عينُ « مجلة العربي»..المصور المصري:أوسكار متري… التي جابت العالم، وذاكرةٌ فوتوغرافيةٌ عربيةٌ لا تنطفئ.


أوسكار متري… عينُ «العربي» التي جابت العالم، وذاكرةٌ فوتوغرافيةٌ عربيةٌ لا تنطفئ
مقدمة: حين كانت الصورة تحمل جواز سفر إلى العالم
ثمة مصورون يلتقطون الصور، وثمة مصورون يجعلون من الصورة وثيقةً للزمن، وشاهداً على الإنسان والمكان والتحولات التي تعبرهما. وبين هؤلاء يبرز اسم أوسكار متري، المصور المصري الذي ارتبط اسمه بمرحلة تأسيسية من تاريخ الصحافة المصورة العربية، وبواحدة من أكثر التجارب الثقافية تميزاً في القرن العشرين: مجلة «العربي» الكويتية.
لم تكن عدسة أوسكار متري مجرد أداة لتزيين صفحات المجلة، ولم تكن مهمته أن يملأ الفراغات بين النصوص بالصور؛ لقد كان شريكاً في صناعة رؤية بصرية كاملة. كان يذهب إلى المكان قبل أن يعرفه القارئ، ويبحث عن الإنسان خلف الجغرافيا، وعن التفاصيل الصغيرة التي تمنح المدن والقرى والأسواق والوجوه حياتها وذاكرتها. ومن خلال عدسته تحولت الرحلة الصحفية إلى رحلة بصرية، وأصبح القارئ العربي قادراً على أن يرى عالماً بعيداً عنه، وأن يتعرف إلى أوطان عربية وشعوب وثقافات لم تكن وسائل الاتصال آنذاك تسمح له برؤيتها بسهولة.
وتؤكد أرشيفات «العربي» أن أوسكار متري كان من أوائل أفراد فريق المجلة، إلى جانب الدكتور أحمد زكي وسليم زبال، وأن العدد الأول من المجلة صدر في ديسمبر/كانون الأول 1958. كما ارتبط اسمه منذ السنوات الأولى بالاستطلاعات المصورة التي جعلت من «العربي» نافذة بصرية واسعة على العالم العربي.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن تجربته أن أوسكار متري لم يكن مصوراً يقف خارج المشهد، بل كان يدخل إليه؛ يقترب من الناس، يعيش تفاصيل المكان، ويمنح الكاميرا وقتاً كافياً كي تتحول من آلة تسجيل إلى عين إنسانية.
من القاهرة إلى الكويت… ولادة عين صحفية جديدة
وُلد أوسكار متري في القاهرة عام 1927، وتلقى تعليمه وتكوينه الفني في مصر، حيث درس التصوير وتخصص في مجاله بالمعهد الفرنسي للصورة، قبل أن يخوض تجربة مهنية في مصر ولبنان.
وفي بداياته عمل في مؤسسة أخبار اليوم، إحدى أهم المؤسسات الصحفية المصرية في ذلك العصر، وهناك اكتسب خبرة واسعة في التصوير الصحفي، قبل أن تتسع آفاق تجربته لتشمل التصوير الاستطلاعي والوثائقي.
وتشير المصادر المتاحة إلى أن أوسكار متري كان يعمل في أخبار اليوم عندما جرى التعاقد معه للعمل في مشروع «العربي» بالكويت. وكان اختياره للمجلة جزءاً من تشكيل فريقها المؤسس الذي ضم الدكتور أحمد زكي وسليم زبال وآخرين.
وهنا بدأت المرحلة الأهم في حياته المهنية.
ففي عام 1958 صدرت «العربي» من الكويت بوصفها مشروعاً ثقافياً موجهاً إلى العالم العربي كله، ولم يكن اختيار الصورة فيها مسألة جمالية هامشية، بل كان جزءاً من فلسفة المجلة نفسها. أرادت «العربي» أن تقدم للقارئ العربي معرفةً تتجاوز الكتابة إلى المشاهدة، وأن تجعل من الصورة لغةً موازية للنص.
وكان أوسكار متري أحد أهم الذين صنعوا هذه اللغة.
أوسكار متري و«العربي»… حين أصبحت الكاميرا جواز سفر
منذ الأعداد الأولى، أخذت «العربي» القارئ في رحلات إلى مدن وأقاليم عربية مختلفة. وكان الكاتب الصحفي سليم زبال يتولى جانباً مهماً من كتابة الاستطلاعات، فيما كانت عدسة أوسكار متري تمنح تلك الرحلات شكلها وذاكرتها البصرية.
وتصف مصادر «العربي» هذه الاستطلاعات بأنها كانت واحدة من السمات الأساسية التي تميزت بها المجلة منذ صدورها، وأنها تحولت مع الزمن إلى مادة تاريخية وتوثيقية مهمة، لأنها سجلت جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية والعمرانية والتراثية في بلدان عربية كثيرة.
كان أوسكار يذهب إلى المكان كي يصنع منه صورة.
والفرق كبير بين أن تصور مكاناً وأن تكتشفه فوتوغرافياً.
فالصورة الوثائقية الحقيقية لا تكتفي بإظهار ما هو موجود أمام العدسة؛ إنها تحاول أن تجيب عن سؤال أعمق: كيف يعيش الإنسان هنا؟ ماذا يقول وجهه؟ كيف تبدو المدينة في تفاصيلها؟ ماذا تخفي الأسواق؟ كيف تتحرك الأيدي؟ ماذا بقي من الماضي؟ وكيف يتسلل المستقبل إلى المشهد؟
هذه الأسئلة كانت حاضرة في تجربة متري.
البحرين… البداية التي كشفت فلسفة الصورة
من أجمل المحطات المبكرة في تجربة «العربي» الاستطلاع الخاص بالبحرين، الذي ارتبط بالعدد الأول للمجلة.
خرج سليم زبال وأوسكار متري إلى البحرين، متنقلين بين مدنها وقراها، ومسجلين بالكلمة والصورة ملامح الحياة والتاريخ والأسواق والمباني والعادات. ولم تكن الصور مجرد رسوم توضيحية للنص؛ كانت شريكاً أساسياً في صناعة الاستطلاع.
وفي إحدى الصور المبكرة ظهرت صورة حاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة في مجلسه، كما وثقت البعثة جوانب من الحياة الاجتماعية، ومن بينها حفل زفاف المؤرخ البحريني خليل بن محمد المريخي.
ثم جاء استطلاع الغوص والبحث عن اللؤلؤ، ليصبح نموذجاً مبكراً لقوة الصورة في توثيق مهنة كانت تشكل جزءاً أساسياً من اقتصاد الخليج وذاكرته قبل النفط.
هنا تظهر قيمة أوسكار متري بوضوح:
لقد كان يصور التاريخ وهو يحدث أمامه.
الإنسان أولاً… فلسفة متري في التقاط الوجه
في صور أوسكار متري لا يبدو الإنسان عنصراً ثانوياً في المشهد. إنه غالباً مركز الحكاية.
الوجه، في تجربته، ليس مجرد ملامح؛ إنه وثيقة.
واليد ليست مجرد جزء من الجسد؛ إنها سجل للمهنة.
والثوب ليس مجرد لباس؛ إنه علامة على البيئة والثقافة.
والشارع ليس مجرد مكان؛ إنه مسرح للحياة.
وهذا ما يجعل التصوير الوثائقي عند متري أقرب إلى الأنثروبولوجيا البصرية؛ فهو يسجل الحياة اليومية من الداخل، ويمنح التفاصيل التي قد تبدو عادية في لحظتها قيمة تاريخية بعد مرور العقود.
ومن اللافت أن أرشيف «العربي» ما زال يستعيد صوره حتى اليوم بوصفها شهادات على وجوه وأماكن ومهن وطرائق حياة تغير كثير منها أو اختفى. وفي إحدى القصص التوثيقية الحديثة للمجلة، كان السؤال الذي طرحته صاحبة صورة غلاف قديمة بعد عقود من الزمن: «أين أوسكار متري؟»؛ وهو سؤال يكشف مقدار الحضور الذي تركه المصور في ذاكرة الأشخاص الذين صورهم.
صورة الغلاف… حين تدخل الصورة إلى الذاكرة الشعبية
كان أوسكار متري من أبرز مصوري «العربي» في سنواتها الأولى، وتولى تصوير عدد كبير من الاستطلاعات، كما ارتبط بإعداد صور الأغلفة.
وهنا تصبح مهمة المصور أكثر تعقيداً.
فصورة الغلاف ليست مجرد صورة جميلة؛ إنها الوجه الذي ستطل به المجلة على آلاف القراء.
وعندما التقط متري صورة الفتاة الكويتية عواطف العيسى للغلاف الأول، لم يكن يدرك ربما أن تلك الصورة ستصبح بعد سنوات طويلة وثيقة بصرية من ذاكرة المجتمع الكويتي. وتروي عواطف العيسى، بعد مرور عقود، أن صورتها على غلاف «العربي» بقيت حاضرة في ذاكرتها، وأنها كانت تسأل عن المصور الذي التقطها.
هكذا تعمل الصورة العظيمة.
قد تبدأ لحظةً عابرة أمام عدسة مصور، ثم تتحول إلى ذاكرة عائلة، ثم إلى ذاكرة مدينة، ثم إلى وثيقة تاريخية.
الكويت… مختبر أوسكار متري البصري
كانت الكويت بالنسبة إلى أوسكار متري أكثر من محطة مهنية.
لقد عاش فيها سنوات طويلة، وشهد بعينه التحولات التي رافقت انتقال المجتمع الكويتي من مرحلة تقليدية إلى مجتمع حديث يتغير بسرعة.
ومن خلال صوره استطاع أن يرصد المدينة في لحظة تاريخية استثنائية: الأسواق القديمة، العمارة، البحر، المهن، الناس، الحياة الاجتماعية، التحولات الحضرية، والمظاهر الثقافية.
وتنسجم هذه التجربة مع فلسفة «العربي» التي جعلت من الاستطلاع المصور أداة لتعريف العرب بعضهم ببعض، لا من خلال المعلومات المجردة، وإنما عبر المشهد الحي.
وقد ارتبط اسم متري كذلك بإصدارات مصورة عن الكويت، وفق المعلومات الواردة في المادة التعريفية المقدمة عنه، بما يعكس اهتمامه بتوثيق البلاد في مرحلة مهمة من تاريخها الحديث.
المصور الرحالة… من الخليج إلى أفريقيا وآسيا
لم تتوقف عدسة أوسكار متري عند الكويت.
كانت الرحلة جزءاً أصيلاً من شخصيته الفوتوغرافية.
تنقل بين مناطق وبلدان متعددة، من الكويت إلى الطوارق واليمن وجيبوتي وبنغلاديش والسنغال ومالي، حاملاً كاميرته إلى بيئات شديدة الاختلاف.
وفي هذه الرحلات كان يمارس نوعاً من الاستطلاع البصري الذي يجمع بين الصحافة والفن والتوثيق.
فالطريق بالنسبة إليه لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل كان انتقالاً من ثقافة إلى أخرى، ومن وجه إلى وجه، ومن ذاكرة إلى ذاكرة.
وكانت الصورة وسيلته لاكتشاف الاختلاف الإنساني، وفي الوقت نفسه اكتشاف ما يجمع البشر تحت اختلافاتهم: العمل، الأسرة، الفقر، الفرح، الطقوس، الأسواق، الأطفال، الشيوخ، والبحث اليومي عن حياة أفضل.
أوساكا ونيويورك… اعتراف دولي مبكر
لم تبقَ تجربة متري محصورة في الصحافة العربية.
ففي عام 1964، حصل على ميداليتين، فضية وبرونزية، في معرض دولي للتصوير في نيويورك حول العالم وشعوبه، كما نال تكريماً تذكارياً في اليابان عام 1970 لمشاركته في معرض أوساكا، بحسب المعلومات الواردة في المادة التعريفية المقدمة عنه.
وهذه الجوائز، إلى جانب معارضه اللاحقة، تكشف أن تجربته لم تكن صحفية فحسب، بل امتلكت بعداً فنياً جعل الصورة الوثائقية قابلة للعرض خارج صفحات المجلات.
من الصحافة إلى المعرض… الصورة حين تتحرر من الصفحة
في الصحيفة أو المجلة، تكون الصورة مرتبطة بالنص.
أما في المعرض، فإنها تقف وحدها.
وهنا تظهر قوة المصور الحقيقية.
فالصورة التي تستطيع أن تتخلص من سلطة النص وتبقى قادرة على مخاطبة المشاهد هي صورة تمتلك لغتها الخاصة.
وقد عرض أوسكار متري أعمالاً ملونة في الكويت في الثمانينيات، ثم واصل حضور تجربته في معارض لاحقة في كندا، بما يؤكد امتداد مشروعه الفوتوغرافي عبر عقود طويلة.
كان اللون في أعماله جزءاً من تسجيل العالم كما هو؛ فاللون ليس زينة، وإنما معلومة إضافية: لون الثوب، لون الرمل، لون الجدار، لون السوق، لون البشرة، لون السماء، ولون الحياة نفسها.
الصورة عند أوسكار متري… وثيقة لا تشيخ
ربما كانت أعظم قيمة في تجربة أوسكار متري أنه لم يكن يصور الحاضر من أجل الحاضر فقط.
كان يصور من دون أن يعرف أن صوره ستصبح بعد عقود أرشيفاً للذاكرة العربية.
اليوم، عندما نعود إلى صور «العربي» القديمة، فإننا لا نرى فقط ما أراد المصور أن يراه.
نرى ما لم يعد موجوداً.
نرى الشوارع قبل أن تتغير.
نرى الملابس قبل أن تختفي.
نرى المهن قبل أن تنقرض.
نرى الأسواق قبل أن تتحول.
نرى الوجوه قبل أن يطويها الزمن.
وهنا تتحول الفوتوغرافيا إلى شيء يتجاوز الفن والصحافة.
تصبح ذاكرة مضادة للنسيان.
مدرسة متري… أن ترى قبل أن تضغط على زر الغالق
يمكن قراءة تجربة أوسكار متري بوصفها درساً في التصوير الصحفي والوثائقي.
فاللقطة الجيدة ليست دائماً الأكثر إثارة، وإنما الأكثر صدقاً.
والمصور الرحالة لا يحتاج إلى أن يفرض نفسه على المكان؛ بل عليه أن يصغي إليه.
كان على المصور أن ينتظر اللحظة، وأن يراقب، وأن يقترب بحساسية، وأن يفهم طبيعة المجتمع الذي يصوره.
وهذا ما جعل صوره قادرة على الاحتفاظ بشيء من روح الأشخاص والأمكنة.
إنها صور لا تصرخ، لكنها تتكلم.
ولا تشرح، لكنها تكشف.
ولا تستعرض براعة المصور، بل تمنح المكان فرصة كي يتحدث.
خاتمة: أوسكار متري… الرجل الذي ترك عينه في ذاكرة العرب
في تاريخ التصوير العربي أسماء كثيرة مرت أمام العدسة، لكن القليل منها استطاع أن يجعل من الكاميرا وسيلة لعبور الحدود بين البلدان والثقافات.
أوسكار متري واحد من هؤلاء.
كان مصوراً مصرياً في الأصل، لكنه أصبح، عبر سنوات عمله مع «العربي»، مصوراً لذاكرة عربية واسعة. حمل كاميرته من القاهرة إلى الكويت، ومن الخليج إلى أفريقيا وآسيا، وجعل من الرحلة مختبراً بصرياً للإنسان والمكان.
لم يكن مشروعه أن يصنع صوراً جميلة فحسب؛ كان يريد أن يرى، وأن يُري الآخرين.
ولهذا بقيت صوره.
بقيت لأن الزمن، مهما حاول أن يمحو التفاصيل، يجد صعوبة في هزيمة الصورة الصادقة.
وحين نفتح اليوم أعداد «العربي» القديمة، فإننا لا نقلب صفحات مجلة فحسب؛ إننا نفتح نافذة على عالم مضى.
وفي قلب تلك النافذة تقف عدسة أوسكار متري.
عدسة لم تكن ترى العالم بعين السائح، ولا بعين المتفرج، بل بعين المصور الذي يعرف أن كل وجه قد يصبح تاريخاً، وكل شارع قد يصبح وثيقة، وكل لحظة قد تصبح ذاكرة أمة.
وهكذا يستحق أوسكار متري أن يُقرأ اليوم لا بوصفه مجرد مصور صحفي عمل في مجلة شهيرة، بل بوصفه واحداً من الذين أسهموا في تأسيس الذاكرة البصرية العربية الحديثة؛ مصوراً جعل من الكاميرا جسراً بين الإنسان والمكان، وبين الحاضر والماضي، وبين ما رأته العين وما لا يستطيع الزمن أن يمحوه.

***&***

تاريخ المصور أوسكار متري «1927» عميد المصورين العرب، الذي كرمته أخيراً جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي، حافل بالإنجازات التي تركت أثرها في مسيرة هذا الفن بالوطن العربي. ورحلة متري مع الكاميرا التي بدأت منذ الطفولة، لتتحول إلى مهنة عام 1952 بعمله مصوراً عام 1952 في دور النشر والطباعة في القاهرة، حافلة بالقصص والمغامرات الأقرب بأحداثها في بعض الأحيان إلى أفلام «الأكشن».

سأحكي مغامرتين:

يحكي متري خلال لقائه في دبي، بعضاً من تلك القصص التي تحبس الأنفاس وتلقي الضوء على المخاطر التي يتعرض لها المصورون، مقابل التقاط صورة أو تغطية حدث ما. ويبدأ متري بتمهيد قائلا: «عملي كمصور دفعني للمخاطرة إما بحياتي أو بارتكاب بعض التجاوزات، للحصول على سبق صحفي».

ويضحك قبل متابعته «بالطبع لم أكن متزوجاً حينها. سأحكي قصتين تعكسان نوعية هذه المخاطر.

تبدأ القصة الأولى حينما كنت أعمل في القاهرة بالخمسينيات من القرن الماضي، حيث قرأنا في الأخبار عن تعرض ملك الأردن الراحل طلال بن عبدالله 1909-1972 إلى حادثة سيارة خلال توجهه إلى الاسكندرية من القاهرة عبر طريق الصحراء.

وبالطبع وضع الأمن والبوليس مشفى قصر العين تحت الحراسة المشددة، منعاً لأية زيارة مهما كان نوعها.

واستطعت من خلال التعاون مع طبيب صديق لي يعمل في المشفى، إعداد سيناريو تمثّل في تسللي إلى المشفى في الخامسة صباحاً مرتدياً زيّ الطبيب الأبيض وحاملاً ما يشبه حقيبته. وبعد حين دخلت برفقة مجموعة من الأطباء إلى جناحه.

وشجعني ترحيبه ورغبته في الحديث معنا، على اقتراح التقاط صورة تذكارية لزملائي معه، وأخرى له بمفرده. بالطبع حينما تصدرت الصورة خبرنا، شعرت أن المغامرة أتت بثمارها».

بعد ابتسامة وحالة تأمل، تومض عينا متري وهو يقول بحماس: المغامرة الأشد خطورة على حياتي والتي لا أنساها، واجهتها خلال عملي كمصورٍ رئيسيّ في مجلة «العربي» الثقافية التي كانت ذات شعبيةٍ واسعةٍ عام 1960.

تمثل عملي في المجلة آنذاك بالتصوير التوثيقي عبر استطلاعات مصورة والذي أسسنا له في المنطقة العربية، وذلك عبر القيام بزيارة كل شهر لأحد البلدان العربية من شمال إفريقيا إلى بلاد الشام.

أما تلك المغامرة فكانت في بداية الستينات، خلال ما يشبه الحرب الأهلية التي استمرت قرابة سبع سنوات بعد استقلال الجزائر، والتي بدأت خلال سفري وزميلي في سيارة أجرة من الجزائر إلى وهران التي تبعد 480 كم، وفجأة ونحن على طريق السفر ليلاً تحت وابل أمطار غزيرة، رمى السائق نفسه خارج السيارة وهي تسير. وكل ما أذكره عندما صحوت أني في المشفى ليقول لي الأطباء إننا نجونا بأعجوبة، بفضل الشجرة التي حالت دون سقوطنا الكامل من الجسر إلى الهاوية على عمق 40 متراً.

واستغرق علاجي من الإصابات في مشفى وهران شهرين ونصفا».

سيرة متري:

يعد المصور الكندي ذو الأصول اللبنانية «أوسكار متري» 1927، أول من أدخل الصورة أو الفيلم الملون إلى العالم العربي، بعد حصوله على دبلومٍ تخصّصيّ من معهد باريس للفنون في مجالي الصور والشرائح الملوّنة عام 1956. وكان لفترة التدريب التي قضاها في مجلة ناشيونال جيوغرافيك في واشنطن الأثر الأكبر في اكتسابه خبرةً عاليةً في مجال التصوير الصحفي.

***&***

إعداد المهندس: محمد ضو – جائزة حمدان للتصوير ( هيبا ):

معرض الصور:

من أرشيف مجلة «العربي» الكويتية ومصادر الصور التاريخية المتاحة
أرشيف «العربي» الرسمي يؤكد أن:

أوسكار متري كان المصور الذي رافق سليم زبال

في الاستطلاعات منذ انطلاق المجلة سنة 1958، وأن هذه الصور أصبحت اليوم وثائق تاريخية للحياة العربية.

  1. البحرين – 1958
    العمل: حاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة في المجلس الخارجي بقصره، محاطًا بالشيوخ والأعيان والمواطنين.
    المناسبة: أول استطلاع مصور لمجلة «العربي».
    المجلة: العدد الأول، مارس 1958.
    المصور: أوسكار متري.
    المصدر: أرشيف «العربي» الرسمي.
  2. البحرين – 1958
    العمل: حفل زفاف المؤرخ البحريني خليل بن محمد المريخي.
    الموضوع: توثيق عادات الزواج البحرينية.
    التاريخ: 4 يوليو 1958.
    المصور: أوسكار متري.
    وتذكر شهادة المريخي أن بعثة «العربي» حضرت حفل زفافه والتقطت الصور بهدف نشرها في العدد الأول.

    3–5. البحرين – 1958/1959
    الموضوع: الحياة البحرية والغوص بحثًا عن اللؤلؤ.
    وتشمل الصور التي وثقتها بعثة «العربي»:
    الغواصون أثناء الرحلة.
    سفينة الغوص.
    عملية البحث عن المحار واللؤلؤ.
    الحياة المرتبطة بمهنة الغوص.
    وقد رافق متري الغواصين ميدانيًا، وهو ما منح الصور قيمة وثائقية استثنائية. ونشرت مادة الغوص في العدد الثاني، يناير 1959.
  3. بيروت – 1959
    العمل: ساحة الشهداء.
    المجلة: «العربي»، يوليو 1959.
    الموضوع: بيروت في نهاية الخمسينيات.
    المصور: أوسكار متري.
  4. بيروت – 1959
    العمل: ميدان سباق الخيل.
    الموضوع: الحياة الاجتماعية والترفيهية في بيروت.
  5. بيروت – 1959
    العمل: الوسط التجاري.
    الموضوع: الحركة التجارية والعمرانية للمدينة.
  6. بيروت – 1959
    العمل: مرفأ بيروت.
    الموضوع: الميناء وحركة المدينة الاقتصادية.
  7. بيروت – 1959
    العمل: ساحة رياض الصلح.
    الموضوع: الحياة المدنية والحركة اليومية.
  8. بيروت – 1959
    العمل: حي الزيتونة.
    الموضوع: المشهد الحضري والاجتماعي للمدينة.
    هذه المجموعة منشورة ضمن استطلاع «بيروت: تحسبها بابل أو سفينة نوح» في «العربي»، وقد نُسبت صراحة إلى أوسكار متري.
  9. أبها – السعودية – 1969
    العمل: فتاة صغيرة من أبها، ظهرت على غلاف مجلة «العربي».
    التعليق الأصلي: «أنا عربية من أبها».
    المجلة: العدد 128، يوليو 1969.
    الاستطلاع: سليم زبال.

    Google Groups +١
    13–15. أبها – 1969
    الموضوع: الحياة اليومية في أبها وعسير، ومنها:
    العمارة التقليدية.
    طبيعة المنطقة الجبلية.
    البيوت القديمة.
    الحياة الاجتماعية.
    تفاصيل البيئة المحلية.
    وقد ضم التحقيق المنشور في «العربي» عددًا كبيرًا من الصور، وتؤكد المصادر أن متري كان المصور.
  10. الكويت – 1970
    العمل: بوابة الجهراء.
    الموضوع: العمارة والمشهد الحضري الكويتي القديم.
    المصدر: كتالوج صادر في الكويت عام 1970، من تصوير أوسكار متري.
  11. الكويت – 1970
    العمل: مقهى/ديوانية شعبية.
    الموضوع: الحياة الاجتماعية الكويتية.
  12. الكويت – 1970
    العمل: حراج السيارات.
    الموضوع: النشاط التجاري والحياة اليومية.
  13. الكويت – 1970
    العمل: الصيد بالصقور.
    الموضوع: أحد المظاهر التراثية الكويتية.
  14. الكويت – 1970
    العمل: سهرة شعبية كويتية.
    الموضوع: الحياة الاجتماعية والتراث الشعبي.
    وتوجد مجموعة موثقة من هذه الصور في أرشيف تاريخ الكويت، مع نسبتها إلى أوسكار متري وذكر أنها من كتالوج «الكويت 1970».

    صور إضافية مهمة
    هناك أيضًا مادة مصورة عن عدن ارتبطت باستطلاعات سليم زبال وأوسكار متري، وتؤكد «العربي» أن متري كان مساعد زبال ومصور الاستطلاعات في تلك المرحلة. كما تشير شهادة منشورة في أرشيف المجلة إلى أن الاثنين زارا عدن سنة 1970 وكانا يخططان لتحقيق مصور عن جزيرة سقطرى.

    الصورة الشخصية الأهم لأوسكار متري
    وجدت أيضًا صورة تاريخية مهمة جدًا للمصور نفسه، يظهر فيها أوسكار متري إلى جانب سليم زبال. وهي من أفضل الصور المتاحة حاليًا لتقديم شخصية متري في مقالتك، لأن المصدر يعرّف الشخصين صراحة، ويصف متري بأنه المصور المصري الشاب الذي اختاره أحمد السقاف للعمل في «العربي» منذ بداياتها.

    تنبيه مهم للاستخدام في مجلة «فن التصوير»
    هذه الصور تاريخية لكنها ليست بالضرورة حرة الحقوق. لذلك أنصح عند النشر التجاري أو الصحفي بأن يُكتب تحت كل صورة، بحسب المصدر المتاح:
    تصوير: أوسكار متري – أرشيف مجلة العربي الكويتية
    وإذا كانت الصورة مأخوذة من موقع أو مدونة أعادت نشرها، فمن الأفضل الحصول على إذن من أرشيف «العربي» أو صاحب الحقوق قبل إعادة إنتاج الصورة بدقة عالية. أرشيف «العربي» نفسه يؤكد القيمة التاريخية لهذه الاستطلاعات المصورة، وأنها أصبحت مادة مرجعية للباحثين والمؤرخين.

أخر المقالات

منكم وإليكم