانت وما يحمله الضوء لديه من بعد درامي وروحي.
فيرمير وحساسية الضوء.
دومييه وتعبيرية الإنسان.
بيكاسو، ولا سيما المرحلة الزرقاء.
غويا ورسومه ومحفوراته.
جيروم بوش وبروغل.
ميليه وفلاحوه.
بوتشيلي وميرو.
فن التصوير الإسلامي.
رسوم الواسطي.
وجوه الفيوم.
إضافة إلى الفنون الشرقية والآسيوية.

وهذه القائمة تكشف أن الفنان لا ينظر إلى تاريخ الفن كسلسلة من المدارس المنفصلة، وإنما كمخزون إنساني متراكم يمكن للفنان المعاصر أن يحاور عناصره.
غسان نعنع وجبران خليل جبران… «يسوع ابن الإنسان»
وهنا نصل إلى النقطة التي أشرتَ إليها، وهي من أكثر الجوانب إثارة في مشروع غسان نعنع.
ينطلق الفنان من فكرة أن الفكر الإنساني متصل ومنفصل في الوقت نفسه؛ فقد تفصل بين المبدعين قرون من الزمن، وتختلف جغرافيتهم وثقافتهم وظروفهم، لكن ثمة شيئاً أعمق يمكن أن يجمع بينهم: الروح الإبداعية والهم الإنساني المشترك.
ومن هذا المنظور يمكن فهم توجهه إلى الاشتغال بصرياً على كتاب جبران خليل جبران «يسوع ابن الإنسان».
فالكتاب نفسه لا يقدم يسوع بوصفه شخصية تاريخية جامدة، بل يبني صورته من خلال شهادات ورؤى متعددة لشخصيات مختلفة، بحيث يصبح يسوع في النهاية موضوعاً إنسانياً وفلسفياً يتجاوز حدود الزمن والمكان.
وهذا قريب جداً من طبيعة مشروع نعنع التشكيلي.
فالفنان لا يبحث عن إعادة إنتاج صورة دينية تقليدية، وإنما يمكنه أن يبحث في الإنسان الموجود خلف الرمز:
الإنسان الذي يحب ويخاف ويتألم ويغفر ويضحي.
ومن هنا تصبح العلاقة بين جبران ونعنع علاقة حوار بين أدب وفن، لا مجرد تحويل نص أدبي إلى رسوم توضيحية.
جبران كتب الإنسان بالكلمة، ونعنع يحاول إعادة اكتشافه باللون والضوء والشكل.
وهذه نقطة مهمة جداً في قراءة مشروعه.
الضوء… لغة داخلية في لوحات نعنع
من السمات اللافتة في أعماله استخدام الضوء بطريقة تتجاوز وظيفته التقليدية.
فالضوء عند نعنع ليس فقط وسيلة لإظهار الأشياء، وإنما عنصر نفسي.
قد يضيء وجهاً ويترك بقية المشهد في شبه عتمة، أو يجعل مجموعة من الأشخاص تبدو وكأنها تخرج من الضباب.
وهنا يمكن ملاحظة صدى واضح لبعض اهتماماته بتاريخ الفن الأوروبي، وخصوصاً رامبرانت وفيرمير.
لكن نعنع لا يقلدهما؛ وإنما يستفيد من مفهوم الضوء لديهما ليصنع لغته الخاصة.
وقد وصفت دراسات تجربته بأن الشخصيات تظهر أحياناً من خلال إضاءة نورية ذات طبيعة شعورية، وأنه يشتغل على العلاقة بين الكتلة والفراغ، وبين الظهور والتلاشي.

اللون عنده ليس زينة:
اللون في تجربة غسان نعنع يحمل وظيفة تعبيرية.
فهو يستخدم درجات اللون لبناء الحالة النفسية قبل أن يستخدمها لوصف الأشياء.
وفي بعض أعماله نلاحظ:
الألوان الترابية.
البني والرمادي.
الأحمر والأصفر في المشاهد الدرامية.
الأبيض والأسود في الأعمال ذات الحس الغرافيكي.
طبقات لونية شفافة أو شبه ضبابية.
انتقالات ناعمة بين الشكل والخلفية.
وفي معرضه «هواجس» في بيروت عام 2017، قدم نحو ثلاثين لوحة بخامات وتقنيات متنوعة، منها الزيت على القماش والأحبار على الورق، وكانت الحالات الإنسانية والموضوعات التراجيدية حاضرة بقوة.

الأبيض والأسود… حين يصبح الضوء فكرة:
من الجوانب المهمة في تجربة نعنع اهتمامه بالأبيض والأسود.
وقد رأى فيهما نقيضين يمتلكان طاقة تعبيرية كبيرة إذا أحسن الفنان استخدامهما.
وهذا الاهتمام يوضح الخلفية الأكاديمية للفنان وصلته بفن التصوير والغرافيك.
فالأبيض عنده يمكن أن يتحول إلى ضوء، والأسود إلى كتلة أو فراغ أو صمت.
وبذلك لا يصبح اللونان مجرد غياب للألوان، بل يصبحان لغة مستقلة.

الضبابية… لماذا تبدو شخوصه أحياناً غامضة؟:
هذه من أكثر خصائص تجربته إثارة.
الشخصية في لوحة نعنع قد تكون موجودة أمامنا، لكن ملامحها ليست دائماً واضحة.
وهذا الغموض ليس نقصاً في الرسم، وإنما اختيار جمالي وفلسفي.
فهو يترك مسافة بين المشاهد والشخصية، بحيث يبدأ المتلقي في استكمال الصورة بخياله.
ولهذا أطلق أحد المقالات النقدية على الفنان عنواناً لافتاً:
«غسان نعنع: صاحب الشخوص الغامضة».

إنها شخوص لا تقدم نفسها دفعة واحدة؛ بل تحتاج إلى التأمل.
الطبيعة عند غسان نعنع:
لا تقتصر تجربته على الإنسان.
فقد رسم الطبيعة والمناظر الخلوية والطبيعة الصامتة، لكنه لا يتعامل معها باعتبارها نقلاً فوتوغرافياً للمشهد.
وقد قال في حديث عن تجربته مع الطبيعة إنه يبدأ منها، ثم يتركها خلفه ويعتمد على ما بقي منها في الذاكرة والحدس.
وهنا تتحول الطبيعة من منظر خارجي إلى ذاكرة بصرية.
وهذا يفسر اقتراب بعض أعماله الطبيعية من التعبيرية والرمزية والتجريد.

«هواجس»… الإنسان في مواجهة الموت:
يعد معرض «هواجس» الذي أقامه في غاليري Art on 56th في بيروت عام 2017 من المحطات المهمة في تجربته.
قدّم خلاله مجموعة من الأعمال التي تركز على الإنسان في حالات نفسية ووجودية قاسية، ومنها مشاهد جماعية ذات طابع جنائزي وتراجيدي.
في هذه الأعمال يتراجع الوصف الواقعي المباشر لمصلحة المناخ النفسي.
الشخصيات تتجمع، الضوء يتركز في نقاط محددة، واللون يصبح أكثر كثافة، بينما تحيط بالمشهد مساحة من الصمت والغموض.

وكأن اللوحة لا تحكي حدثاً فقط، وإنما تسأل:
ماذا يحدث للإنسان عندما يواجه الموت والفقد؟
مشاركاته الفنية
يمتلك غسان نعنع سجلاً طويلاً من المشاركات والمعارض داخل سورية وخارجها.
ومن المحطات المذكورة في سيرته:
معرض فردي عام 1978 في المركز الثقافي العربي بدمشق.
مشاركات مع فنانين سوريين منذ ثمانينيات القرن الماضي.
معرض في السويد عام 1993.
المشاركة في بينالي القاهرة.
مشاركات في روسيا وبلغاريا.
مشاركات في جنيف ولندن.
مشاركات في فعاليات فنية في لبنان والأردن وتونس.
معرض «هواجس» في بيروت عام 2017.
مشاركات لاحقة في معارض جماعية سورية.

كما حصل على الجائزة الأولى في مسابقة «فكر مع يدك» التي نظمها معهد ثربانتس في دمشق.

غسان نعنع في «فنان بريشة فنان»
ومن المحطات اللافتة في السنوات الأخيرة مشاركته في معرض «فنان بريشة فنان» الذي أقيم في صالة عشتار بدمشق عام 2023.
كان المعرض يقوم على فكرة أن يرسم كل فنان زميلاً له.
وقد رسم غسان نعنع بورتريه للفنان الراحل نذير نبعة، بينما رسم إدوار شهدا بورتريهات لغسان نعنع، في نوع من الحوار التشكيلي بين الفنانين.

وهذه المشاركة تكشف أيضاً أهمية البورتريه في تجربة نعنع، ليس باعتباره مجرد تسجيل للملامح، وإنما محاولة للوصول إلى الداخل الإنساني للشخصية.
غسان نعنع… ابن المدرسة الحمصية
يمكن النظر إلى غسان نعنع بوصفه أحد الأسماء التي ساهمت في تكوين ما يمكن تسميته، بحذر، خصوصية المشهد التشكيلي الحمصي.
فحمص أنجبت عدداً من الفنانين التشكيليين الذين اشتغلوا في أجواء من الحوار والتجريب والرسم من الطبيعة.
وكان نعنع قريباً من أسماء مثل عبدالله مراد وغيرهما من فناني المدينة. وتصف بعض القراءات نعنع ومراد وآخرين بأنهم شكلوا جزءاً من جيل حمصي نشط أسهم في رفد الحركة التشكيلية السورية.

قراءة في الصور المرفقة:
الصورة التي أرسلتها مهمة جداً، لأنها لا تعرض لوحات الفنان فقط، بل تقدم وثيقة بصرية عن عالمه الخاص.
نرى في المرسم:
الفنان وسط أدواته ومواده.
فرش وأوعية ألوان في مقدمة الصورة.
لوحات كبيرة قيد الإنجاز.
بورتريهات وأعمال معلقة على الجدران.
عمارة داخلية ذات عناصر حجرية وأقواس قديمة.
تداخل المكان التراثي مع اللوحة الحديثة.
الفنان إلى جانب زواره ومحبيه.
وهذا المشهد بحد ذاته يصلح لأن يكون صورة افتتاحية لمقال عن غسان نعنع؛ لأنه يقدم الفنان في بيئته الطبيعية: المرسم، اللوحة، اللون، الذاكرة، والمدينة.
خلاصة التجربة
يمكن اختصار تجربة غسان نعنع في خمس كلمات:
الإنسان – الذاكرة – الضوء – اللون – الهواجس.
فهو فنان لا يبدو معنياً بتقديم الواقع كما هو، بل بإعادة صياغته وفق ما يتركه في النفس.
ولذلك تتداخل في لوحاته الواقعية مع التعبيرية، والانطباعية مع الرومانسية، والوضوح مع الغموض، والإنسان مع المكان.
أما توجهه إلى «يسوع ابن الإنسان» لجبران خليل جبران فيمكن قراءته ضمن هذا السياق نفسه: البحث عن الإنسان المشترك خلف اختلاف الأزمنة والأديان والجغرافيا، وعن تلك المنطقة التي يلتقي فيها الفكر الأدبي والفكر التشكيلي.
إنه حوار بين جبران الذي جعل الكلمة وسيلة للبحث عن الإنسان، ونعنع الذي يجعل اللون والضوء وسيلة للبحث عنه.
وهنا تحديداً تكمن قيمة مشروعه: فهو لا يحاول أن يرسم جبران أو يسوع بوصفهما موضوعين تاريخيين فحسب، بل يبدو أنه يبحث عن الإنسان الذي يظل حاضراً في كل زمان ومكان.
غسان نعنع ليس فناناً يرسم الشخصيات فقط؛ إنه يرسم ما يبقى منها بعد أن يغيب الكلام.
المراجع:
اكتشف سورية
ضفة ثالثة
sywriters.net
alefnooon.com
السيرة الفنية لغسان نعنع – صالة ألف نون⁠
مادة «غسان نعنع: صاحب الشخوص الغامضة»⁠
معرض «هواجس» لغسان نعنع في بيروت⁠

أخر المقالات

منكم وإليكم